• ×

د. أحمد القاضي

الحالة المصرية

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فقد تسارعت أحداث مصر في الأسبوع المنصرم بشكل غير مسبوق، حتى بدا بشكل جلي أنها خطة مبيتة، وخطوات مدروسة مبرمجة، محسومة النتائج، تهدف إلى إسقاط الرئيس مرسي، وإجهاض أي مشروع إسلامي قادم!

-   دعوات مبكرة لتظاهرات واسعة بتاريخ 30 يونيو في مختلف المحافظات.

-   بيان عسكري بمنح مهلة للمؤسسات السياسية، والمقصود رئاسة الجمهورية .

-   انقلاب (ناعم) بأوجه مدنية، وتنحية الرئيس، وتعيين حكومة مؤقتة.

-   إجراءات وقائية لضمان سير الأمور كما خُطط لها؛ تتمثل في اعتقال قيادات، وإغلاق صحف وفضائيات، وحملة إعلامية غير منصفة.

 

تنبَّه الإسلاميون ومؤيدوهم للمكيدة، ولم يكن في وسعهم إلا التظاهر في مقابل التظاهر، وخرجت حشود كبيرة في ميدان (رابعة العدوية) في القاهرة، وفي الإسكندرية، وفي محافظات شتى. ولكنه أمر قضي بليل، فنفذت الخطة بإحكام!

 

وتنوعت ردود الأفعال تجاه ما جرى، بما لا ينقضي معه العجب! فرغم أن هذا الإجراء يناقض جميع صور الديموقراطية المزعومة، ويمثل تدخلاً سافراً للعسكر يخرق (إجماع) فقهاء القانون، كما يقولون، إلا إنه قوبل :

-   عالمياً: بعبارات إدانة على استحياء، من بعض الجهات الكبرى، لا ترقى إلى استنكارهم بعض الانقلابات في أفريقيا، أو أمريكا الجنوبية.

-   إقليمياً: بصمت، أو بيانات بروتوكولية مقتضبة، وترحيب من جهات معينة.

-   محلياً: بانقسام واضح في الشارع المصري، يعكس حجم الاختلاف، لكنه، على كل حال، يظهر قدراً من التكافؤ لا يُخوِّل للعسكر، ومن خلفهم ارتكاب خطوة حمقاء، غاشمة، كهذه.

ولا تزال مصر المحروسة تعاني من آلام المخاض، ولا زال المصريون يمشون على صفيح ساخن، ولا يعلم ما يأتي به الله إلا الله. وهذه أول جمعة بعد الانقلاب، يتحدث فيها الخطباء، ويخرج فيها المصلون بما يحملون من شعور بالغيظ، والقهر، والضيم، والإقصاء، ومصادرة الحريات، والانحياز لفصيل، وإهانة آخر.

 

     وأمام هذا الحدث المدوي، لنا وقفات:

أولاً: المكر الكُبَّار الذي تواطأت عليه قوى عالمية، وإقليمية، لاغتيال (الإسلام السياسي) بجميع صوره؛ فلا فرق عندهم بين (طالبان) و (الإخوان) ولا (قاعدة) جهادية، ولا (قائمة) برلمانية، إذا كان مرشحوها إسلاميين.

 

ثانياً: الخطر الداخلي المتمثل في جيل النكسة، الذي ظل لعقود يسقى من ماء صديد، من عصارة الفكر العلماني الوافد، فاستمرأ المذلة، وأضاع الهُويَّة، فطاش ميزانه في تقدير المثاقيل، واضطربت (بوصلته) في التيه. وهؤلاء ليسوا (كفاراً) بل فيهم، بل أكثرهم يصلون، ويصومون، ويحجون، ويعتمرون، لكنهم غيبوا بواسطة الآلة الإعلامية الماكرة، التي صادفت قلوباً خالية فتمكنت، وخلطت عليهم الأوراق فالتبست عندهم معارضة الإخوان، ومعارضة الإسلام.

 

ثالثاً: الفجور في الخصومة لدى المنافقين، والبجاحة لدى السفهاء، كما يظهر جلياً في أرباب الإعلام المأجور، وتجار سلاح الكلمة، ومرتزقة البلطجية الصحفية، وأخيراً في تصرفات العسكر الهوجاء، وإهانتهم المتعمدة لرئيس منتخب كامل الشرعية، بطريقة مسفة، لم ينلها الدكتاتور مبارك حين ألقي القبض عليه! وقد أذاقهم كؤوس الذل ألواناً، لأربعة عقود.

     إن كل منصف يحفظ للرئيس محمد مرسي، مهما كانت المؤاخذات عليه، كونه لم يعتقل معارضاً، ولم يقابل الإساءة بمثلها، بل عفا وصفح، إلى حدٍ أزعج مؤيديه! ولا يمكن لعدوٍ أن يطعن في نزاهته، أو يتهمه برشوة، أو فساد، أو استغلال شخصي للسلطة. فأين العدل، وأين المروءة ؟!

     وكاتب هذه السطور، لم يضع سواداً في بياض في مديح مرسي حين انتخب، ولا مجَّد حزبه ولا جماعته يوماً من الدهر، بمقالة ولا تغريده، وإن كان يدعو له بظهر الغيب، لكن آلمه الظلم السافر، وإهانة الكريم، على حد قول الشاعر:

إني لأغضب للكريم ينوشـه              مـن دونه وألوم من لم يغضب

وأحب كل مهذب ولو أنـه              خصمي وأرحم كل غير مهذب

يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى             حب الأذيـة من طباع العقرب

 

وإني لأعتب على بعض الفضلاء الذين سطروا، مشكورين، صحائف من مديح، وأطلقوا تغريدات ابتهاج بفوز مرسي، يمر بهم هذا الحدث فلا يسجلون كلمة وفاء، ولا موقف صدق، بل يغمغمون، ويجمجمون، وكأنما يرتبون أمورهم للوضع الجديد!

 

رابعاً: لم تكن (الديموقراطية) يوماً من الأيام فقهاً إسلامياً، بل هي صناعة غربية بامتياز، توصل لها الغرب بعد قرون من التجارب والصراعات، فكانت (أحسن الأسوأ)، والتزم الغرب بقواعد اللعبة، واحترم قوانينها، فاستفاد منها إلى حد كبير لا يخلو من سلبيات وتلفيات، ونظم دولته المدنية على أساسها. وحين استجلبت هذه النبتة الغربية، واستزرعت في تربة إسلامية مشرقية، نمت نمواً مشوهاً، وامتطاها أصحاب النفوذ حين يشتهون، وترجلوا عنها حين يستروحون، وأذنوا لخصومهم أن يركبوها واقفين، واستنزلوهم حين هموا بالمسير!

     وبناءً عليه، فلا بد من مراجعة حقيقية لهذا المسلك، وتفكير جاد في بدائل إصلاحية، تحقق المقاصد، وتخفف المفاسد. ولن تعجز عقول فقهاء الإسلام عن تكييف هذه الحالة، وتشخيص الداء، وتوصيف الدواء المناسب.

 

خامساً: أثبتت الوقائع أنه لا عهد ولا ذمة لليهود والنصارى والروافض الباطنيين، وأن مد اليد إليهم، والتحالف معهم غلطة كبرى، وأن موالاتهم مجلبة لسخط الله، وتفويت لأسباب النصر، وتوهين لعقدة الولاء والبراء. سرعان ما قلب هؤلاء ظهر المِجَنِّ، وكشفوا عن طبيعتهم (البراجماتية) النفعية الخائنة.

 

سادساً: على الإسلاميين ألا يدفعوا الثمن مرتين؛ مرةً باستلابهم حقهم، ومرةً بجرهم إلى فخ الخصومة والاحتراب، فإن ذلك غاية ما يتمناه المتربصون، ويسعى إليه المرجفون المندسون، ويذكي أواره السمَّاعون.

     على أهل الإسلام، وجماهير السنة، أن يتجنبوا الانفعال والاقتتال مع مخالفيهم من مواطنيهم، أو العسكر المتسلط؛ ففي هذا إفناء لهم، وكسر لشوكتهم، وإجهاض لمشروعهم الواعد. إن تجرع مرارة الصبر خير من الاحتراق بأتون الفتنة. اصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء. وأمر الدين لم ينحصر في الحكم والسياسة، والعامة بحاجة إلى تعليم وتبصير بالدين، وقد كشف الواقع ذلك بجلاء.

 

     كما أن على الإسلاميين الحذر من مزيد من الخلاف والتشظي والفرقة فيما بينهم، وعليهم أن يوسعوا دائرة التعاذر، والتغافر، وإحسان الظن، والكف عن التنابز بالألقاب. فعلى سبيل المثال: لم يكن من المناسب أن يظهر بعض رموز (حزب النور) السلفي في مشهد الخزي والعار، والخيانة والشنار، خلف العسكر المنقلب، والرموز الدينية المتحالفة مع الفلول، وصلبان الكنيسة الأورثذكسية! لكنهم فعلوا ذلك، فيما بدا لهم، لاتخاذ يدٍ لدرء مفسدة واقعة أو متوقعة! فتأولوا كما تأول حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، ولم يعنفه النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل معذرته. فتعاذروا يا أهل الإسلام، ولا تفتحوا للشيطان ثغرة ينفذ منها، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

    

وقى الله مصر وأهلها شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وجعلها قلعةً للدين، وحصناً للإسلام والمسلمين. إنه ولي ذلك والقادر عليه.



التعليقات ( 0 )