• ×

أ.د. أحمد القاضي

البحرين ... خاصرة الجزيرة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

       فلعل (مملكة البحرين) أصغر كيان سياسي على وجه الأرض، لا تتجاوز مساحتها (661000كم2)، ولا يتجاوز تعداد سكانها؛ مواطنين، ومقيمين (800000) ثمان مائة ألف نسمة، لكن حساسيتها الجغرافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، تعطيها مساحة تفوق مساحتها الجغرافية، أضعافاً مضاعفة. البحرين: خاصرة الجزيرة العربية، وملتقى التجارات العالمية، ومحط رحال رجال الأعمال، والشركات العابرة للقارات، يقطنها السنة، والشيعة، بنسبة متكافئة، أو متقاربة.

 

      ظلت (البحرين)  جزيرة وادعة، في أحضان مياه الخليج الدافئة، تخضع لحكم أسرة عربية، سنية (آل خليفة) قبل، وأثناء، وبعد الاستعمار الإنجليزي. واشتهر أهلها بدماثة الأخلاق، ولطف الطباع. غير أنها، وللأسف، عُرفت ملاذاً آمناً لفساق الخليج، والجزيرة، فضلاً عن الغربيين، والشرقيين. وصدق عليها الوصف القرآني (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سبأ : 15]

 

     وفي السنوات الأخيرة، تمكنت (إيران) من زعزعة الاستقرار الداخلي، والتعايش الاجتماعي بين الطائفتين، والتناغم السلمي مع القيادة الرفيقة. وجرت مناوشات، ومناكفات، بين القيادات الشيعية المعممة، وبين الحكومة، قبل بضع سنوات، أفرزت أوضاعاً ديموقراطية، حققت فيها المعارضة الطائفية الكثير من المكاسب.

 

      وحين انطلقت حركات (المخاض العربي)، ولا أقول (الربيع العربي)، قبل أكثر من عام، طمحت المعارضة إلى مزيد من المكاسب، تجاوزت السقف الأعلى القابل للنقاش، إلى حد التمرد، والمطالبة بإسقاط النظام، والدعوة للإقامة (جمهورية إسلامية) على النمط الإيراني، كما لو كانت المستفردة بالساحة، وأطلق الخطباء المؤدلجون حناجرهم بالتحريض، بما لا يقبله أي نظام في العالم، ثم سيروا المظاهرات العارمة، المصحوبة بقنابل المولوتوف، وشعارات الحتوف.

      وتعاملت الحكومة بلون من المداراة البالغة، التي بدت في نظر المراقبين رخاوة، وضعفاً، وتواصلت مراسم العفو مع غير مقدرة، ممن لم يطلب العفو، وغض الطرف عن الانتهاكات المتكررة، ممن يجاهر، ويقول: أنا هنا!

 

      اعتصم المجيشون بدوار اللؤلؤة، وبات خطباؤهم يتحدثون سقوط النظام، بوصفه (مسألة وقت)، وعاش (أهل السنة) ظروفاً عصيبة، بين مطرقة المعارضة، وسندان الحكومة، لا يدرون ما الله قاضٍ فيهم. وكادت لؤلؤة الخليج، تهوي في دوار اللؤلؤة!

      ثم جاء الفرج من عند الله؛ حين هدى الله قادة دول مجلس التعاون الخليجي، لاتخاذ قرار شجاع، عصوا فيه أمريكا، وضربوا بتوصياتها وتحذيراتها عرض الحائط، ودفعوا بقوة رمزية، لا تتجاوز (1200) عسكري، إلى الجزيرة المرتهنة، فأفلحوا، وأنجحوا، وحمد القوم السرى.

واليوم! وبعد مرور أكثر من عام، على الأحداث الساخنة، لا تزال ثمَّ أعمال شغب متفرقة، وتأجيج مستمر لنار الفتنة، وحالة ترصد وجمود، وترقب لمجهول.

 

      وفي قراءة مطمئنة لوقائع الماضي، واستشراف متفائل للمستقبل، يمكن تسجيل النقاط التالية:

أولاً: الخيار الوحيد لأهل السنة، الوقوف مع القيادة السنية، وعدم توهينها، والحذر من الاستدراج إلى مواقف (عنترية) تحت أي دعوى، تفتقر إلى التوقيت الصائب.

ثانياً: الخيار الوحيد للحكومة التحالف مع أهل السنة، داخل البحرين، وخارجه، فهم عمقها، وعيبة نصحها، والمؤتمنون على هويتها، ومستقبلها، والحذر من الاستدراج إلى أي تحالفات خاسرة، مهما تبسم الليث عن أنيابه. ويندرج تحت ذلك:

1-  عدم الثقة بوعود المعارضة التي أسفرت عن ولائها الصريح لإيران، ومطالبتها الفجة بإسقاط النظام.

2-  عدم الثقة بالحليف الأمريكي، الذي ظل، ولا يزال، يصنف البحرين، حليفاً من الدرجة الأولى، ثم يقلب لها ظهر المجِنّ، في أوقات المحن، إلى حد المطالبة بتسليم السلطة، صراحة، للمعارضة. فليس للقوم حليف إلا المصلحة (البراجماتية الأمريكية) المشهورة.

وبالمقابل، فإن على الحكومة البحرينية، أن تُمتِّن صلتها بعنصرين:

1-  الإسلاميين السنة، على اختلاف أطيافهم، وتمنحهم الثقة، وترفع عنهم المذلة التي ذاقوها، وتجرعوها، بسبب التعامل الرخو مع الأحداث، مع انصياعهم التام لمواقف الحكومة، والسمع والطاعة لولاة أمرهم.

2-  دول مجلس التعاون الخليجي، لاسيما المملكة العربية السعودية، الجارة الكبرى، والجبهة القوية، باتفاق، أمام المطامع الفارسية؛ عقدياً، ومادياً.

 

     ثالثاً: ضرورة الاعتبار، واستنباط الدروس، ومراجعة المواقف؛ على المستويين الحكومي، والشعبي، والشروع في الإصلاح الجاد، ومن ذلك:

  1.  الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم تمكين المفسدين، الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. حتى متى تقر الحكومة البحرينية وجود الخمور، ومظاهر الفجور، في الفنادق، والمنتجعات، بين ظهراني شعب مسلم كريم! كيف تجلب الحكومة، في هذه الظروف العصيبة، حثالة المغنين، والمغنيات، من أصقاع العالم، باسم الثقافة، ليرقصوا على جراحات الأمة الراعفة، في البحرين، وفي سوريا، وفي العراق، وفي فلسطين؟!
  1.  ضرورة تحسين أوضاع المواطنين المعيشية، من السنة، والشيعة، لأن الجميع في ذمتها، وتوفير فرص العمل، والعيش الكريم، والعدل في توزيع الدخل، والثروات، وقطع الطريق على المشاغبين، والمصطادين في الماء العكر.
  1.  ضرورة الاجتماع، والاتحاد، بين أهل السنة، ونبذ الخلافات الشخصية، والحسابات الحزبية، والاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق.
 

     وختاماً، فإن الله واسع حليم، ويكشف الضر، ويرفع الغمة عن الأمة، إن هي تابت، وأنابت، كما جرت سنته في الأولين: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس: 98] ، وقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ. أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) [الأعراف : 96 - 101] . وما أعظمها من آيات لقوم يعقلون.

     اللهم احفظ البحرين، وأهلها، من كيد الكائدين، وعبث المفسدين، وأسبغ عليها نعمة الأمن والإيمان.



التعليقات ( 0 )