• ×

د. أحمد القاضي

العالم الرباني (نص وتعليق)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

النص:

     الحمد لله، و الصلاة والسلام على رسول الله، و على آله وأصحابه. أما بعد:

     فقد اطلعت على قصيدة نشرت في العدد التاسع، من مجلة الجامعة السلفية، في بنارس - الهند - لفضيلة الدكتور تقي الدين الهلالي, وقد كدّرتني كثيراً, وأسفت أن تصدر من مثله, وذلك لما تضمنته من الغلو في المدح لي، ولعموم قبيلتي, و تنقصه للزاهد المشهور إبراهيم بن أدهم، رحمه الله، وتفضيلي عليه في الزهد, وعلى حاتم  في الكرم, و تسويتي بشريح في القضاء، إلى غير ذلك من المدح المذموم، الذي أمر الرسول بحثي التراب في وجوه من يستعمله.

     وإني أبرأ إلى الله من الرضا بذلك, و يعلم الله كراهيتي له, وامتعاضي من القصيدة لمَّا سمعت فيها ما سمعت. وإني أنصح فضيلته من العود إلى مثل ذلك, وأن يستغفر الله مما صدر منه. ونسأل الله أن يحفظنا وإياه، وسائر إخواننا من زلات اللسان، ووساوس الشيطان, وأن يعاملنا جميعا بعفوه، ورحمته, وأن يختم للجميع بالخاتمة الحسنة، إنه خير مسؤول.

     ولإعلان الحقيقة، وإشعار من اطلع على ذلك بعدم رضائي بالمدح المذكور، جرى نشره. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين

 

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

عبدالعزيز بن عبدالله بن باز

 

التعليق:

     هذا بيان صادر من إمام الأمة في وقته، سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (1330-1420) رحمه الله، يستدرك فيها على مقالة نشرها مجدد الدعوة السلفية في بلاد المغرب، الشيخ تقي الدين الهلالي (1311-1407) رحمه الله، نشرها في مجلة سلفية هندية.

 

     يقف المرء مذهولًا أمام هذا النص الجليل، الذي يحمل في طياته من المعاني الكريمة، أضعاف عدد أسطره، وتستدعي التأمل والاعتبار!  فمن ذلك:

أولًا: الإخلاص النقي: الذي ينأى عن كل شائبة رياء، وتزيُّن للخلق، واسترواح للإطراء المذموم. فالشيخ، رحمه الله، يتكدر، ويأسف، ويكره، ويمتعض، ويبرأ، ويعلن! كل ذلك لأن صفاء إخلاصه خُدش! وقد حكى عنه بعض الفضلاء أنه قال: (لا أعلم أني عملت عملًا لغير الله مذ عقلت)!

     الله أكبر! هكذا العلماء الربانيون فرَّغوا نفوسهم من حظ نفوسهم، وأسلموا وجوههم لله، واستوى عندهم مدح الناس وقدحهم، ولزموا السنة، وسدوا منافذ الشيطان.

     أين هذا من حال أدعياء الولاية، وأرباب الطرق، ومعممي الرافضة، الذين يستكثرون من الأتباع، ويطلبون المِدحة، ويستروحون لتقبيل الرؤوس، ولحس الأيدي، ومسح المناكب؟! شتان بين هؤلاء وأولئك.

 

ثانيًا: التواضع الجم: وإنكار الذات، وحفظ المقامات. فالشيخ، رحمه الله، على فضله، وزهده، وكرمه، وعقله، الذي سارت به الركبان، يغضب أن يفضل على إبراهيم بن أدهم في الزهد!  وعلى شريح في القضاء! بل وعلى حاتم في الكرم!!

     ومن طلبة العلم من يتحسس للمفاضلة مع الأقران، ويستاء  للإخلال بالألقاب، ويتكدر لعدم التصدر. إن في ذلك لذكرى.

 

ثالثًا: الأدب الرفيع: الذي لا يغمط أهل الفضل فضلهم، ولو أخطئوا. فالشيخ، رحمه الله، مع تأثره، واستدراكه على مادحه، يلقبه بما يليق به من (الفضيلة) و(الدكتره)، ويستكثر أن تصدر هذه الهنة من مثله، ويدعو له.

     وبعض طلبة العلم، وللأسف، يفجر في الخصومة، ويقذع في سب مخالفه، والحط منه، وحسبان زلته ظفرًا، وخطئه غنيمة. فأين هذه الضراوة من ذلك النصح والشفقة؟! هذا هو الفرق بين من تضلَّع من العلم والإيمان، وبين من اشتغل بزغل العلم، واستمرأ العدوان.

 

رابعًا: الصدع بالحق: ولو كان مع ذي قربى. فلم تمنع الشيخ منزلة مادحه، الذي يكبره بنحو عشرين سنة، ومودته إياه، أن يستدرك عليه، وينبهه على خطئه، ولم تأخذه في الله لومة لائم، لكمال إخلاصه، ونبل غايته، هكذا نحسبه، ولا نزكي على الله أحدًا. والناس في هذا طرفان ووسط. فأما الوسط فقد عرفناه في هذا المثال. وأما :

  • الطرف الأول: من تغلبه المجاملة، والخجل المذموم، فلا يقول الحق !
  • والطرف الثاني: من يستعمل المخاشنة، والتشنيع، والتشهير، والمضارة !

وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

 

خامسًا: البيان العام عند الحاجة إليه: فلما كان الأمر قد استعلن، ونشر في الخافقين، استدعى بيانًا عامًا، وتوضيحًا علنيًا، لرفع اللائمة عن الممدوح من جهة، وحفظ الحق والمنهج من جهة أخرى. وذلك أعظم.

     اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيء الأخلاق والأعمال، لا يصرف سيئها إلا أنت. والحمد لله رب العالمين.



التعليقات ( 0 )