• ×

د. أحمد القاضي

الكويت : هامة الخليج

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

(الكويت) دولة عربية صغيرة المساحة، لا تتجاوز نحو 24000 كم مربع، كأنما تمثل هامة الخليج، أو درة في جبينه. عاش أهلها ردحًا من الزمان على التجارات البسيطة، واستخراج اللؤلؤ، كسائر إمارات الخليج، وثغوره. وما أن أفاء الله عليها بالنفط حتى استحالت دولة عامرة، فتية، تشد إليها الرحال من شتى أقطار دول الجوار، حتى بلغ عدد سكانها، الآن، نحو مليون وثلاثمائة مواطن، وأكثر من مليون ونصف مليون وافد، تقريباً، ينعمون بالخير، والتسامح.

 

وقد شهدت عقود الستينيات، والسبعينيات، والثمانينيات، تألقاً خاصاً، مقارنةً بأخواتها الخليجيات،ثم عاد الأمر إلى نوع من التماهي، وربما المفاضلة. وابتليت هذه الدولة الصغيرة الآمنة بعدوان غاشم، حين اجتاحها الطاغية صدام حسين، بجيشه اللجب، قبل عقدين من الزمان، وأدخل المنطقة في فخ التجاذبات الدولية، والأطماع العدوانية.

لقد كانت الكويت، ولا تزال، تمثل بيئة مدنية، تتمتع بقدر كبير من الحريات العامة، في التعبير، والتمثيل الشعبي، لا يوجد له نظير، في تقديري، في العالم العربي، سوى لبنان. وهذا وصف، لا تقويم!

 

أتاحت أجواء الحرية للمواطنين الكويتيين، والوافدين، أن يعبروا عن قناعاتهم، ويمارسوا أنشطتهم، في وضح النهار، على اختلاف مشاربهم، وتوجهاتهم؛ الإسلامية، والناصرية، والبعثية، والماركسية، والعلمانية، وما شئت من النِّسب، حتى العبثية، والشاذة، محاكاة للنمط الغربي، إلى حدٍ ما. وكانت النتيجة المذهلة التي أنتجتها أجواء (تساوي الفرص) اكتساح الاتجاه الإسلامي لجميع الاتجاهات، واستيطانه في القلوب، فضلاً عن المقاعد البرلمانية. وتلك حقيقة يجب أن يدركها أهل الإسلام، أن دينهم دين الفطرة، وأن خطابهم لا يفتقر إلى حملة انتخابية، بقدر ما يفتقر إلى إخلاص وتجرد.

 

غير أن أجواء الحرية، أيضاً، أتاحت الفرصة، لنمو بعض الاتجاهات الغالية، والمتساهلة، على هامش النهر الإسلامي الدفاق، وفتحت الأسماع، والعيون، لأصوات، ومشاهد، عكرت هذا الصفاء، وأشغلت المشروع الإسلامي العام، عن أن يمضي قدماً، أو على الأقل، أن يمضي بعجلة تسارعية مطردة، حيث انكفأ (الإسلاميون) ينقد بعضهم بعضاً، و(يتحزبون) على اختلاف درجاتهم، شيعاً.وطفقت آلة (التصنيف) تلتهم الجميع، وتشرعن القطيعة، وتزيد الجفوة، بين أبناء الوطن الواحد، والدين الواحد. وصارت الكويت، وللأسف، مشهداً، ومعرضًا لكثير من أدبيات الفرقة، والاختلاف، تنمو في (ديوانياتها)، وتطفو على سطح (جرائدها)، وتنضج في (مطابعها)، وربما تثار في (مجلس أمتها).

 

في الكويت، اليوم، (حالة تأزيم) بالغة، و(ضراوة) شديدة في الخلاف، بين مختلف الفرقاء:

-     بين الإسلاميين، والليبراليين.

-     بين السنة، والشيعة.

-     بين الحاضرة، والبادية.

-     بين الحكومة، و(البِدون).

-     بين السلفيين، والإخوان.

-     بين السلفيين أنفسهم، على اختلاف ألوان الطيف بينهم.

 

وكانت هذه التحزبات مستنبتة قبل الغزو الصدامي، وكان المأمول أن تضعف، وتخف بعد التحرير، لكنها عادت كأشد ما كانت، وللأسف. ويزداد الأمر خطورة، حين نستذكر الوضع الحرج الذي تمر به المنطقة، والأطماع الإيرانية، والغربية، التي ترمق هذه الفريسة السهلة، وتتطلع إلى هذه الغنيمة الباردة.

 

     إني على يقين تام، بأن أمن الكويت، وسائر بلاد الإسلام،إنما هو بالإسلام! وذلك يتطلب من كل ناصح أمين، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، أن يبصر المقاصد العامة للشريعة، ويسعى إلى إقامة الدين، ويحذر من التفرق فيه، كما قال ربنا، سبحانه وتعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى : 13].

 

     أتمنى على بعض إخواننا الدعاة، وطلبة العلم، في الكويت:

-      أن يكفوا عن المساجلات، والملاسنات، دون أن يكفو عن بيان ما يرونه حقاً، بأسلوب عفٍّ، كريم.

-      أن يعتمدوا المسلك الإيماني النبوي السلفي: (الوضوح في الحق، والرحمة بالخلق)، كما رأينا ذلك في سير مشايخنا المعاصرين: ابن باز، وابن عثيمين.

-       أن يتعاونوا على البر والتقوى، ويكونوا يداً واحدة على من خالف الإسلام، ومقاصده، ولا يحشروا المخالفين في خندق واحد، بل يسلكوا مسلك العدل والإحسان، ويتجنبوا الإثم والعدوان، قال تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة : 2]

 

     لقد سئم الصالحون المهاترات، والمماحكات، والتنابز بالألقاب، ونشأت في الكويت، بحمد الله، ناشئة من طلبة العلم، تعرض عن القيل والقال، والخوض فيما لا طائل من ورائه، إلا إيغار الصدور، وفساد الأمور. كما وجد كثير من المتربصين في هذا الخصام (طُعماً) لاصطياد الإسلاميين، وإشغالهم. فلنتق الله، ولنذكر قوله: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 46]

     حفظ الله الكويت من كل مكروه، وجعلها موئلاً لكل محمدة، وبرأها من كل نقيصة.



التعليقات ( 0 )