• ×

د. أحمد القاضي

المولد النبوي

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

      فقد اختلف المؤرخون في تحديد تأريخ مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فمنهم من جعله في الثامن، ومنهم من جعله في العاشر، ومنهم من جعله في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. ولا خلاف في وقوعه يوم اثنين، لما ثبت في صحيح مسلم، أنه سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ، فقَالَ: (ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ).

 

      وقد حقق الفلكي، محمود باشا، رحمه الله، هذا الخلاف، تحقيقًا علميًا، فلكيًا، بارعًا، في رسالة ألفها باللغة الفرنسية، وترجمها إلى العربية أحمد زكي أفندي، وخلص إلى القول: (ويتلخص من هذا أن سيدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، ولد يوم الاثنين 9 ربيع الأول، الموافق20 إبريل، سنة 571 مسيحية، فاحرص على هذا التحقيق، ولا تكن أسير التقليد)([1])

وقد بات كثير من المسلمين، في هذه الأعصار، أسرى التقليد، وصار في حكم المقطوع به، عند الخاصة، والعامة، أن المولد الشريف، جرى في الثاني عشر، من شهر ربيع الأول، مع امتناع وقوع يوم الاثنين فيه، من الناحية الفلكية.

 

     وليس الشأن في اختلاف التأريخ، فلطالما وقع ذلك لكثير من الأعيان، والمشاهير. وإنما الشأن فيما احتف به من محدثات، وما أضيف إليه من بدع. فلا ريب أن مولده - صلى الله عليه وسلم - مناسبة عظيمة، ولحظة شريفة، وفأل سعد على بني الإنسان. وأعظم منه، وأشرف، وأسعد، مناسبة بعثته - صلى الله عليه وسلم -، التي حصل بها الامتنان الرباني على المؤمنين، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران : 164]، وقال: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الجمعة:2]. والعجب، أن القوم لا يحتفون بيوم بعثته، حفاوتهم بيوم مولده!

 

     ظهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، في قرونٍ متأخرة، بعد القرون الثلاثة الفاضلة، فقد ولد، وترعرع، في أحضان الدولة العبيدية، الرافضية، الخبيثة، في القرن الرابع الهجري، ضمن جملة من البدع العقدية، والعملية، التي لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا.

      وربما راجت هذه البدعة، لأسباب سياسية، أو عاطفية؛ مناكفةً للنصارى، في احتفالهم بميلاد المسيح، عليه السلام، فقابلهم بعض جهال المسلمين، بالاحتفال بميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم -.

 

      قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، رحمه الله:

     (الأعياد شريعة من الشرائع ، فيجب فيها الاتباع ، لا الابتداع . وللنبي - صلى الله عليه وسلم - خطب، وعهود، ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة، يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا. وإنما يفعل مثل هذا النصارى، الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى، عليه السلام، أعيادًا، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه .

وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، عليه السلام، وإما محبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعظيمًا. والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع- من اتخاذ مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - عيدًا. مع اختلاف الناس في مولده. فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، لو كان خيرًا. ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا، لكان السلف، رضي الله عنهم، أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته، وتعظيمه، في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنته، باطنًا، وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك؛ بالقلب، واليد، واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد، والاجتهاد الذين يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يُحلِّي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح، والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة، التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع، ما يفسد حال صاحبها، كما جاء في الحديث:"ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم")([2])

 

      وفي هذا النص، من كلام شيخ الإسلام، ابن تيمية، رحمه الله، نقد بليغ، لهذه البدعة المحدثة، من وجوه عدة:

أولاً: أن العيد شريعة، ولا يعبد الله إلا بما شرع. و(مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) ، و(مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ) متفق عليهما.

ثانيًا: أنه مضاهاة للنصارى، وتشبه بهم. و (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد.

ثالثًا: أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، من السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين، مع قيام المقتضي، وعدم المانع. قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء:115]

رابعًا: أن المحبة الصادقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - تكون باتباع سنته، واحيائها.

خامسًا: أن حال هؤلاء المبتدعة إحياء البدعة، والنشاط فيها، وإماتة السنة، والفتور عنها، والاشتغال بالمظاهر الجوفاء، والزخارف الظاهرة، والمراءاة، والتسميع.

 

     ومن تأمل في واقع هؤلاء المفتونين بالموالد، رأى أنهم أبعد الناس عن التدين، وإنما يخدعهم الشيطان، ويخدعون أتباعهم بالتزيي بالصلاح، والدين، وهم، أو كثير منهم، من أفجر الخلق؛ في غشيان الفواحش، وأكل السحت، وعدم الغيرة على الدين، وحرمات المسلمين. واعتبرْ بأشباه الرجال الذي يتمايلون في (قناة الصوفية)، ويصطفون في هيئات، ورسوم بدعية، ويضربون بالدفوف، والمزامير، وآلات اللهو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. واعتبرْ بحال هؤلاء الأدعياء لمحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كيف (يحيون) المولد النبوي، هذه الأيام، في بلاد الشام، ويسبحون بحمد طغاة النصيرية، الذين (يميتون) أهل الإسلام على مرمى حجر من الجامع الأموي! شاهت الوجوه.

 

      أما إن الإسلام بريء من هذه المحدثات، مهما حاول أصحابها إلصاقها به، ومهما تشبثوا بما يمدونه من خيوط العنكبوت البدعية. أما إن السنة المحمدية، تنفي خبث البدعة، كما ينفي الكير خبث الحديد، بنصاعتها، وجلالتها، وصحتها، وتفاني حملتها في الذب عنها، وبيانها. وها قد كشفت الأحداث المتعاقبة عن حقيقة المبتدعة، وأين يقفون، وخلف من يصطفون، حين انتفضت الشعوب العربية، بنفس إسلامي، سلفي، وأوى كل خدن إلى خدنه. قال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال : 37]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام وفي تحقيق مولده وعمره عليه الصلاة والسلام:35

([2])اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 124



التعليقات ( 0 )