• ×

أ.د. أحمد القاضي

سورة (النبأ) [3]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  2.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30))

 

هذا القرآن العظيم، نزل قولاً ثقيلاً، محكماً، رصيناً, على قومٍ كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء, على قوم لا يرون موتاً، ولا بعثاً، ولا حياة، ولا نشوراً. قوم يقول قائلهم: إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر! يأكلون، ويتمتعون كما تأكل الأنعام، وتتمتع. فلما أراد الله بهم خيراً، بعث فيهم هذا النبي العظيم، وأنزل إليه هذا القول الكريم؛ ليخرجهم من غفلتهم، وسدرتهم, فحركت أذهانهم، وهزت كيانهم، وأيقظتهم من غفلتهم، ورقدتهم، ولفت انتباههم إلى ما في هذا الكون من الآيات البينات، والحجج الباهرات، ليستدلوا بها على توحيد الألوهية، وأن الله وحده، هو المستحق للعبادة، وأنه لا يمكن أن يخلق هذا الكون سدى، ولا عبثاً, بل لحكمة بالغة. فلما قرر الله تعالى ذلك فيما تقدم من الآيات، ختمها بآيتين، هما كالوصلة للآيات التاليات، فقال : (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) . وفي هذا ملحظ بديع! كأن الله تعالى يقول: انتبهوا. هذه الجنات الألفاف، أخرجها الله من أرض موات! فالقادر على أن يُحيي الأرض بعد موتها، قادر على أن يخرجكم من قبوركم أحياء, كما قال الله تعالى في سورة (ق)، بعد أن ذكر إنزال المط، وإنبات النخيل، قال بعد ذلك : (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).

قال الله عز وجل: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) (إن): حرف توكيد, فهذه جملة مؤكَّدَة, جملة تامة، ذات دلالة قوية. ويوم الفصل هو: يوم القيامة. وهذا أحد أسمائه. وأسماء يوم القيامة كثيرة جداً, وقد عدَّ القرطبي، رحمه الله، منها خمسين اسماً، وعدَّ ابن كثير، رحمه الله، ثمانين اسماً. وهذه الأسماء بعضها مبثوث في كتاب الله, وبعضها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعضها أوصاف أطلقها بعض العلماء. فمما جاء في كتاب الله تعالى: (يوم الدين), (يوم التغابن), (الطامة), (الصاخة), (يوم التلاق), (الحاقة), (الغاشية), (القارعة), (يوم الحساب), (يوم التغابن), (يوم الحشر), (يوم الآزفة)(يوم الفصل) كما هاهنا. فهي كثيرة جداً, وهذه الكثرة ليست فقط كثرة في الأسماء, لكن لها دلالتها, فإن كل اسم من هذه الأسماء يُعطي دلالة معينة, فـ(القارعة)؛ لأنها تقرع القلوب. و(الصاخة)؛ لأنها تصخ الآذان. و(الآزفة)؛ لقربها. وهكذا في كل اسم من هذه الأسماء. وهذه الكثرة في الأسماء، تدل على عظيم العناية بالإيمان باليوم الآخر.

فقوله: ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) أي: الفصل بين الخلائق؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير, والفصل في المظالم, فينال الظالم جزاء ظلمه، ويُعوض المظلوم عن مظلمته. فالفصل يتناول كل ملتبس. وقوله: (كَانَ مِيقَاتًا) أي: أنه موعد مؤقت, قد وقته الله تعالى، وعلم زمن حصوله, ولكنه أخفاه. ولهذا اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل، حين سأله عن الساعة, فقال: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ "(1), فأعظم رسول بشري، وأعظم رسول ملكي، كلاهما لا يعلمان متى الساعة, كما قال الله عز وجل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا . فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا . إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) [النازعات/42-44], وفي الآية الأخرى:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف/187]. ولما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة, متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددت لها؟"(1), فلم يقل في يوم كذا، وكذا. فالله تعالى قد أخفى عنا الساعة، إلا أنا نعلم أنها تأتي بغتة، وأنها مجهولة الموعد، وأنها شديدة الوقع. فالساعة يخاف منها المؤمنون، لتعظيمهم لله سبحانه وتعالى قال عز وجل: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ . يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [الشورى/17، 18]. والساعة كما سبق، لا تأتي إلا بغتة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ، فَلَا يَطْعَمُهُ . وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ، فَلَا يَسْقِي فِيهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا"(2). فأمرها يقع فجأة، وسرعة. وقد جاء في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله  عليه وسلم قال: "مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ. قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ، لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(3). فابن آدم يتحلل، ويفنى، ويعود تراباً، ولا يبقى منه إلا عجب الذنب؛ وهو العصعص, فيحفظ الله تعالى في هذا المتبقي منه، الصفات الوراثية التي منه يركب الخلق.

وقوله تعالى: ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) هذا بيان وتوضيح, أي: أن يوم الفصل هو يوم ينفخ في الصور, وأتى بصيغة الفعل الذي لم يُسمَّ فاعله، لتفخيمه وتعظيمه. و(الصُّورِ) : هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، النفخة الأولى، التي يكون بها الصعق، والنفخة الثانية، التي يكون بها النشر. وقد جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كَيْفَ أَنْعَمُ! وَقَدْ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ"(1) أي: كيف أتنعم، وأهنأ بالعيش، وصاحب القرن، إسرافيل عليه السلام، قد التقم قرنه، أي: وضعه في فيه، استعداداً للنفخ، ينتظر أن يؤمر. فالذي يذكر هذا، لا يطيب له عيش, لأنه يخشى موعود الله عز وجل.

ففي قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) مشهد مهيب، رهيب, فإن البعث أمره عجيب: كل من دب على وجه الأرض، ثم مات، وتحلل فيها، يجمع الله خلقه يوم القيامة, فيُبعث الناس حفاةً، عراةً، غرلاً، بهماً، ويقومون لرب العالمين، يساقون على هيئة أفواج؛ زمراً زمراً! وتخيل هذا الحشد العظيم؛ من لدن آدم، عليه السلام، طوله ستون ذراعاً في السماء, ثم لم يزل الخلق ينقص بعد ذلك، إلى أن آل إلى ما نحن عليه، ولا ندرى إلى ما يؤول أيضاً بعدنا، في موكبٍ واحد، على صعيد واحد، على تفاوت أحجامه، وأطواله، وألوانه! وقوله تعالى: (أَفْوَاجًا) أي: فوجاً إثر فوج، والفوج: هم الجماعة من الناس. وقارن بين تلك الصورة التي ذكرها سابقاً، من حال الدنيا واستقرارها، بقوله: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) وهذا الانقلاب الكوني الهائل .

ثم قال تعالى: (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا): فهذه السماء التي لا ترى فيها الآن ثقباً، ولا قدر رأس الإبرة، كما قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ . ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك/3، 4], فإذا بهذه السماء المحكمة، المتماسكة، المبنية، تنشق يوم القيامة، وتنفتح فيها فرج، وطرائق؛ ليهبط منها الملائكة, قال تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) [الفرقان/25]، فتنشق كل سماء، ويهبط ملائكتها، فيحيطون بأهل الأرض إحاطة السوار بالمعصم. ولاحظ في قوله تعالى: (وفتحت)، و(ينفخ)، وما بعدهما،كلها بصيغة الفعل الذي لم يُسمَّ فاعله, وذلك من باب التفخيم والتعظيم.

قال تعالى: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا)، فهذه الجبال الذي قال عنها قبل بضع آيات: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا), هذه الجبال الراسيات، تسيَّر بعد أن كانت تحفظ توازن الأرض، وتضبط استقرارها. والسراب إما أن يكون المراد به الهباء، أو هو تشبيه له بالماء, وليس بماء، كالذي يراه المسافر في شدة الحر، يزول أمامه يظنه ماء, يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. فهذه الجبال تتراءى لأهل الموقف على هذه الصورة؛ كالسراب. وهذا حال من أحوال الجبال يوم القيامة, ذلك أن الجبال يمر بها يوم القيامة أحوال متعددة؛ منها التسيير، كما في هذه الآية،  وفي قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل/88], ويمر بها أيضاً حال الدك، والنسف, قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا . فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا . لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه/105-107] وقال في آية أخرى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا) [الواقعة/5]، أي: نثرت، ودكت، حتى تصبح كالرماد. فالجبال تعتريها يوم القيامة هذه الأحوال, إلى أن يتحول وجه البسيطة  قاعاً صفصفاً, ليس فيه معلم لأحد؛ ليس فيه مرتفع، ولا منخفض، بل تصبح الأرض كالقرصة .

ثم قال الله عز وجل: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا) جهنم: اسم من أسماء النار, وللنار أسماء كثيرة، وكل اسم من أسمائها يدل على وصف، وحال. ومن أشنع أسمائها (جهنم)، وهي من الجهومة، والسواد. ومعنى (مِرْصَادًا) أي: مكان رصد، وترقب. فهي مترصد لا يجاوزها أهلها حتى يقعوا فيها, والترصد. وذلك أن ما من أحد، إلا ويُعرض على النار, يقول الله عز وجل: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)[مريم/71] أي: إلا مار فوقها, وذلك حين يؤمر الناس بالجواز على الصراط، وهو من أصعب مواقف يوم القيامة، حتى إن دعاء الرسل في ذلك الموطن: اللهم سلّم، سلّم! فحين يعرض الناس على النار، ويمرون فوقها، يتضح كيف تكون (مِرْصَادًا).

 أما أهل النار، الذين هم أهلها، فقد دلت النصوص على أنهم يلقون فيها؛ تجمع أيديهم إلى أعناقهم، ثم يقذفون فيها. وإنما يمر فوق الصراط، الموحدون. فمن سبقت له من الله الحسنى، فإنه يجوزه، دون أن يصيبه شيء. فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من دون ذلك، ومنهم من تخطفه كلاليب على جنبتي الصراط، فتهوي به في النار. فلهذا كانت (مِرْصَادًا)، فهي مرصد للطاغين الذين هم أهلها، وكذلك لمن أراد الله، عز وجل، أن يعاقبه بقدر ذنبه، من عصاة الموحدين.

وقوله تعالى: (لِلطَّاغِينَ مَآَبا) الطغيان هو مجاوزة الحد, فإذا تجاوز العبد حده كان حقيقاً بالعذاب, إلا أن يتجاوز الله تعالى عنه. والله يمكن أن يتجاوز عن كل شيء إلا عن ذنب واحد، هو الشرك, قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء/48]. لكن لا ريب أن مرتكب الكبيرة مجازف، مخاطر. ومعنى (مَآَبا) أي: مرجعاً، ومصيراً. فالأوب: بمعنى الرجوع، والمصير.

 وقوله تعالى: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا): معنى (لَابِثِينَ) أي: ماكثين, و(أَحْقَابًا) جمع حقب. والمقصود بالأحقاب: المُدد الطويلة. وقد ورد تقديرها في أحاديث مرفوعة، وموقوفة، وآثار عن بعض التابعين؛ فمنهم من قال: الحقب: ثمانون سنة، كل سنة فيها اثني عشر شهراً, كل شهر فيه ثلاثون يوماً، وكل يوم بألف سنة. ومنهم من قال: سبعون سنة، على التقسيم السابق. ومنهم من قال: أربعون. ومنهم من قال أكثر، ومنهم من قال أقل. وعلى أي حال، فالأحقاب تدل على مدد طويلة، لكن ها هنا قد يثور إشكال، فربما قال قائل: وماذا بعد الأحقاب؟ أيخرج أهل النار، الذين هم أهلها، منها، أم لا؟ فالذين فسروا الأحقاب بالمدد الطويلة، خرجوا من هذا الإشكال، بأن قالوا: المراد بأنهم (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) أي: حقباً إثر حقب, بحيث لا يتناهى, فهذا خلود مستمر، لا انقطاع فيه. وأما من قال: إن أهل النار، الذين هم أهلها، يخرجون منها بعد مدد طويلة, فربما استدل بهذه الآية على خروجهم. لكن الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة، أن أهل النار، الذين هم أهلها, دعك عن عصاة الموحدين, أي: الكفرة، والمشركون, لا يخرجون منها أبداً؛ لأن الله عز وجل ذكر التأبيد في خلودهم، في كتابه، في ثلاثة مواضع. وذهب ابن جرير الطبري، رحمه الله، إلى توجيه آخر، فقال: إن متعلق قوله (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) بما بعدها، وهو قوله: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا) أي: أنهم في نوع، ولون، من أنواع، وألوان الجحيم, يمكثون فيه هذه الأحقاب, ثم ينتقلون إلى لون آخر. فيكون هذا التحديد، في هذه المدة، تختص بلون، ونوع، من أنواع العذاب.

 ومعنى(برداً): الهواء البارد، أو الماء البارد. وقيل: إن المقصود بالبرد: النوم, فإن العرب تسمي النوم برداً. وقوله: (إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) هذا الاستثناء استثناء منقطع، لأنك لو رفعت (إِلَّا) ووضعت بدلاً منها (بل) صح المعنى, أي: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا) بل يذقون (حَمِيمًا وَغَسَّاقًا). والحميم: هو الماء المتناهي في الحرارة, شديد الغليان, حتى أنهم، والعياذ بالله، إذا استسقوا، أتوا بالحميم ليشربوه، فتسقط جلدة وجهه فيه، كما أخبر الله، عز وجل، عن ذلك في سورة الكهف، و غيرها، قال تعالى : (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف/29]، وقال: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد/15] فهذه سقيا أهل النار، والعياذ بالله، الحميم، وبئس الشراب. وأما الغساق، فقد ورد ذكره في القرآن في غير هذا الموضع, قال تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ . وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ)[ص/57، 58]. فالغساق، المراد به صديد أهل النار، وما يخرج من قيحهم، وجروحهم، ودموعهم، وغير ذلك من أذاهم، الذي يساق إليهم. وقيل: إن الغساق معناه: المنتن. ولا تنافي بين المعنيين, فإنه يكون من صديد أهل النار، وقروحهم، وجروحهم، ويكون أيضاً منتناً. ووصف أيضاً بأنه بارد, فهو يأتيهم على هذه الصفة ويكون بارداً، متنناً، والعياذ بالله.

قال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) أي أن هذا الذي نالوه، إنما هو بسبب كفرهم بالله، عز وجل، (وِفَاقًا) على ما قدموا من سالف أعمالهم السيئة، والجزاء من جنس العمل. ثم علل الله تعالى، استحقاقهم لهذا العذاب الشنيع، فقال سبحانه: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي: كانوا في الدنيا لا يخافون, فيرجون هنا، بمعنى يخافون. وإنما فسرت (يَرْجُونَ) بمعنى يخافون, لأن الرجاء جاء هنا منفياً, فإذا جاء الرجاء منفياً، فإنه بمعنى الخوف, لأنه رجاءٌ يُخاف ألا يتم. ليس المقصود يرجون أي: يتمنون ويبغون ويطلبون, كلا, بل المقصود ضد ذلك, وهذه قاعدة مطردة في القرآن العظيم. فقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) أي أنهم كانوا ينكرون البعث، حتى إن أحدهم، وهو أبي ابن خلف، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عظم بالٍ، ففته أمامه وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميماً ؟ قال: نعم، يبعثك ويدخلك النار. وأنزل الله في شأنه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)  [يس/78]

قال تعالى: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا)  أي: إن آياتنا قد جاءتهم تلوح كالشمس؛ ظاهرةً، مبهرة، لكنهم كذبوا بها! فلا عذر لهم. وقوله: (كِذَّابًا) تأكيد, وإن كان من غير فعله، لأن (كذب) مصدره تكذيباً, لكن يصح أن يأتي المصدر من غير فعله, فقوله: (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) كناية عن شدة تكذيبهم. وقد كانوا كذلك؛ فإنه يأتيهم الحق البين، يسمعون القرآن ينزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، ويفلق لهم القمر فلقتين، يأتيهم بالآيات الواضحات، فلا يزيدهم ذلك إلا كفراً، وتكذيباً.

قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) فلم يخرج عنه شيء أبداً, فكل شيء أحصاه الله عز وجل, ومعنى (أَحْصَيْنَاهُ) أي: ضبطناه، وعددناه، وحفظناه؛ لأن أحصى تأتي بمعنى العد، كقول الله عز وجل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [إبراهيم/34], ويأتي بمعنى الضبط، كتسمية العرب للعقل حصاة، فهو يدل على التعقل، والحفظ, وقوله: (كِتَابًا) أي: مكتوباً, وهذا من تمام عدله سبحانه وتعالى. ولو شاء الله سبحانه وتعالى، لما كتب ذلك, لكن من باب إقامة العدل، وإظهار الحجة, قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق/18]. فقد وكل الله تعالى بكل إنسان، ملكين، يكتبان ما يبدر منه، من قول، أو فعل، فلا يضيع شيء, قال تعالى: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) [الإسراء/13]. فهذه حجة بالغة، لا يثبت لأحد اعتراض عليها، حتى أنه إذا اعترض الكافر، يريد أن يتشبث بأي شيء, كالغريق الذي يتشبث بالقشة, يقول ظلمني الكتبة, قال الله تعالى: ألا يرضيك أن نبعث عليك شاهداً من نفسك؟ فيقول بلى يا ربي! فيختم الله تعالى على فيه، ويُنطق الله جميع جوارحه، فيكون أول من يشهد عليه فخذه، وتشهد عليه جوارحه، ثم بعد ذلك يخلّى بينه وبين الكلام, فيقول: بُعداً وسحقاً فعنكن كنت أناضل(1), قال تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)  [يس/65]

قال تعالى: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) يُقال إن هذه الآية هي أشد آية على أهل النار. وقد روي في ذلك حديث مرفوع، لكنه لا يصح, وروي حديث موقوف عن ابن عمر، رضي الله عنهما, وعن بعض السلف، أن هذه الآية أشد آية على أهل النار, ذلك أنهم يدعون الملائكة، ويقول قائلهم: ( يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف/77]، فتقول لهم الملائكة: (فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [غافر/50]، ثم يأتيهم الجواب الشديد، الذي وقعه عليهم أشد من وقع العذاب الذي هم فيه: (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) أي: ليس هذا فقط، بل إن عذابكم سيزداد.

ومما يؤخذ من الفوائد من هذا المقطع:

الفائدة الأولى: إثبات البعث، وأهوال القيامة الكبرى.

الفائدة الثانية : إثبات الحساب، والفصل في الحقوق،والله تعالى سماه يوم الفصل.

الفائدة الثالثة :إثبات النار, وذكر أنواع العذاب فيها؛ من عذاب حسي وعذاب معنوي.

الفائدة الرابعة: العدل الإلهي؛ فالجزاء من جنس العمل. ويؤخذ من قوله تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا).

 

 


(1)  أخرجه البخاري برقم (50)؛ ومسلم برقم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وأخرجه مسلم برقم (8) من حديث عمر رضي الله عنه.

(1)  أخرجه البخاري برقم (3688) ؛ ومسلم برقم (2639) من حديث أنس رضي الله عنه.

(2) أخرجه البخاري برقم (6506) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري برقم (4814)؛ ومسلم برقم ( 2955) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(1)  أخرجه النسائي في الكبرى برقم ( 11016)؛ والترمذي برقم (3243) . وصححه الألباني " الصحيحة (1078 ,1079) ".

(1)  أخرجه مسلم برقم ( 2968) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه, وبرقم ( 2969) من حديث أنس رضي الله عنه بمعناه.



التعليقات ( 0 )