• ×

أ.د. أحمد القاضي

المحاولات البتراء لشانئي خاتم الأانبياء (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فقد جرت سنة الله في الأولين والآخرين أن ينقسم الناس إلى مؤمن، وكافر، فإذا هم فريقان يختصمون. كما جرت سنة الله في المجرمين أن يجعلهم أعداء للمرسلين: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ)[الفرقان: 31]، حسداً من عند أنفسهم، وكبراً عن قبول الحق، وازدراءً للمؤمنين: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)[غافر: 56].

 

وقد نال نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم، من الأذى الحسي، والمعنوي، ما لم ينل غيره. واشترك في هذه الجرائم المتلاحقة صنوف المجرمين؛ من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين:

-   وصموه بأبشع الصفات، ونبزوه بقبيح الألقاب، فقيل: (ساحر) و (شاعر) و (كاهن) و (مجنون) و (مفتري) و(كذاب)، إلى آخر قائمة السباب.

-   ووضع الشوك في طريقه، وسلا الجزور على رأسه الشريف، وأدموا عقبيه، وشجوا وجهه، وحفروا في طريقه، واضطروه في عقبة شاهقة ليردوه.

-   وحاولوا قتله مرات؛ بالسيف، وبالسم، وبحجر ليُلقوه.

 

     وباءت محاولاتهم بالفشل، وطمأن الله نبيه، فقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [المائدة : 67]

 

ثم ورث هذه المحاولات القذرة، سلالاتهم الموتورة من أبناء الأمم المغلوبة، والملل المنسوخة، حين رأوا دينه يسري سريان النور في الظلمات، ويفتتح القلوب قبل الأقاليم. فبدرت منهم في السنوات الأخيرة حركات رعناء، وتصرفات هوجاء، تنم عن الغيظ الكبير الذي يحتدم في صدورهم، والحقد الدفين الذي يكنونه في قلوبهم :

-   فتارة يطلقون الشبهات الساقطة، باسم (الدراسات الاستشراقية)!

-   وأخرى يرسمون الصور (الكاريكاتورية) تحت شعار (حرية التفكير والتعبير)!

-   وثالثةً بحرق المصحف الشريف، أو تلطيخه بالقاذورات، أجلَّه الله!

-   ورابعةً بإنتاج أفلام مسيئة، للنيل من مقام سيد ولد آدم، كما وقع هذا الأسبوع.

 

وأنى لهم! خابوا، وخسروا! هيهات، هيهات!

ما يضير البحر أمسى زاخراً          أن رمى فيه غلام بحجر

وستظل هذه الحماقات تطل بقرنها الواهي، بين الفينة والفينة:

ألَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أثلَتِنَا          وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أطّتِ الإبِلُ

كناطـحٍ صخرة يوماً ليفلقها          فلمْ يضرها وأوهى قرنهُ الوعلُ

 

ولنا عند هذا الحدث المتجدد وقفات:

الوقفة الأولى: العلم بأن ذلك من سنن الله الكونية في عباده: كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ)[الفرقان: 31]، وقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا.وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[الفرقان : 4 ، 5]، وقال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[الأنفال : 30].

والعلم بالسنة الكونية، والسبب القدري، يورث المؤمن صبراً، وتماسكاً، فلا تذهب نفسه حسرات، ولا يقع في الضيق، والحزن، الذي نهى الله عنهما رسوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)[النحل: 127]، فإن الحزن المجرد لا طائل من ورائه، بل يؤذي صاحبه، وليس عبادة تُطلب، بل مصيبةٌ تُتَّقى.

 

الوقفة الثانية: ضرورة النصرة والتعزير والتوقير: كما أمر ربنا: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)[الفتح : 9]. والتعزير هنا: التعظيم، والتوقير: الاحترام، والإجلال. فلا يحل لأهل الإسلام أن يغضوا الطرف عن سابِّ نبيهم صلى الله عليه وسلم، بل يجب عليهم أن يصيحوا به من كل واد، وينادوا عليه في كل ناد، ويظهروا نصرتهم لنبيهم، وتعظيمهم له، بكل وسيلة صالحة.

 

في قصة صلح الحديبية، قدم مبعوث قريش، عروة بن مسعود الثقفي، تقريراً موجزاً، عن حال الصحابة الكرام، مع سيد الأنام، فقال: (أي قوم، والله لقد وفدت  على الملوك، ووفدت على كسرى، وقيصر، والنجاشي، فما رأيت ملكا يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا؛ والله ما تنخم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده! وإذا  أمرهم أمرًا ابتدروا أمره! وإذا توضأ، كادوا يقتتلون على وضوئه! وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده! وما يحدون النظر إليه، تعظيما له!)

 

هذا أدبهم معه في حال عزة، فكيف لو ناله أدنى نقيصة ! عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسم: ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ فَقَالَ: مَنْ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: ادْعُوهُ. فَقَالَ:أَضَرَبْتَهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ! قُلْتُ: أَيْ خَبِيثُ! عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ، ضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي؛ أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى) متفق عليه.

 

ومن صور النصرة الواجبة على أهل الإسلام، في مثل هذه النازلة:

1-    الاستنكار الرسمي من قِبَل الحكومات الإسلامية لدى الدول الحاضنة، الراعية، للمعتدين على جنابه صلى الله عليه وسلم، وعدم التعلل بما تفرضه عليهم دعاوى القانون الدولي، وأعراف الدولة المدنية المزعومة، التي تبيح الوقيعة في الأنبياء، وتجرم من ينكر (هولوكوست) أعداء الأنبياء!

2-     إصدار البيانات، والتنديدات، من قبل الهيئات، والمنظمات، والجمعيات، والمرجعيات الإسلامية، ومخاطبة المنظمات الحقوقية العالمية لاستنكار هذه الممارسات.

3-     مقاطعة من يرعى، ويؤيد، ويقر، هذه الاعتداءات، سياسياً، وثقافياً، واقتصادياً.

4-     التعريف بسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وشمائله الطاهرة، ونشر ذلك بمختلف اللغات، وكافة الوسائل الإعلامية.

 

وكما انتقد نبينا صلى الله عليه وسلم بعض صور التعبير عن النصرة، وإن كانت ناشئةً عن حميةٍ إيمانية، فإنه ليس من النصرة الرشيدة:

1-  الجهر بالسوء، ونشر مادته، ولا بدعوى إثارة العاطفة، وإذكاء الحمية، فإن في ذلك تحقيقاً لمآرب الظالمين. فيكتفي بالإنكار المجمل، دون النشر المفصل، الذي يقذي العيون، ويسك الأسماع.

2-  الاعتداء على الذوات، وتحطيم الممتلكات، فإنه (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام : 164] ، فلا يحل قتل معاهد، ولا إتلاف مال بغير حق.

3-  عدم التشاغل بمناقشة سخافاتهم، واتخاذها مادة نقاش؛ فمقام نبينا صلى الله عليه وسلم في نفوس المؤمنين فوق الشك، ومنزلته سامية لا تطالها محاولات الأقزام، والحاقدين. فلينتبه لهذا!

 

الوقفة الثالثة: وأخيراً، وبعد بيان النظرة القدرية السابقة، والنظرة الشرعية الراهنة، تبقى النظرة المستقبلية! وخلاصتها في قوله تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)[الكوثر : 3].

والشانئ: المبغض. والأبتر: المقطوع، أو المنقطع عن كل خير، المندرس الذكر.

      وقد نزلت في أحد كفار قريش، إما (العاصي بن وائل السهمي)، وإما (عقبة بن أبي معيط) وكلاهما من صناديد، قريش، الذين كانوا يؤذون النبي - صلى الله عليه وسلم -. وذلك أنه لما مات القاسم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يهمنكم أمر محمد؛ فإنه أبتر، لا عقب له" أي لا يبقى له عقب، وعندهم في الجاهلية، إن الذي لا يبقى له عقب، لا يستمر أمره. فقال الله (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).

 

فكل من عادى نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فمآله إلى سفال، وبوار، وخسار. شهد الله بذلك في هذه الآية، وشهد التاريخ بهذا، فمن تلطخ بمذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أذله الله، وانتقم منه، حتى إن أحد ملوك الصليبيين، لما هجموا على الثغور الشامية، زعم أنه يأتي المدينة، وينبش قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فغضب لهذا الأمر، الملك الصالح، (صلاح الدين الأيوبي)، فلما أمكنه الله، من ملوك الصليبين، وأُتي بهم أسرى، موثقين، بين يديه، عفا عنهم، إلا هذا الشانئ البغيض، فقتله صبرًا، انتقامًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.

  فعسى الله أن يقيض للمسلمين (صلاحاً)، يعيد هيبة الدين، ويبتر كل شانئ زنيم.

 



التعليقات ( 0 )