• ×

د. أحمد القاضي

المشهد السعودي

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فإن (المملكة العربية السعودية) كيان متميز حقاً، من وجوه متعددة:

1-      كونها (دولة دينية) تصطبغ بالشريعة الإسلامية في مختلف تنظيماتها المدنية.

2-      كونها الوارث الشرعي للدعوة السلفية (الوهابية)، وموئل السلفية المعاصرة.

3-      كونها حاضنةً الحرمين الشريفين، مهوى أفئدة المسلمين في العالم، وقبلتهم.

4-      كونها مستودعاً لأكبر مخزون للنفط، المصدر الأساسي للطاقة، في العالم.

5-      كونها سُرَّة الدنيا، بموقعها الجغرافي، في ملتقى القارات، والبحار الدافئة.

وقد أخذت في التشكل منتصف القرن المنصرم، إبان الأحداث العظام التي عصفت بالكرة الأرضية، إثر الحربين العالميتين الأولى (1914-1918م)، والثانية (1939-1945) وارتسام الخريطتين السياسية، والفكرية للعالم الجديد، المتمثل في:

1-    قيام هيئة الأمم المتحدة عام (1945م).

2-    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام (1948م).

3-    ظهور حركات التحرر والاستقلال في الدول العربية والإسلامية.

4-    قيام دولة إسرائيل عام (1948م).

5-    انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني للكنيسة الكاثوليكية (1962-1965م).

6-    تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام (1947م).

 

وقراءة المشهد السعودي المعاصر تستدعي قراءة تاريخية سريعة لطبيعة العهود المتعاقبة للدولة السعودية الثالثة:

     بعد ثلاثة عقود من النضال (1319-1351) تمكن المؤسس، الملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله، من ضم شتات من المناطق، والقبائل، والثقافات، تحت اسم جديد: (المملكة العربية السعودية). وكان هناك قدر كبير من التجانس في هذا الكيان الكبير، وجوامع مشتركة، تتمثل في : الدين، والسنة، والعروبة، باستثناء جيوب طائفية (الشيعة في القطيف والمدينة، والإسماعيلية في نجران، والصوفية في الحجاز). غير أن تفجر النفط، والانتعاش الاقتصادي، وغياب التدخل الخارجي، والهيبة الحقيقية للدولة الفتية، أخفى هذه التباينات، أو أجَّلها. وابتدأ عهد من الاستقرار.

 

     وكان عهد الملك سعود بن عبد العزيز، رحمه الله (1373-1384هـ)، امتداداً لعهد والده المؤسس، غير أنه شهد وجود مدٍّ يساري عصف بالمنطقة العربية، وزرع بذوراً غريبة في التربة العربية الإسلامية، أتاحت لها أجواء الغفلة، والاسترخاء أن تشتد، وتتغلغل في بعض مفاصل الدولة، وتؤسس للاتجاهات العلمانية، والتغريبية، المناوئة للتوجه الإسلامي للمجتمع، والدولة، لتترك آثاراً بعيدة المدى في مستقبل الأيام.

 

     وحين استلم الدفة الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله (1384-1395ه)، ذو الشخصية الجادة، الحازمة، المؤدلجة، والمبادرات العملية الدؤوبة، وقف سداً منيعاً أمام الإلحاد، وتشظياته الفكرية، ونقل البلاد إلى آفاق عالمية بدعوته إلى (التضامن الإسلامي) في وُجاه (القومية العربية اليسارية) بشقيها؛ الناصري، والبعثي، و(الإلحاد العالمي) الذي كان يرعاه الاتحاد السوفييتي. ولأجل ذا تذرع، رحمه الله، بعدة وسائل :

1- التحالف السياسي مع المعسكر الغربي في مواجهة المد الشيوعي للمعسكر الشرقي

2- إيواء الإسلاميين المضطهدين من قبل الأنظمة العربية اليسارية، وتمكينهم، وخصوصاً (الإخوان المسلمين)، بوصفهم أقدر الجهات الإسلامية على السجال الفكري مع أصحاب التوجهات اليسارية، والتغريبية.

3- إقامة المنظمات الإسلامية المختلفة، ودعم المؤسسات الدعوية في أنحاء العالم.

4- التنسيق مع الكنيسة الكاثوليكية لاتخاذ مواقف موحدة لمواجهة الإلحاد الشيوعي!!        

 كما كان، رحمه الله، صادقاً في عدائه لإسرائيل، ساعياً وسعه لمجابهتها من منطلقات إسلامية صرفه، توَّجها بدعمه لمصر وسوريا في حرب 1973م، وقطعه تصدير النفط عن الدول الغربية الداعمة لإسرائيل. وربما دفع حياته ثمناً لمواقفه المستقلة.

 

     وتميز عهد الملك خالد بن عبد العزيز، رحمه الله (1395-1402هـ)، بالوفرة المالية، والنمو العمراني، والاقتصادي، والاستقرار السياسي والاجتماعي، لولا ما شابه من حدث غريب نشاز على رأس القرن، وهو (حادث الحرم) الذي أدى إلى نشوء توجس أمني تجاه المتدينين، لم يطل كثيراً، بل أعقبه صحوة إسلامية عارمة، ونشاط ملحوظ في المؤسسات الدعوية. كما شهد عهده ولادة خصم مزعج، ذي توجه شيعي، يحاول انتزاع الخطاب الإسلامي العالمي، بمخالب سياسية، ونكهة طائفية، وهو قيام (الجمهورية الإسلامية الإيرانية).

    

     واستمر الزخم الدعوي الإسلامي إبان عهد الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله (1402-1426ه)، ونشطت المؤسسات الخيرية السعودية، ذات الصفة الشعبية، في تصدير الدعوة السلفية في أرجاء المعمورة، وتقلص الأداء الحكومي بسبب الاستنزاف الذي سببته حرب الخليج الأولى والثانية، والتهمت موارد الدولة، مرة في دعم العراق في مواجهة المد الشيعي الإيراني، وأخرى في صد التغول العراقي، وأطماعه في منطقة الخليج، بعد اجتياح الكويت.

     ثم جاءت قاصمة الظهر، إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، لتضع المملكة العربية السعودية في موقف حرج، لكون معظم التسعة عشر انتحاريا الذين فجروا برجي التجارة العالمي، يحملون الجنسية السعودية، كما يقال، مما حوَّل الأنظار بقوة إلى ما يجري في هذه البلاد، وفحص خصوصياتها، وتحليل بنيتها الثقافية والاجتماعية، والخلوص إلى أسوأ الاستنتاجات، لا النتائج!

 

     وورثت المملكة في عهد خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حفظه الله، هذا الإرث الثقيل! ولا ريب أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتداعياته، قلبت الموازين، وهزَّت الثوابت، واضطرت الدولة إلى اتخاذ مواقف وإجراءات احترازية ناشئة عن الشعور بالتهمة حيناً، والابتزاز العالمي حيناً آخر. غير أن الأخطر من هذا وذاك، تعزز مكانة العلمانيين، والليبراليين، الذين أرادوا الاصطياد في الماء العكر، واستغلال الضغط العالمي، وحماقات الإرهابيين لتمرير مشاريعهم التغريبية، وسلخ المجتمع السعودي من صبغته الدينية، وتوهين الخطاب الديني، ومكانة أهل العلم.

 

     واليوم تشهد الساحة السعودية تجاذباً قوياً بين فريقين:

الفريق الأول: الإسلاميون : الداعون إلى المحافظة على الهُوية الإسلامية للدولة والمجتمع، الممانعون بقوة وحزم لمحاولات التغريب. ويتوزع هؤلاء على درجات الطيف الإسلامي؛ ما بين غلاة في التزكية يكادون يُلحقون الحال بالقرون الفاضلة، وما بين غلاة في النقد، يدَّعون تحقق نواقض الإسلام العشرة! وتبقى الشريحة العريضة من العلماء، وطلبة العلم، والدعاة، معتصمة بروح الجماعة، وطاعة ولاة الأمر، داعيةً للإصلاح، واقفةً في وجه المشاريع التغريبية الزاحفة.

 

الفريق الثاني: التغريبيون: الساعون إلى التماهي مع النمط الغربي السائد في مختلف مرافق الحياة، والانخراط في دوامة العولمة، والتنكر، أو التخفف من الخصوصيات. وهؤلاء، أيضاً، أصناف؛ فمنهم العلمانيون الصِّرف، والليبراليون المحض، الذين لا يرون في الإسلام إلا (ظاهرة تاريخية)، ومنهم مسلمون، مصلون، قد التاثوا بشبهات فكرية، أحدثت لديهم فصاماً في الشخصية، فاستحال الدين، والتدين في نظرهم إلى ممارسات شخصية، ولم يبصروا في الدين والشريعة أفقاً للتمدن، والتطوير، فأرخوا أسماعهم إلى قوم آخرين، وأصغوا أفئدتهم إلى زخرف القول من شياطين الإنس والجن.

 

     وتبدو خطوط التماس بين الفريقين في ساحات هامة:

1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فبينا يرى الفريق الأول أنه من أعظم خصائص الأمة، ومفاخر الدولة، يرى الفريق الثاني أنه لا يتفق وقواعد الحريات العامة التي قررتها الليبرالية الغربية، وأنه ينبغي (تقليم أظفار) المحتسبين!

     2- التعليم : فبينا يرى الفريق الأول أن أعظم أهداف التربية والتعليم تربية النشء على العقيدة، وتعليمهم الشرع الحنيف، مع اكتساب المعارف الأخرى، يرى الفريق الثاني ضرورة التخفف من الحصة الدينية في مناهج التعليم، ومنحها للعلوم الأخرى، تحت مسمى تطوير التعليم، وإعادة النظر في مناهجه.

     3- التشريع : يتشبث الفريق الأول بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويعض عليها بالنواجذ، ويرى فيها مفخرة لهذه البلاد، لم تتخل عنها في أحلك الفترات، ويسعى لتثبيتها. ويحاول الفريق الثاني النحت من هذا الجبل الأشم باستقطاع خصوص النظر في محاكم خاصة، خارج إطار الشريعة، ويرى فيها عائقاً دون التمدن، والانخراط في المنظومة الدولية.

     4- عمل المرأة: بينا يرى الفريق الأول ضرورة محافظة المرأة على قرارها، والحيلولة دون اختلاطها بالرجال في ميادين العمل، والاقتصار على وظائف نوعية تليق بها، يرى الفريق الثاني الزج بها في مختلف المرافق، مع ما يستتبع ذلك من مطالبات، وتسهيلات، ستغير نمط الحياة الاجتماعية بشكل تدريجي.

     5- العمل الخيري الخارجي: يرى الإسلاميون أن مقتضى الولاية بين المؤمنين مساندة أهل الإسلام في كل مكان، ودعمهم مادياً؛ بالأعمال الإغاثية، ومعنوياً؛ بالمشاريع الدعوية. ويرى التغريبيون أن في ذلك هدر للناتج القومي، وأنه يتعين صرفها في الداخل، ولا يجدون داعياً، أو وازعاً للإنفاق المجاني على شعوب لا تربطهم بهم صلة. وقد استغلوا الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب استغلالاً بشعاً للتضييق على العمل الخيري، وتقييده بقيودٍ أثقل من القيود العالمية، وجرى إغلاق كثير من المؤسسات العاملة ذات التاريخ الناصع المجيد (بفضل) مساعيهم.

6- الإعلام : يرى الإسلاميون أن الإعلام ووسائله يجب أن تكون تعبيراً صادقاً عن

هُوية المجتمع المسلم، وأن تلتزم بآدابه، وأخلاقه. في حين يرى التغريبيون أن الإعلام السعودي يجب أن يتماهى مع الإعلام العالمي، ويتحلحل من الضوابط الدينية. وقد كانوا في عهودٍ خلت لا يتمكنون من بلوغ كثيرٍ من مآربهم، فلما فتحت الفضائيات، إذاهم من كل حدب ينسلون، ولكل شبهة، وشهوة يبثون.

7-   الوطنية والتراث: يرى الإسلاميون الانتماء إلى الوطن بوصفه (دار إسلام)، و(قبلة المسلمين)، و(حصن العقيدة السلفية)، وينظرون إلى التراث الشعبي نظرة دونية، تقع في دائرة الإباحة، وتخرج إلى الكراهة أو التحريم إذا اقترن بها غلو أو تعظيم. بينما ينفخ بعض التغريبيين في قربة الوطنية لمزاحمة الصبغة الدينية، وإلا فهم أبعد الناس عن الجذور، وأقربهم إلى ثقافة ما وراء البحور.

 

       هكذا يبدو المشهد السعودي في مطلع الثلث الثاني من القرن الخامس عشر الهجري: فريقان يختصمون! وهو مشهد يتكرر في جميع الساحات الإسلامية؛ دعاة أصالة يمسِّكون بالكتاب، ودعاة حداثة ينقضون الكتاب. أما الشعوب فعاطفتها الإسلام، وفطرتها الدين، غير أنها في كثير من الحالات مغلوبة على أمرها، لوجود أنظمة متسلطة، زرعها الغرب المستعمر قبل أن يحمل عصاه، ويرحل إلى بلاده.

     لكن الوضع في المملكة العربية السعودية يختلف بعض الشيء؛ فالشعب على درجة كبيرة من التدين، والوعي الشرعي، مقارنةً بكثير من الشعوب الإسلامية، والنظام الحاكم نظام ديني، وحليف وثيق للمتدينين، وامتداد لمشروع سلفي عريق وقَّعه الإمامان المجددان محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود، رحمهما الله. وبالتالي، وبكل وضوح، وبكل ثقة بالله، وحسن ظن، أقول: حظوظكم أيها التغريبيون ضئيلة، وآمالكم كسراب بقيعة، وجهودكم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. ليس هذا بِعُشِّكم فادرجوا!

     أما أنتم يا أهل الإسلام، وأولياء الرحمن فاثبتوا! فإن العاقبة لكم، واصبروا! فإن النصر مع الصبر، والزموا جماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون.



التعليقات ( 0 )