• ×

د. أحمد القاضي

الناجون من الفتن

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

حديث المشرف[1]

عن يحيى بن خليف قال: حدثنا أبو خلدة قال: قال أبو العالية: (لما كان زمن علي، عليه السلام، ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلي من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم, فإذا صفان لا يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء, كبر هؤلاء, وإذا هلل هؤلاء, هلل هؤلاء، قال: فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافرا، وأي الفريقين أنزله مؤمنا؟ أو من أكرهني على هذا؟ فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم)[2]

وفي رواية: (فتلوت هذه الآية "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا" قال فرجعت وتركتهم)[3]

التعليق:

أبو العالية الرياحي، رحمه الله، أحد كبار التابعين، مفسر مشهور، ومحدث ثقة، روى عنه الجماعة، مات سنة تسعين للهجرة. أدرك زمن (الفتنة) ووقعة (صفين). فقد (توجه على ابن أبى طالب بجيش يبلغ عدده نحو مائة ألف إلى «صفين»، واستعد معاوية لمقابلته بجيش يقاربه فى العدد، ودارت بينهما معركة شرسة فى شهر صفر سنة (37هـ) قُتِل فيها من الجانبين نحو سبعين ألفًا؛ خمسة وعشرين ألفًا من جيش علي، وخمسة وأربعين ألفًا من جيش معاوية، ولما رأى الناس كثرة القتلى من الجانبين تنادوا يطلبون وقف القتال، فجعل أهل «العراق» يصيحون فى أهل الشام قائلين: من لثغور العراق، إن فنى أهل العراق، ويرد الآخرون: من لثغور الشام إن فنى أهل الشام)[4]

كان أبو العالية إذ ذاك، فتى في ريعان الشباب، فحكى تجربته الشخصية إزاء تلك الأحداث المؤلمة، وهي أحداث تتكرر في تاريخ الأمة، منذ أن (انكسر) باب الفتن، بقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فلا يرد أبدًا، حتى تقوم الساعة.

 

ونستنبط من النص أعلاه فوائد وعبر، منها:

أولًا: طبيعة الشباب الميالة إلى المواجهة والقتال! حتى إنه ليكون أحب إليه من الطعام الطيب، كما قال رحمه الله! وهو معنى ينبغي أن يتفطن له الشاب إذا استشرفته الفتن، ليميز بين ما هو لله، وما هو لحظ النفس،وهو لا يدري، ويحسب أنه يحسن صنعًا.

 

ثانيًا: طبيعة الفتن! التي يلتبس فيها الحق بالباطل. فهذان صفان لا يرى طرفاهما من المسلمين الموحدين المهللين المكبرين، كلُّ يرى أنه أسعد بالحق، ويرى صاحبه على الباطل. وهي صورة متكررة في كل فتنة بين المسلمين. ولا ريب أن لكلٍ مُستمسك، وحظٌ من نظر، قد يعذر به أمام الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم، لما ذكر الخوارج: (يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ)[5]، وفي رواية عند مسلم : (أَدْنَى)[6]. مما يدل على (نسبية) الحق حال الفتنة. واعتبر هذا فيما جرى ويجري عبر التاريخ؛ فإنه لا يجود مسلم بنفسه، وماله، إلا وهو يرى أنه على الحق، وربما كان الحق خلاف ذلك.

 

ثالثًا: بركة الأناة والنظر، وشؤم العجلة والغرر: فإن أبا العالية لما أبصر الحال استبصر، وراجع نفسه، ولم يستخفه أشر وبطر، وساءل نفسه أسئلة مشروعة، ولم يرض لنفسه أن يتعامى عن المحكمات، ويمتطي المتشابهات: (أي الفريقين أنزله كافرا، وأي الفريقين أنزله مؤمنا؟ أو من أكرهني على هذا؟) فعصمه الله ورجع، وعمِّر بعدها أكثر من نصف قرن، ينهل من العلم والإيمان، ويترقى في درجاتهما، ويفسر القرآن. قارن ذلك بنحو سبعين ألفًا من قتلى الفريقين، طويت أعمارهم، وفاتهم من الخير ما فاتهم، وإلى الله إيابهم، وعلى الله حسابهم. فينبغي إعمال العقل والنظر، والاستنارة بنور القرآن والأثر، كما استنار عقل أبي العالية بقوله تعالى:"وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا". فلله دره! ما أعظم حظه!

فليت شبابنا، عصمهم الله، يقتفون أثر أبي العالية، وينتفعون من تجربته، ويطامنون حماسهم عند مدلهمات الفتن، ولا يضيقوا على أنفسهم أمرًا لهم فيه سعة، وفي تركه عافية، حتى يستبين لهم الرشد كالشمس في رابعة النهار.

_________________________________

[1] نظرًا لعدم تمكن المشرف على الموقع من الوفاء بـ (حديث الأسبوع) في موعده، لأسباب متعددة، فقد جرى تغيير هذا العنوان العتيد (حديث الأسبوع) إلى (حديث المشرف)

[2] الطبقات لابن سعد (7/114), تاريخ الإسلام للذهبي (6/531), سير النبلاء (4/210), تاريخ ابن عساكر (18/182)

[3] حلية الأولياء(2/219), تاريخ ابن عساكر (18/182)

[4] الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي (1/ 139)

[5]  صحيح مسلم (2/ 745

[6] صحيح مسلم (2/ 745)



التعليقات ( 0 )