• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (النازعات) [2]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) . تسع آيات ذات وحدة موضوعية واحدة .

( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) ) : هذا الظرف متعلق بما أضمر، وتقديره: لتبعثن يوم ترجف الراجفة. والراجفة: قيل في تفسيرها: النفخة الأولى التي يحصل بها الصعق، والرادفة النفخة الثانية التي يحصل فيها البعث. ولا ريب في وجود نفختين، فإن الله سبحانه وتعالى قال : ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) فالنفختان هما:  نفخة الصعق , ونفخة البعث. وأضاف بعض العلماء نفخة ثالثة، سموها نفخة الفزع , واستدلوا لذلك بأحاديث. وقيل أيضاً في تفسير الراجفة: أنها النفخة الأولى ، وأن الرادفة هي النفخة الثانية , وقد ورد هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: إن المراد بالراجفة هي الأرض نفسها؛ لقول الله تعالى : ( يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً)، والرادفة: السماء؛ لكون انشقاق السماء يأتي بعد ذلك, فتكون الراجفة الأرض حين ترجف , والرادفة السماء حين تنشق. ولعل ما ذهب إليه ابن عباس أقرب .

(  قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) ) : صور الله سبحانه وتعالى، مظاهر الفزع، والخوف، ظاهراً، وباطناً ؛ أما الباطن ففي قوله : ( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ) أي : خائفة , والخوف محله القلب وأي خوف أعظم من ذلك الخوف الذي لا يدرى صاحبه إلى أين يصار به؛ إلى جنة أم إلى نار ؟ تخيل نفسك في بعض مواقف الدنيا، في أمر دنيوي عما قليل تتجاوزه، وتشتغل بغيره؟ فكيف بهذا الأمر الأبدي، السرمدي، الذي هو نهاية حال العبد ؛ فلذلك كانت القلوب واجفة .

( أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) : أبصار أصحاب القلوب خاشعة، أي: ذليلة؛ لأن الخشوع هو الهبوط. ولا ريب أن القلب هو سر العبد الداخلي, ولا ريب أن العين، أعظم ما يظهر عليه الأثر. العين هي المرآة التي تكشف عما في القلب. ولما وصف الله حال الظالمين، قال : ( ينظرون من طرف خفي )! فالطرف، والنظر، ينبأ عما في القلب فهو مرآته العاكسة. والخشوع يدل على الهبوط, قال تعالى: ( وترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ) .

( يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ) : تساؤل عجيب! يكشف عن قلق، وتوتر، وعجب لا ينقطع. (لمردودون) يعني: معادون , ( في الحافرة ) الحافرة: هي الحياة بعد الموت. يعني أنعود نحيا بعد أن متنا , كما وصف الله عز وجل هذا في موضع آخر: ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) والنسلان هو الإسراع في المشي, ( قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا ) ما كانوا يتوقعون هذا ولا يأملون ؛ لأنهم كانوا منكرين للبعث, ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) , فيالها من مفاجأة , وأي مفاجأة ! صدمة هائلة لهؤلاء المنكرين للبعث. وتأمل وقع هذه الآيات عليهم في الدنيا، وهم ينكرون البعث, لا ريب أن مثل هذه الآيات هزت كثيراً من القلوب ودعتها إلى الإيمان , إلا من أبى. وقيل في تفسير الحافرة، أي: الأرض؛ يعني: أنحن مردودون إلى الأرض التي كنا نسكنها ؟ وقيل، وهو قول بعيد: (الحافرة)  النار. ولا يستقيم هذا مع قولهم ( لمردودون ) ؛ لأنهم ما كانوا فيها حتى يردوا  إليها. وأصل الحافرة في لغة العرب: رجوع المرء من الطريق الذي أتى منه. تقول العرب : " رجع فلان إلى حافرته "  كأن الإنسان إذا سلك درباً حفر أثره في طريقه, فإذا قيل رجع فلان إلى حافرته، كأنما قيل رجع أدراجه يعني رجع على سيرته، وخطته التي مشاها.

( أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً ) : يعني بعد أن كنا عظاماً، بالية، فانية, فارغة يصوِّت فيها الريح ؛ لأنها لما بليت، صارت مجوفة، فصارت الريح تصفر فيها، تدخل، وتخرج. وقيل أيضاً من معاني نخرة: مرفوتة، يعني مدقوقة محطمة .

( قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ) : يعني إن كان الأمر كذلك، فهذه رجعة لا خير فيها، والعياذ بالله؛ لأنهم يعلمون أنهم أساءوا في الأولى، فهم غير متفائلين لهذه الرجعة، فلذلك حكموا على رجعتهم بأنها خاسرة ،لا خير فيها .

( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ) : يعني كل ما في الأمر, فالأمر هين بالنسبة لله عز وجل، أنها زجرة واحدة، وحسب. , والزجرة: هي الصيحة, لكنها بهذا التعبير زجرة تعطي معنىً أشد، من كلمة صيحة, ففيها معنى العنت، والعنف, زجرة واحدة، لا مثنوية فيها .

( فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) : يعني فإذا القوم تنشق عنهم قبورهم، ويبعثون ؛ ليكونوا في الساهرة, والساهرة: هي الأرض بعد التبديل. يقول الله عز وجل : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ), فالأرض التي يبعث عليها الناس، أرض كالقرصة, وكالخبزة , ليس فيها معلم لأحد؛ فإن الله أخبر أن الجبال تدك، فتصبح: (قاعاً صفصفاً . لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ) , مشهد مهيب، مهول, تعود الأرض ممدودة كمد الأديم، ليس فيها معلم لأحد؛ لا جبل يشرف منه الإنسان، ولا وادٍ يُكنُّه, بل يصبح الناس على حد سواء.  هذه هي أرض المحشر. وقيل في تفسير الساهرة أي: أنها اسم مكان معروف من الأرض في الشام, وقيل : إنه جبل إلى جانب بيت المقدس. وأقرب هذه الأقوال أن الساهرة هي الأرض التي تكون بعد التبديل, أرض ليست كأرضنا التي نحيا عليها الآن, بل أرض مهيأة لاجتماع الخلائق عليها, منذ آدم عليه السلام إلى آخر من يموت على وجه الأرض, ليس الآدميين فحسب، بل كما سيأتي إن شاء الله , ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) , فالعشار, والوحوش, وكل شيء يجتمع على تلكم الأرض .

هذه الآيات العظيمة تتضمن إقرار عقيدة البعث، بأوضح ما يكون، وبأشد ما يكون! فالله سبحانه وتعالى يبدأ بذكر ما يجري يوم القيامة؛ من رجف الأرض, فيخبر الله عز وجل بأن هذه الأرض المستقرة، التي امتن علينا باستقرارها في موضع، فقال : ( أمن جعل الأرض قراراً ), ضع يدك على الأرض تحس أنها مستقرة, لم يدر بخلدك يوماً أن تتحرك، وتهتز, هذه الأرض ترجف ( يوم ترجف الراجفة ) , ورجف الأرض مقارن للنفخة الأولى, فلا تعارض بين التفسيرين, ولا مانع من الحمل عليهما معاً, (تتبعها الرادفة) نفخة أثر نفخة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن بينهما أربعون, فقيل : أربعون سنة؟ قال : أبيت، فقيل: أربعون شهراً ؟ قال : أبيت , قيل: أربعون يوماً ؟ قال : أبيت . فالله أعلم، بأي تقدير تلك الأربعين,. ويكون حال الناس، ما وصف الله تعالى من وجف القلوب، واضطرابها, ومن خشوع الأبصار وقلقها، وحيرتها، فزعاً مما هي مقبلة عليه. ويتساءل المنكرون للبعث في ذلك المقام، تساءل المشدوه، الفزِع، المصدوم: ( أإنا لمردودون ) لما كنا فيه من حياة, معادون للأرض التي كنا نسكنها ؟ يا لها من خسارة فادحة ! فهم قد علموا من حالهم أنهم كانوا مكذبين، وحق عليهم ما توعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم، فأدركوا أن أمرهم في خسار، وسفال, فلذلك جزموا ( تلك إذاً كرة خاسرة ) , وبين الله تعالى أن الأمر حق، لا مثنوية فيه : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) .

هذه الآيات تضمنت العديد من الفوائد منها :

الأولى : إثبات النفختين.

الثانية : عظم شأن الساعة. ولهذا كان من رحمة الله عز وجل أن الساعة، لا تقوم على مؤمن , لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق .

الثالثة : بيان مظاهر الخوف؛ الظاهرة، والباطنة؛ الباطنة في القلوب , والظاهرة في الأعين .

الرابعة: صدمة الكفار يوم القيامة, وشدة ندمهم .



التعليقات ( 0 )