• ×

د. أحمد القاضي

الإسلاميون والديموقراطية

د. أحمد القاضي

 0  0  911
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فلا يزال (مخاض الأمة) عسيرًا، تعاني فيه آلام (الطلْق)، ونَزفَه. ولا يعلم، غير الله، هل يخرج المولود حياً أم ميتاً، تاماً، أم خداجاً؟ غير أن الفأل، وحسن الظن بالله، يحملان على الاعتقاد بأن آلام المخاض لن تقضي على بهجة الولادة، وأن مآلات الأمة إلى خير، ولو استغرق الأمر زمناً، حسب سنن الله الكونية.

 

ومصطلح (الإسلاميين) كان يطلق فيما مضى على (أهل القبلة) من المنتسبين للإسلام، من أهل السنة، وأهل البدع، كما عنون أبو الحسن الأشعري، رحمه الله، لآخر كتبه: (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين).

وبات هذا المصطلح، في الآونة الأخيرة، يطلق على الجماعات الإسلامية، ذات التوجهات الساعية إلى الحكم بالشريعة، ومناكفة الأنظمة العلمانية، والمستبدة، أو ما يطلق عليها خصومها (جماعات الإسلام السياسي).

 

ولا يمكن لمؤمن عاقل أن يُدين من يدعو إلى إقامة شرع الله، وإن اختلف معه في مسائل جانبية، أو منهجية اجتهادية، فقد قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى : 13]، كما لا يسع مؤمناً عاقلاً أن يوالي العلمانيين، المعلنين رفضهم للشريعة، نكايةً بمخالفيه من إخوانه في الدين، قال تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[المائدة : 55، 56]. وقد وقع، وللأسف، شيء من ذلك!

 

ويجد الإسلاميون، بالاصطلاح المعاصر، أنفسهم أمام حزمة من الإشكالات التي فرضها الواقع العالمي الجديد، على الساحة الإسلامية، تحتاج إلى دراسة عميقة، واجتهاد جماعي، وروِيَّة واقعية.

وأبرز هذه الإشكالات: النموذج الديموقراطي الغربي لتداول السلطة. فلا ريب أن (الديموقراطية) صناعة غربية بامتياز، ولا ريب أنها دخيلة على الإسلام؛ عقيدة، وشريعة. فالعقيدة الإسلامية مبناها على أن التشريع حق لله تعالى، كما قال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى : 21].

 
والديموقراطية في أبسط تعريفاتها، تعني حكم الشعب بالشعب، وتقيم بنيانها على سلطات ثلاث، أهمها (السلطة التشريعية) المخولة بصياغة(الدستور)، لتقوم(السلطة القضائية) بتحكيمه، وتقوم(السلطة التنفيذية)، بإمضائه. فالديموقراطية (شتلة) أجنبية، استنبتت في تربة إسلامية، غير أنها (أفضل الأسوأ) مقارنة بالأنظمة الدكتاتورية المستبدة.
 

كما أن الفقه الإسلامي، على امتداد التاريخ الإسلامي، لم يتمخض عن أسلوب كهذا، من أساليب الحكم، والاستخلاف، مهما حاول شداة الديموقراطية التماس شواهد قاصرة، لتأنيسها.

 

وقد وجد الإسلاميون الساعون إلى السلطة، أنفسهم في طريق إجباري يلزمهم بركوب عربة الديموقراطية، وارتكاب مخالفاتها، من باب(ارتكاب أخف المفسدتين في سبيل دفع أشدهما)وليس هذا الاجتهاد ببعيد؛ فقد استنبط الشيخ عبد الرحمن السعدي، رحمه الله، قبل نحو قرن من الزمان، مع ظهور الجمهوريات المدنية الحديثة، فوائد من قصة شعيب، عليه السلام، في قوله: (وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ)، فقال:

(ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها، وقد لا يعلمون شيئا منها. وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم، الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة، والإمكان.

فعلى هذا، لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار، وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد، والشعوب من حقوقهم الدينية، والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية، والدنيوية، وتحرص على إبادتهم، وجعلهم عمَلَةً، وخَدَمًا لهم. نعم! إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين، وهم الحكام، فهو المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة، فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة. والله أعلم) [تفسير السعدي - (1 / 388)]

 

وقد أفتى فقيها القرن، ابن باز، وابن عثيمين، رحمهما الله، المسلمين في بعض البلدان الإسلامية، بالتصويت لمن يرون أنه أولى بتحقيق المصالح الدينية، والدنيوية، وعدم مقاطعة الانتخابات، حتى لا يستأثر خصوم الإسلام من العلمانيين، والمبتدعة، بالأمر، ولتخفيف الشر، وتحصيل ما أمكن من الخير. وهذا عين الفقه.

 

ولكن محاولات الإسلاميين للوصول إلى السلطة، عبر المسار الديموقراطي، باءت بالفشل، في مواطن كثيرة، منها:

  1.  محاولات الجماعة الإسلامية في الباكستان (جماعة أبي الأعلى المودودي)، رحمه الله، منذ الثمانينيات الهجرية من القرن المنصرم.
  1.   محاولات الجماعات السلفية في الجزائر، التي ثبت فوزها بيقين، وصادر الجيش ذلك الفوز، ودخلت البلاد في صراع مرير، أهلك الحرث والنسل.
  1.   محاولات الإخوان المسلمين في اليمن، خلال العقدين الماضيين.
  1.   محاولات (حزب الرفاه) الذي أسسه نجم الدين أربكان، رحمه الله، وأجهضها العسكر، مراراً.
 

وسر ذلك، أن دهاقنة السياسة في الغرب، يدركون خطورة المد الإسلامي، وخروج الشعوب الإسلامية من قبضة الاحتلال السياسي، الذي يوجه من بُعد، بواسطة الأنظمة العلمانية المحلية.

 

ولعل أنجح محاولة للإسلاميين؛ سلفييهم، وإخوانييهم، ما يجري في الكويت، حيث تحقق إنجازات محدودة، ومع ذلك فلم يصلوا إلى الهدف المنشود من (تطبيق الشريعة)، وكلما حمي الوطيس تم حل (مجلس الأمة) بقرار أميري.

 

وأما المحاولة التركية، المتمثلة بحزب العدالة، سليل حزب الرفاه، فإنها لم تتمكن من الوصول إلى السلطة، إلا بعد أن أعلنت التزامها بـ (علمانية الدولة)، ولم تسع إلى الاقتراب من الطروحات الإسلامية. وشبيه بها (النموذج التونسي) المتمثل بـ(حزب النهضة). فعلمانية بورقيبة، وبن علي تشابه علمانية أتاتورك، وإسلامية حزب النهضة تشبه إسلامية حزب العدالة.

 

وتبقى المحاولات الراهنة التي استمات فيها الإخوان، والسلفيون، في مصر، ولمَّا تكشف نتائج الانتخابات، حتى كتابة هذه السطور، تجربة مريرة، كاشفة عن (المكر الكُبَّار) الذي يمارسه الغرب المتيقظ، المتربص، وأذنابهم من العلمانيين المحليين، الذي يتوقع أن يفرز إحدى نتيجتين أليمتين:

إحداهما: فوز مرشح الإسلاميين فوزاً ضعيفاً، وتولي رئيس مقصوص الجناحين، مكبل اليدين، يخضع للابتزاز، ومحاولات الإفشال.

الثانية: تولي مرشح الفلول، ربيب النظام البائد، ووكيل الغرب، وإسرائيل على مصالحهما في المنطقة، مما قد يجر المجتمع المصري إلى احتراب داخلي، لا قدر الله.

 

لقد تمكنت المجتمعات الغربية، عبر قرون من المعاناة، وتراكم التجارب، من إرساء ثقافة ديموقراطية، ينسلُّ فيها ملك (الفرنجة) من قصر (الأليزيه) بهدوء، ويغادر فيه سيد (البيت الأبيض) في بياض النهار! ورغم ذلك يصاحبها سلبيات، وتزوير، وتحزبات. ولكن الحال يختلف في المنطقة العربية، فالحاكم المستبد، ينتزع من الكرسي كما ينتزع السَّفُّود من الصوف المبلول، وتبقى بعض مخلفاته الآدمية!

 

كل هذه المقدمات، والنتائج، تطرح تساؤلات قوية على أهل الإسلام:

  1. هل (الديموقراطية) مسلك مجدٍ للوصول إلى المقاصد الشرعية؟
  1.  هل يقر الإسلاميون،على فرض وصولهم للحكم،بقوانين (اللعبة الديموقراطية) وتداول السلطة، أم يعتبرونها (للاستعمال لمرة واحدة فقط

3-  هل المكاسب المتوقعة من خوض الغمار الديموقراطي، يكافئ الثمن الباهظ، والمفاسد الواقعة؟

4- هل ثمَّ بديل (شرعي) للديموقراطية لا يجنح نحو الصدام، ولا يخلي المكان لأعداء الإسلام؟

 

لابد من دراسة واعية للواقع، وفقه مواكب لحاجة الأمة، يتميز بالتجرد، والاستقلال، ويتخلص من التبعية، وينأى عن الحزبية. ولن تضيق آفاق الشريعة عن اجتهاد موفق. والله ولي التوفيق.



التعليقات ( 0 )