• ×

أ.د. أحمد القاضي

لكن (الأقصى) لا بواكي له !

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

مر النبي صلى الله عليه وسلم بنساء عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد، فقال: (لكن حمزة لا بواكي له) ! [رواه أحمد وابن ماجة، وصححه الألباني].

 

حين نرى جراحات المسلمين في كل مكان؛ في الشام، والعراق، والصومال، وبورما، وغيرها، نجد من يبكيها، ويستنصر لها، ويسعى فيها. أما قضية المسلمين الأولى (فلسطين) وتاجها (بيت المقدس)، فكأنما أسدل عليها الستار، وطُوي ذكرها في نشرات الأخبار، وصارت نسياً منسياً. لقد تنصلت الدول العربية، والإسلامية، من هذه القضية، ولم تعد في قائمة الأولويات، ولا تُدرج في (أجندة) الاجتماعات، والمؤتمرات. خُلِّي بين اليهود و(فلسطينيي الداخل) يذيبونهم في مجتمعاتهم النتنة، وينتقصون أراضيهم من لبِّها، فضلاً عن أطرافها، وأُفرد (المقادسة) يواجهون تنظيمات بلدية القدس الآيلة إلى خنقهم، وإماتتهم موتاً بطيئاً، ومعداتها التي تنقب الأرض تحت قواعد المسجد الأقصى بحثاً عن (هيكل) مزعوم، و(معبد) موهوم. وفوق الأرض، وفي باحات الأقصى ورحابه، وأكنافه، مواجهات يومية، واقتحامات منظمة دورية، من قبل جرذان المستوطنين لتأنيس وجودهم في المسجد الأقصى، تمهيداً لطرح مشروع تقسيمه، كما فعلوا في المسجد الإبراهيمي، في الخليل، ثم التهامه، كما التهموه.

 

ويصيح المقدسيون: القدس في خطر! الأقصى سيهدم ! وتذهب صيحاتهم أدراج الرياح؛ صرخة في واد، ونفخة في رماد. لقد تواطأت السلطة الفلسطينية المصطنعة، والأنظمة العربية المجاورة على الخيانة، وقبع من ورائها تحت نير المذلة والإهانة، وطأطأ الجميع رؤوسهم للأعداء الدائمين من اليهود والنصارى.

 

لقد اتخذت إسرائيل جملة من الإجراءات التمهيدية لجعل (تقسيم الأقصى) حقيقة واقعة، ولن يعدموا من الخونة من يسوِّغها، ويروج لها:

1/ السماح للعسكريين بدخول المسجد بزيهم العسكري.

2/ إقامة حفلات الزفاف اليهودية، وعقود الأنكحة داخله، من خلال باب المغاربة.

3/ عدم تفتيش اليهود المتعصبين عند دخولهم إلى ساحات الأقصى.

4/ زيادة وتيرة الاقتحامات، بشكل غير مسبوق، من قبل شخصيات رسمية كبيرة، كما جرى يوم 24/7/2011م ، من دخول المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية (يهودا فينشطان) برفقة مدير سلطة الآثار الإسرائيلية (شوقا دورفمن)، وعدد من مرافقيهم، تحت غطاء من قوات الاحتلال.

5/ تعزيز الوجود اليهودي المنظم في الأقصى، بصفة شبه يومية، وفي الفترة الصباحية خاصة، بما متوسطه (450) مستوطناً شهرياً، فضلاً عن (300) عنصر من المخابرات، والجنود، بلباسهم العسكري.

6/ الاعتداءات المتكررة التي بلغت خلال عام 2012م نحو ستة وأربعين اعتداءً، تنوعت ما بين حرق، وهدم، وتخريب قبور. فقد هجمت شرطة الاحتلال، وقوات حرس الحدود على المصلين في المسجد الأقصى عقب صلاة الجمعة بتاريخ: 5/10/2012م، وأصابت العشرات. وتم تدمير معظم قبور مقبرة (مأمن الله) الإسلامية، وتحويلها لمقبرة يهودية.

7/ الحفريات التي تنخر تحت المسجد الأقصى، وقد زاد عددها من 34 حفرية بحلول 21/8/2010م، إلى 38 بعد عام واحد فقط. وأخطر هذه الأنفاق نفق مدينة داود، في سلوان، جنوباً، وشبكة أنفاق الحائط الغربي، شمالاً.

8/ تضييق الخناق على المقدسيين، وتعسير سبل العيش الكريم، وتجريدهم من وثيقة الإقامة في القدس لأدنى سبب، وعدم حسبانهم مواطنين أصلاً!

9/ جدار الفصل العنصري الذي يلتف كالأفعى بين البلدات الفلسطينية؛ يطوقها تارة، ويعزلها أخرى، ويقطع أواصر الصلة بين سكانها.ولم تسلم منه القدس نفسها، فقد استكمل بناؤه في منطقة (شعفاط) وعزل نحو 55 ألف مقدسي.

10/ السعار الاستيطاني الذي لا يتوقف، على أنقاض البيوت الفلسطينية العريقة.

هذا قليل من كثير، مما يعانيه القابضون على الجمر، من إخواننا المرابطين في بيت المقدس، وأكنافه، وُجاه أشد الناس عداوة للذين آمنوا. لكن أشد ما يجدونه من ألم، نسيان إخوانهم في الدين، والعرق، واللغة، والتاريخ، والجغرافيا، لهم، وإهمالهم لقضيتهم، وإعراضهم عن نصرتهم.

 

إنها ليست المرة الأولى التي تقع القدس أسيرة بيد عدوٍ صائل؛ فقد احتلها الصليبيون أطول من احتلال اليهود لها الآن، ومكثوا فيها قرابة تسعين سنة! لكن لم يدر في خَلَد مسلم في ذلك الزمان، أن يسلمها للغاصب، وأن يقطع حبل الولاية الإيمانية مع أهلها، حتى ردها الله على يد صلاح الدين.

 

إن المسلمين مطالبون اليوم، وفوراً، ودون تأجيل، إلى الاشتغال الجاد بقضية فلسطين، وتحرير المسجد الأقصى من اليهود الغاصبين، وتخفيف معاناة المقدسيين الصابرين، والحيلولة دون مشروع يهودي خبيث مرتقب، يؤدي إلى تقسيم الأقصى، ومن ثم التهامه.

 

وقد طرح بعض المقادسة المرابطين في الأقصى مشروعين رائدين:

أحدهما : إحياء (مصاطب العلم) في باحات الأقصى : وذلك بإطلاق حركة علمية شبابية تعيد للأقصى وجهه العلمي، وتحقق وجوداً إسلامياً، شبابياً، يرهب المستوطنين، ويمنعهم من الاقتراب من الحمى الطاهر.

 

ثانيهما: حملات (شد الرحال) لزيارة الأقصى: وذلك بتسيير الحافلات من نواحي فلسطين المحتلة، بشكل مستديم، وتعزيز الوجود، والانتماء الإسلامي له، وقطع الطريق على يهود أن يدخلوا المسجد، ويتخذوا لهم موطئ قدم.

 

ولا ريب أن هذين المشروعين يتطلبان من التغطية المالية، والنفقات، الشيء الكثير، وهو ما لا يطيقه فلسطينيو الداخل، فيتعين على أهل الإسلام إمدادهم، ودعمهم، وتجهيزهم (ومن جهز غازيا فقد غزا). وعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده.



التعليقات ( 0 )