• ×

د. أحمد القاضي

سورة (النبأ) [4]

د. أحمد القاضي

 0  0  3.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

} إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (33) وَكَأْسًا دِهَاقاً (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَباً (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (40){

يقول الله تعالى : ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) المتقون : هم الذين اتقوا الله عز وجل , بفعل أوامره , واجتناب نواهيه , هم الذين يخشون ربهم بالغيب :

خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التــقى

واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصـــى

       التقوى : حال يقيمها الله عز وجل في قلب العبد , فتكون واعظاً له من تلقاء نفسه ؛ كلما همَّ بمعصية قال : اتق الله ! خفِ الله ! خفِ اليوم الآخر ! فيردعه. تقول فاطمة بنت عبد الملك : كان عمر ابن عبد العزيز، رحمه الله، يذكر الموت وهو على فراشي , فينتفض كما ينتفض العصفور .

       إذا أراد الإنسان أن يقيس تقواه، فلينظر إلى حاله عند غيابه عن أعين الناس. لا تقس تقواك وأنت بين الناس؛ يركعون، ويسجدون، فتركع، وتسجد معهم , وهم يذكرون، فتذكر معهم. إذا أردت أن تقيس تقواك، فانظر إلى نفسك حينما تخلو, هل يردعك واعظ الله في قلبك أم لا ؟ هاهنا التقوى .

     (مفازاً) : أي : مكان فوز, وقيل : متنزه , وقيل : ( مفازاً ) أي : الجنة , كما فسرها ما بعدها :

     (حدائق) : جمع حديقة, وسميت بذلك، لأنها تحدق بالأشجار, والثمار, وأنواع ما يخرج من الأرض.

     (وأعناباً) خص الأعناب بالذكر ، لأنه من أكرم الثمار الذي تعرفه العرب. وهو لا شك ثمرة كريمة , وفاكهة طيبة . ولكن لا يخفى أن الأمر كما قال ابن عباس، رضي الله عنهما : " ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء " , الأسماء واحدة، لكن الحقائق مختلفة , فليس عنب الجنة كعنب الدنيا , اتفقت الأسماء , لكن الحقائق، والمسميات متفاوتة، حتى إن ثمار أهل الجنة التي من شكل واحد، تتفاوت طعومها, قال الله عز وجل : ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ) يعني : تكون صورته واحدة، فيظنون أنه هو الذي طعموا من قبل, فيجدون طعمه مختلفاً ؛ لسعة كرم الله , وإغداقه عليهم من النعم . وعبر بهذين الوصفين (حدائق وأعناباً) عن لونين من ألوان النعيم الحسي في الجنة، وهما الأمكنة البهية، والثمار الشهية .

     (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا) هذا لون آخر من المتع الحسية؛ وهو الاستمتاع بالحور العين, والكواعب: جمع كاعب، وهي الجارية التي تفلك نهدها، واستدار. وهذا غاية ما يكون في الجمال, والرغبة في النساء.

     (أتراباً) أي : متساويات الأسنان. فهم يرزقون هؤلاء الكواعب الناعمات، الأنيقات، الجميلات , التي يرى مخ ساق إحداهن من وراء سبعين حلة, ولو اطلعت إحداهن على أهل الأرض لأشرق ما بين الخافقين. قال الله عز وجل : ( وعندهم قاصرات الطرف أتراب ) , فهذا لون آخر من نعيم الجنة .

     (وكأساًً) الكأس: المراد به كأس الخمر, لكن أي خمر؟ قال تعالى : ( لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) يعني : لا تسبب لهم صداعاً وأذىً, وإنما هي خمر يلتذون بشربها , لا تضيع عقولهم ولا تصدع رؤوسهم ,

     (دهاقاً) أي : ممتلئة, ليست قاصرة ناقصة, وقيل : متتابعة, ما يكاد يشربها حتى تمتلئ من جديد , وقيل: صافية. ولا مانع من اجتماع جميع هذه الأوصاف, فتلكم الكأس، أذاقنا الله وإياكم طعمها، ممتلئة، مترعة، متتابعة، صافية .

     (لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً) أي : أنهم قد صان الله أسماعهم أن يسمعوا اللغو الذي يحصل عادة بين المخمورين ؛ لأن المخمورين إذا شربوا الخمر، فاهو بالكلام السوء, واللغو, والسباب, أما أهل الجنة فإنهم لا يسمعون هذا من جراء تعاطيهم لكأس الخمر.  ( لغواً ) اللغو: هو الكلام الفاحش البذيء, (ولا كذاباً) أي : ولا الكذب .

     (جزاءً من ربك عطاءً حساباً) يعني : أنهم يستأهلون, لكنهم إنما نالوا ذلك برحمة الله لا بعملهم, فالله عز وجل، من كرمه، وفضله، ومنِّه، أنعم عليهم بهذه النعم العظيمة المتتابعة، التي أعمالهم لا تكافئ عشر معشارها, فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : " لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ. قَالَ رَجُلٌ: وَلَا إِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا إِيَّايَ، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَلَكِنْ سَدِّدُوا" رواه مسلم. فإن قلت : فما معنى قول الله عز وجل : ( وتلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) ؟ فالجواب أن الباء في الآية للسببية , يعني بسبب أعمالكم , فالباء المثبتة هي باء السببية , والباء في الحديث، هي المنفية، وهي باء المقابلة والثمنية..

     (رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن) الرب: هو الذي يربي خلقه بنعمه , هو الذي ينشأ من العدم , هو الخالق، المالك، المدبر, فهو رب كل شيء, ومليكه, وخالقه, ورازقه, ومدبر أمره, فالله تعالى رب السموات، والأجرام العلوية, ورب الأرض، والآيات السفلية, سبحانه وبحمده، لا يخرج شيءٌ عن ربوبيته.

     (لا يملكون منه خطاباً) أي : لا يستطيع أحدٌ أن يتقدم بين يديه بقول، إلا ما استثني .

     (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون) أي : إجلالاً لله, وتعظيماً لله, ومهابة .

     ( إلا من آذن له الرحمن وقال صواباً ) أي : لكمال إجلالهم، وتعظيمهم، وخوفهم، وخشيتهم الله عز وجل، لا ينطقون ببنت شفة، إلا ( من أذن له الرحمن وقال صواباً ) هذا الذي يفسح له بالكلام. ويدخل في هذا الشفاعة؛ فإن الله سبحانه وتعالى، لا يأذن بالشفاعة إلا بشرطين : أذن الله للشافع أن يشفع , ورضاه عن المشفوع له , فقوله: ( إلا من أذن له الرحمن ) يدل على الشرط الأول، وهو أذن الله للشافع أن يشفع , وقوله : ( وقال صواباً ) يدل على الشرط الثاني، وهو ورضاه عن المشفوع له .

(الروح) : قيل فيه أقوال عدة , قيل : إن الروح ملك عظيم، خلقه يوازي خلق جميع المخلوقات. وقيل : إن الروح هو جبريل عليه السلام. وقيل : إن الروح هم بنو آدم. وقيل إن الروح هي أرواح بني آدم. وقيل إن الروح هو القرآن. والأقرب، والله أعلم، أنه  جبريل ؛ لأن الله تعالى  قال في سورة القدر: (تنزل الملائكة والروح فيها) . وإن كان قد وقع خلاف أيضاً، في تفسير الروح في سورة القدر، من أنهم طوائف من الملائكة, لكن نظراً لعظم أمر جبريل, وأنه سيد الملائكة لا عجب أن يخص بالذكر .

(ذلك اليوم الحق) أي : يوم القيامة .

(فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) أي : مرجعاً وتوبة .

(إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً) النذارة : هي الإخبار بالأمر المخوف. وضدها البشارة : وهى الإخبار بالأمر السار. والمناسب لحال القوم النذارة ؛ لأنهم منكرون، معاندون, ويوم القيامة ليس ببعيد, قال صلى الله عليه وسلم : (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) متفق عليه, فأمرها قريب, (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب/63]. وهذا القرب قرب نسبي، لأنه منسوب إلى مجموع خلق العالم , فلا يقال : كيف قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقد مضى على مقولته أربعة عشر قرناً وزيادة ؟ فالأمور لا ريب أنها نسبية .

     (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) المرء هاهنا:  هو جنس الإنسان , وذهب الحسن، رحمه الله، إلى أن المرء هاهنا هو المؤمن خاصة؛ بدلالة المقابلة, فإنه قال : (ويقول الكافر)، فالأول هو المؤمن , والثاني هو الكافر. فكأنه رحمه الله، جعل ذلك من باب التقسيم, وأن الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من أحد إلا ويندم يوم القيامة؛ فأما الكافر فيندم لكفره, وأما المؤمن فيندم ألا يكون قد استكثر من الخير, ولكن لا ينفع هذا الندم وهذا الاستعتاب في ذلك الموقف.

     (ويَقُولُ الكافر يا ليتني كنت تراباً) يتمنى الكافر، والعياذ بالله، أن لو كان تراباً , أي : أن لو كان تحلل، وعاد كما كان في الحياة البرزخية. وقيل إن سبب تمنيه هذا، هو ما جاء في الآثار من أنه في يوم القيامة، يقام العدل, حتى إنه ليقتص للشاة الجماء، من الشاة القرناء؛ لأنها نطحتها في الدنيا, ثم بعد ذلك يقال لهذه الحيوانات: كوني تراباً! فيتمنى الكافر أن لو صار بمنزلة الحيوانات, ليكون تراباً .

الفوائد المستنبطة :

1- إثبات البعث , وأهوال القيامة الكبرى.

2- إثبات الحساب, والفصل في الحقوق, والله تعالى سماه يوم الفصل .

3- إثبات النار - أجارنا الله وإياكم من عذابها الحسي والمعنوي

4- العدل الإلهي , فالجزاء من جنس العمل: ( جزاءً وفاقاً ) ، بالنسبة للنار , ( جزاءً من ربك عطاءً حساباً ) , بالنسبة للجنة, فالجزاء من جنس العمل, وإن من معاني ( حساباً ) معنى الكفاية ومنه قول العرب : " أعطاني فاحسبني " يعني : حتى قلت حسبك .

5- إثبات الجنة ونعيمها الحسي والمعنوي جعلنا الله وإياكم من أهلها.

6- الاستئناس باسم الرحمن في تقوية الرجاء, قال تعالى : (الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً) , فمع أن المقام مقام مهول ومخوف, إلا أنه أتى بهذا الاسم الرقيق الذي يدل على الرحمة, ففيه يتنسم المؤمن نسيم الرجاء, ولا ريب أن ذكر الأسماء الحسنى في ذيل الآيات, أو في أثناء الآيات له دلالة, ألم تروا أن الله سبحانه وتعالى قال :     (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ والله عزيز حكيم) , ثم قال بعدها : (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) فختمها بقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة/39] , فكل اسم من أسماء الله الحسنى يناسب ذكره في سياق معين.

7- إثبات الملائكة، وخشيتهم لربهم

8- إثبات الشفاعة بشروطها: ( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ) .

9- إثبات المشيئة الإنسانية, والرد على الجبرية, لقوله : (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) , فالإنسان يشاء، وله مشيئة حقيقية , خلافاً للجبرية الذين يقولون العبد مسير، مسلوب المشيئة، مجبور على فعله. والحق أن العبد له مشيئة حقيقية, ولكن هذه المشيئة داخلة تحت مشيئة الله ؛ لقوله تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .

10- قرب أمر الساعة , ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً ) , فقرب العذاب، دليل على قرب الساعة.

 11- بيان أعظم الندم، أجارنا الله وإياكم, قال تعالى : ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً ) .



التعليقات ( 0 )