• ×

د. أحمد القاضي

مصر بين الشعب والعسكر

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فقد أطافت بمصر فتنة عمياء، وانقسام، وتحزب، وشحناء سنة 1924م، فأنشد أمير الشعراء، أحمد شوقي، قصيدته المشهورة:

إلام   الخلف   بينكم   إلاما؟
وفيم  يكيد  بعضكم  لبعض؟
وأين الفوز؟ لا مصر استقرت
وأين     ذهبتم     بالحق    لما
شببتم   بينكم  في  القطر  نارًا
تراميتم،   فقال   الناس:  قوم
وكانت  مصر أول من أصبتم
إذا   كان   الرماة  رماة  سوء







 
وهذي الضجة الكبرى علاما؟
وتبدون   العداوة  والخصاما؟
على  حال، ولا السودان داما
ركبتم    في   قضيته   الظلاما
على    محتلِّهِ    كانت   سلامًا
إلى   الخذلان   أمرهم  ترامى
فلم تُحصِ الجراح ولا الكِلاما
أحلُّوا   غير   مرماها  السهاما
 

واستدار الزمان، وعادت أرض الكنانة، بعد نحو قرن، إلى ما يشبه الحال التي وصفها شوقي. نعم لقد تقشعت سماء (ميدان التحرير) عن تهاوي رؤوس ظلت لعقود، تستلب الحقوق، وتتوطأ مع اليهود، وأسفر المشهد المضطرب عن ثلاثية معقدة:

1-   رموز النظام: (تفرقوا أيدي سبأ) ما بين مخلوع، ومسجون، وهارب مطارد.

2-   فلول النظام: المتأكلين به من وراء الستار، المندسين من تحت الدثار، والشعار، يمتصون دم الكادحين، بخفية وازورار. ويمثلهم (المجلس العسكري)، يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويمارسون مهمتين مزدوجتين:

إحداهما: الإمساك بمقاليد الأمور، وحماية التزامات العهد البائد، للغرب، واليهود.

الثانية: الدفاع قدر الإمكان، عن رموز النظام السابق، بالمماطلة المكشوفة بمحاكمتهم، وملاحقتهم، وتسريبهم للخارج، بوصفهم خطاً أولًا، في الذود عنهم، وإلا أتاهم الدور، وفتحت ملفاتهم الخفية، ووقعوا تحت طائلة المحاسبة القضائية.

3-   الشعب: الذي خاض مغامرة عنيفة، وبذل فيها، ولا يزال، من الدماء، والأنفس، الشيء الكثير، لينعم بقطف الثمرة، وكشف الغمة، عن أجيال الأمة، على الأقل.

 

واضطر الفريق المتنفذ (المجلس العسكري)، لقدر من الرضوخ للمطالب العامة، وفتح صناديق الانتخابات، ووقع ما كان يخشاه، فقد اختار الناس ممثليهم الحقيقيين، ونبض الشارع، لأول مرة، في تاريخ مصر الحديثة، بنبضة سوية، دون إملاء، ولا تزوير كثير!

 

     اختار الناس (الإسلام)، بصرف النظر، عمن وعد به، لكن المقطوع به، أنهم أعلنوا انتماءهم لمن ينادي بخطاب إسلامي، ولو شابته شائبة. وهذا هو الأداء الطبيعي، لشعب يجري حب الإسلام في عروقه، منذ أن ابتنى عمرو بن العاص، رضي الله عنه، الفسطاط. وحيل بين (العسكر)، وشراذم (الليبراليين) وبين ما يشتهون، وتبين الصبح لذي عينين! فقد كان هؤلاء المرتزقة، الخونة، المتاجرين بالشعارات، فقاعة كبيرة، نفخها النظام السابق، خداعًا للأبصار، وفزَّاعة جوفاء، إرهابًا للأغرار.

     وحاول الباغي الجديد، (العسكر) أن يقدم نفسه للناس، بوصفه الحامي الشجاع، والوطني الغيور، على ثورة الشعب! وغاية ما صنع، أن كف أذاه، لما رأى (فرعون) قد أدركه الغرق، وقال نيابة عنه: (آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل)! ثم طفق يمارس صنوفًا قذرة من الإجراءات، بغية تحطيم المشروع الإسلامي، والحد من عودة الوعي.

 

ومن تلك الممارسات البذيئة:

أولاً: تشويه صورة المنتصر: اكتسح الإسلاميون، على مختلف انتماءاتهم؛ من سلفيين، وإخوان، ومستقلين، صناديق الاقتراع، في الانتخابات التشريعية، وفازوا بمعظم المقاعد، وباتوا قاب قوسين أو أدنى من تشكيل حكومة، فسعى العسكر، وبلطجيته، المهندمون، إلى إحراج مجلس الشعب المنتخب، بفرض حكومة جنزورية، تذكرك بمجنزرات العسكر، وآلياته، وتعطيل قراراته الإصلاحية، وافتعال المشكلات الاقتصادية، والمجتمعية؛ كحرق المنشآت، وسكب الوقود في الصحراء، لإحداث أزمة وقود، وتشجيع العصابات، وانفلات الأمن. ناهيك عما تمارسه الآلة الإعلامية المأجورة، التي كانت تسبح بحمد النظام السابق، وتقدس له، وقد باتت تخشى الدوائر.

 

ثانياً: الوقيعة بين الإسلاميين أنفسهم: بتأجيج النَّفس الحزبي، وإيغار الصدور، ومغازلة طرف على حساب طرف، ثم قلب ظهر المِجَن عليه، والالتفات إلى الآخر، ودس العملاء بينهم، حتى نزعت الثقة بين أصحاب المشروع الواحد، أو المتقارب، فتنابزوا بالألقاب، وتحالف بعضهم مع عدوه، نكاية بصاحبه! ساعد على ذلك قلة خبرة الإسلاميين في الساحة السياسية، وعدم حذقهم بألاعيب القوم، وافتقارهم إلى الآلة الإعلامية، فوجدوا أنفسهم أمام الأفواه الجائعة، والحناجر الصارخة بهم من كل واد. ولا ريب أن المسؤول الأول عن هذا الخلل والاضطراب، هم الإسلاميون أنفسهم، الذين لم يجتمعوا على كلمة سواء، وصار فيهم من يريد الدنيا، ومن يريد الآخرة.

 

     وختامًا، فهذه رسائل من ناصحٍ شفيق، إلى مختلف الفرقاء:

1- الرسالة الأولى: إلى العسكر؛ أن يتقوا الله في شعبهم، ولا يكونوا ذراعًا لأعدائهم. فأنتم أبناؤه، وهم عمقكم، وأصلكم، وفئتكم، ولن يغني عنكم دهاقنة الغرب، ومرابي يهود شيئًا؛ فالتاريخ لا يُنسى، والديان لا يموت. فإن أبيتم أن تقوموا بما أوجب الله عليكم من نصرة الدين، وحفظ حوزة المسلمين، فلا أقل من أن تخلوا بين الناس وما اختاروا لأنفسهم، وتتصرفوا كما تتصرف جميع جيوش الدنيا، من حفظ الأمن، وحماية الثغور، وعدم دس الأنوف في موارد الحتوف.

2- الرسالة الثانية: إلى الشعب المصري الأبي؛ بأن يتمسك بخياره، ولا ينخدع بألاعيب المخططين من وراء البحار، ولا السمَّاعين لهم في عقر الدار. لقد صبرتم كثيرًا، وبقي القليل، فيا عباد الله اثبتوا، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.

3- الرسالة الثالثة: إلى أصحاب المشروع الإسلامي، على اختلاف مناهجهم، وانتماءاتهم: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران : 103]، (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 46]

اجتمعوا على (مرشح) واحد للرئاسة، ولا تُفرِّقوا أصوات الأمة. أنتم أمام مسؤولية دينية، وتاريخية، حساسة، فاتقوا الله فيها، ودعوا حظوظ أنفسكم، وأحزابكم، واحذروا من المندسين، وإن اتخذوا اللحى، وحفُّوا الشوارب، وتحققوا من التقى، وصفاء المشارب. حفظ الله مصر،وأهلها،وجعل عاقبة أمرها إلى خير،وأبقاها ذخرًا للإسلام والمسلمين.



التعليقات ( 0 )