• ×

د. أحمد القاضي

تركيا بين الإسلام والعلمانية

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فقد أتيح لي قبل نحو شهرين أن أزور تركيا لشهود مؤتمر (لا لتقسيم الأقصى). وكنت قد زرتها زيارتين خاطفتين خلال سنوات خلت.

هذه الأمة التركية العريقة تتربع فوق هضبة الأناضول، في موقع مكين، تحيط به بحار زاخرة، وجبال شاهقة، وتتخلله أنهار سارحة، وينطوي على ثروات طبيعية متنوعة، يعيش فوقها أكثر من سبعين مليون نسمة، أغلبيتهم الساحقة مسلمون.

 

وفوق ذلك، فتركيا تقع في خاصرة آسيا، وتجاور شعوباً، وأعراقاً متنوعة؛ من عرب، وعجم، وروس، وأوربيين، وثقافات متباينة؛ سنية، وشيعية، وأرثوذكسية، وإغريقية. وتمثل معبراً تجارياً، وسياحياً، بين قارتي آسيا، وأوربا؛ براً، وبحراً، وجواً.

 

وفوق ذلك، فهي موطن حضارات متتابعة على مر التاريخ، كان آخرها، وأطولها عمراً، الخلافة العثمانية الممتدة لأكثر من ستة قرون ونصف؛ من سنة 690هـ إلى سنة 1344ه. وكانت هذه الأخيرة، أزهى، وأزكى، أطوارها، حيث اصطبغت بالإسلام، وحملت راية الجهاد، وأدخلت أمماً، وشعوباً، آسيوية، وأوربية، في رحاب الإسلام.

 

ولما نخرت الطرقية الصوفية في مفاصلها، وعبث الفساد في مترفيها، وانسلخت تدريجياً عن هُويتها الإسلامية، ورسالتها الجهادية، هوت تحت مطارق الأمم الأوربية الموتورة، والامبراطورية الروسية المكلومة، وتمكن عملاؤهم العلمانيون من إلغاء الخلافة، والازورار داخل حدود إقليمية، قومية، رسمها لهم أعداؤهم.

 
 

ومنذ أكثر من قرن، وتركيا تتكفؤها الحكومات العلمانية المنسلخة عن الإسلام، السائرة على خطى (أتاتورك)، الذي أطفأ نور الإسلام، ومنع الأضاحي، والأذان، وكشف ستر الحرائر، ونشر الكفر والفسوق والعصيان، حتى برز على الساحة السياسية، قبل ثلاثة عقود، أبو الحركة الإسلامية المعاصرة في تركيا (نجم الدين أربكان) رحمه الله، وأسس حزب الرفاه. وظل الرجل يخوض غمار السياسة، ويتذرع بالوسائل الديموقراطية المتاحة، حتى تمكن من الفوز في الانتخابات، وتشكيل حكومة. وأقض هذا الفوز مضاجع العسكر العلماني القابض على مقاليد الأمور، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أسقط حكومته،ووجه إليه التهمة الكبرى معاداة العلمانية، ومخالفة الدستور التركي.

 

ويبدو أن بعض تلامذة أربكان، أدركوا قواعد اللعبة، فأسسوا حزباً جديداً، سموه (حزب العدالة والتنمية)، جارى صنَّاع القرار، حيناً، وفاوضهم حيناً، ثم أخضعهم حيناً آخر لنوعٍ من الديموقراطية الحقيقية، والعلمانية المعتدلة، غير المتطرفة.

لقد تمكن الإسلاميون الجدد من النهوض بالاقتصاد التركي نهضة كبيرة، وكفوا عن استجداء الدول الأوربية لقبولهم فيما كان يعرف بالسوق الأوربية المشتركة، ثم بالاتحاد الأوربي، أو أوربا الموحدة، فسلمت تركيا من السقوط في الانهيار الاقتصادي الكبير الذي أصاب أوربا، وكانت أول، وأشد ضحاياه جارتها اللدودة (اليونان).

 

واليوم يحظى حزب التنمية والعدالة بشعبية متنامية، تزيد عن 50% من أصوات الناخبين، بينما تتقاسم الأحزاب الأخرى مجتمعة النسبة الباقية. ويقود سفينة تركيا، الآن، الرئيس (طيب رجب أوردغان) الذي عرف بمواقفه الشجاعة، وسط عواصف عاتية في الداخل والخارج، تثيرها رياح المتربصين، الخائفين من انبعاث إسلام تركي قوي.

 

ومن المجازفة وصف هذا الحزب، أو حكومته بـ(الإسلامية)! فالإسلام لا يخفى. لكن من الحماقة أيضاً الاشتغال بذمه، والحط منه! وذلك أن سنن الله في التغيير تحتاج إلى زمن، والتمرحل ضرورة بشرية، والنقلة بين العلمانية الملحدة، والإسلام الصرف بعيدة. فليس من العقل المطالبة بما لا يستطاع. بل إن من رحمة الله، ولطفه، وحسن تدبيره، أن يقيض من ينصر دينه، ويمهد له، ولو كان فاجراً، فكيف إذا كان ناصحاً.

يلاحظ الزائر لتركيا هذه الأيام مزيد عناية بالمساجد، ووجود طلاب من مختلف البلاد الإسلامية، يدرسون في معاهد شرعية. كما يلاحظ على المستوى الرسمي عودةً لتمجيد التاريخ العثماني الجهادي، وليس التراثي فحسب، وأوضح شاهد لذلك: (بانوراما فتح القسطنطينية) التي افتتحها رئيس الجمهورية، وتثير في نفوس زائريها معاني العزة الإسلامية، والانتماء لحقبة تاريخية مجيدة، كادت أن تطويها مكائد العلمانيين.

 

يلاحظ الزائر لتركيا، هذه الأيام حرية دينية، جرى استلابها، وتعاطفاً مع القضايا الإسلامية، في فلسطين، وسوريا، وبورما، والصومال. بل إن هذه الحريات شملت الاتجاه السلفي، الذي يعد غريباً على الأتراك، بل قد ناصبوه العداء في خريف عمر الدولة العثمانية، فهاهي الكتب السلفية، والدروس الشرعية تنتشر في الشبيبة التركية.

 

يتعين على الحكومات العربية أن تقوي صلتها بهذا الحليف المسلم القوي، وتتخلص من إحن الماضي، وموروثات جيل النكسة، وتمد جسور التعاون الديني، والثقافي، والسياسي، والاقتصادي مع تركيا، فلعلها أن تكون نعم الحليف ضد التهديد الإيراني، والإسرائيلي.

وعلى الجمعيات الخيرية الإسلامية، والجامعات العربية أن تمتن العلاقة مع الشعب التركي، وتبرم الاتفاقيات المختلفة، مغتنمةً هذه الفترة الذهبية المتميزة في تاريخ تركيا الحديث. حفظ الله تركيا، وردها إلى الإسلام رداً جميلاً.   



التعليقات ( 0 )