• ×

أ.د. أحمد القاضي

غزة معدن العزة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

في الصحيحين مرفوعاً، واللفظ لمسلم : (النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ خِيَارُهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِى الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا) وأحسب أن البقاع معادنهم، كما قال ابن معصوم المدني:

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه           ويطلع إلا في حدائقه الزهر

 

ذكرت ذلك، حين ذكرت عزة النفس، عند الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الغزي، (150-204هـ) رحمه الله، في شعر له كثير، ومنه قوله:

ذل الحياة وهول الممات  ...   كلا وجدناه طعـما وبيلا

فإن كان لا بد إحداهما  ...  فمشيا إلى الموت مشيا جميلا

ووجدت أن تلك النفس الكريمة نبتت في معدن عزة، فولد، وفطم في غزة، ثم حُمل إلى مكة، فوقع في نفسي هذا الارتباط الوثيق بين (غَزَّة) و (عِزِّة) !

 

يقف العالم مشدوهاً أمام مشهدٍ مهيب: فئة قليلة، تقاتل في سبيل الله، تحتمي ببقعة صغيرة، مكشوفة من الأرض، ضئيلة العدد والعتاد، أمام فئة كثيرة، تقاتل في سبيل الطاغوت، تحتمي بدولة تملك ترسانةً من الأسلحة المتقدمة، ومن ورائها دول كبرى تمدها بالسلاح، والعتاد، والرجال، والدعم السياسي، واللوجستي، فتضطرها إلى البحث عن هدنة، والتذرع بوسيط للصلح، وكأنها ندان متكافئان ! قال تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [آل عمران : 13].

 

فهلم نعتبر يا أولي الأبصار:

العبرة الأولى: العزة الإيمانية: ألم يكن للناس عجباً هذا الصمود الشعبي من أهل غزة، قبل أن يكون صموداً سياسياً من حكومة حماس، وهم الذين لم تجف قبور شهدائهم، ولم تلتئم جراحهم بعد من اجتياح عام 2008م، ولم ترمم مساكنهم، ومدارسهم، ومساجدهم، بعد من قصف عنيف أبكى كل ذي مروءة وإنسانية، فضلاً عن ذي رحم ودين؟! وهاهم خلال أسبوع واحد، وحتى كتابة هذه الأسطر يفقدون قرابة 140 شهيداً، ونحو ألف جريح، ومع ذلك فنفوسهم قوية، ومعنوياتهم مرتفعة، وما عادوا يجمعون العشاءين، كما ترخصوا في الاجتياح السابق. وهاهم أطفالهم يتسلقون بقايا الصواريخ المتفجرة في أحيائهم، ويعتلون ركام المباني المتهاوية بفعل القصف الغاشم، وكأنما يتمثلون قول الشاعر:

سأعيش رغم الداء والأعداء               كالنسر فوق القمة الشماء

وخير من ذلك، وأدلُّ قول الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين.إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[آل عمران: 139، 140]

فلله دركم يا إخوان الشافعي! اصبروا فإن النصر مع الصبر.

 

العبرة الثانية: الذلة اليهودية: ذلة تسكن القلوب، ولو تدرعت الأبدان بالمصفحات! لعنة إلهية أبدية، سرمدية، باء بها إخوان القردة والخنازير، كما وصف ربنا، عز وجل: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)[آل عمران : 112]،

فأين تذهبون يا إخوان القردة والخنازير ؟

ما أن يطلق (صويريخ) غزَّاوي، حتى تدوي صفارات الإنذار في أرجاء الدولة المسخ، وإذا بـ (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) يفزعون في ذعر، كالجرذان إلى الملاجئ، ويستدعى جيش الاحتياط، وتستنفر الدول الكبرى!

 

ظنت (يهود) أن بوسعها، تحت غطاء الفتك النصيري بأهل الشام تمرير جريمتها في غزة. كيف لا!؟ ونظام الأسد الباطني يفعل بأهل السنة في الشام في يوم ما تفعله إسرائيل في عام، ولكنها جوبهت بما لم يكن في الحسبان، وظلت مترددة في الغزو البري، حتى أذعنت لهدنة مذلة، لتسكِّن فرائص شعبها المرتعدة.

 

العبرة الثالثة: الرؤية المادية والرؤية الإيمانية: حين يقوِّم المراقب الموقف بالحسابات المادية، يدرك فوراً أنْ لا سواء، وأن على الطرف الأضعف الخضوع والاستسلام للطرف الأقوى. لكن الحسابات الإيمانية تقول غير ذلك: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ) [البقرة : 249 - 251] ، وهكذا كان الحال، في نفس المضمار، أو قريباً منه، على تطاول القرون بين طالوت، وأهل غزة، فكانوا كما وصف الله المؤمنين في بدر: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ)، على أحد التفسيرين للآية، كما قال ابن كثير، رحمه الله: (أي: ترى الفئة المسلمة، الفئة الكافرة، مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم).

 

إن النصر، والتأييد الإلهي يأتي مع الأخذ بالأسباب، والتعلق برب العباد. وقد جهِد المسلمون في غزة، في الإعداد، قدر المستطاع، رغم الحصار المضروب، والتواطؤ الدولي، والإقليمي ضدهم، فحفروا الأنفاق، وصنَّعوا الأسلحة، واحتملوا صنوف الأذى المعيشي، والأمني؛ من قطع الكهرباء، ونفاد المؤن، وتوالي الاغتيالات، وكان نفَس الله يأتيهم، فيثبتهم، ويربط على قلوبهم.

 

العبرة الرابعة: الموالاة النصرانية للدولة اليهودية: النصارى هم من زرع دولة إسرائيل في أرض فلسطين، وهم من أعدُّوها، وأمدُّوها، وذبُّوا عنها في المحافل الدولية، في صفاقة حمقاء منقطعة النظير، وبجاحة صلعاء تخرج عن كل تقدير!

أجرى الرئيس الأمريكي، أوباما، اتصالاً مطولاً مع نظيره الإسرائيلي نتنياهو، ليلة الثلاثاء الماضي، ثم بعث وزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون اليوم الإربعاء إلى تل أبيب، لتقول في تصريح صحفي رسمي، وبكل وضوح: (لقد طلب مني الرئيس أوباما أن أوصل رسالة واضحة؛ وهي: أن التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل صلب كالصخر. من الضروري أن نخفف من وتيرة العنف في غزة، ويجب أن تتوقف المنظمات الإرهابية عن إطلاق الصواريخ باتجاه المدنيين الإسرائيليين.  

 

    ودعت الحكومة الألمانية إلى التضامن مع إسرائيل في صراعها مع حماس. وفي كلمة أمام مجلس النواب الألماني الأربعاء، قالت ميركل: (إسرائيل لها الحق وعليها أيضا واجب حماية مواطنيها من الهجمات الصاروخية من غزة). وأضافت: (اعتقد أننا نستطيع أن نتخيل، إن لم نكن هناك، ماذا يعني أن تشعر دائما بالخوف من أن يطلق عليك النار مع أسرتك). ولم تشر ميركل إلى القتلى الفلسطينيين الغارات الجوية الإسرائيلية أو آثار الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة منذ قرابة 6 سنوات.(عن موقع BBÇ)

 

     هل يظن أوباما، وميركل، وأضرابهما، أن الجانب الآخر مجموعة من الحشرات، أو الدواجن، أو الكائنات المخبرية، التي تجرب عليها القنابل الفوسفورية، يعبثون بها كما يعبثون بأعدائهم المفترضين في ألعابهم الإلكترونية؟! أليسوا يبصرون أسراً ؛ رجالاً، ونساءً، شيوخاً، وعجائز، وأطفالاً، في أسوأ الظروف المعيشية، والأمنية؟! تباً لهاتيك الدعاوى العريضة بحماية حقوق الإنسان، وازدراء الضحايا، والتباكي على المجرمين.

 

العبرة الخامسة: المتغيرات الإقليمية: لم تعد خريطة الشرق الأوسط ملونةً بالألوان المألوفة! ثمَّ متغيرات أفرزها (المخاض العربي) تقلق إسرائيل، والاتحاد الأوربي، وأمريكا. لم تعد مصر (مصر حسني)، ولا سوريا (سوريا بشار)، ولا تركيا (تركيا أتاتورك)، ولا لبنان (لبنان حزب اللات)! هناك وجوه جديدة غير مألوفة، تقترب شيئاً فشيئاً من ملامح (صلاح الدين)! ولى زمان (خراب الدين). اقتربت الملحمة يا يهود!

 

هاهي الدول الخليجية تزور غزة، ومصر تفتح المعابر، ويتظاهر في تونس مليونان تأييداً لغزة، بينما لم يبلغوا مليوناً ضد (بن علي)! وهاهم فلول الليبراليين؛ من صحفيين، وسياسيين يبحثون عن ملاجئ آمنة يلوذون بها في دول أسيادهم الغربيين، بعد أن لفظهم الشارع العربي، والإسلامي.

 

توشك الأمة العربية أن تعود إلى هُويتها الحقيقية، وتخلع الأثواب التنكرية القبيحة، التي طرحت عليها لعقود من الزمن. إنها أمة ولود، وإن الجيل القادم جيل صاعد، واعد. وعلى الأمة، بكافة أطيافها، أن تلتحم، وتتحد، وتكف عن الاحتراب الداخلي، وتجتمع على كلمة سواء، وتدرك أن قوتها، وعمقها، في عقيدتها، ودينها، لا بالارتماء في أحضان الغرب الخائن. الخيار الصائب للأنظمة المعتدلة أن تتصالح مع شعوبها، والخيار الصائب للشعوب أن تصطف خلف قياداتها. ليس صواباً أن يقتتل أهل البلد الواحد، وتمزقهم الحزبيات الضيقة، والحسابات الخاصة. الجميع مدعوون بدعاية القرآن: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران : 103]، ولنا في غزة العزة عبرة.



التعليقات ( 0 )