• ×

د. أحمد القاضي

مشاهد العبودية

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     فإن (العبادة) حكمة الخلق، وسر الإيجاد، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : 56]. فأشرف ما تلبس به الإنسان لباس (العبودية)، التي ينقاد فيها لأمر خالقه، وينساب فيها مع دواعي فطرته، ويتوافق فيها مع مقتضى عقله. وأرذل حال يتردى فيها الإنسان، حال الشرك، أو الغفلة، حين تنحرف وجهته، أو يعيش بلا معنى. قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) [الأحقاف : 5]، وقال: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف : 179]

 

     والعبودية، ليست مجرد (تكليف)، كما يصورها الأصوليون، عند ذكر الأحكام التكليفية. بل إن التعبير بالكلفة لم يرد في القرآن إلا منفيًا، بل قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يبرأ من التكلف، بقوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص : 86].

 

    قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، رحمه الله: (وَلِهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَكَلَامِ السَّلَفِ، إطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، أَنَّهُ تَكْلِيفٌ، كَمَا يُطْلِقُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ، وَالْمُتَفَقِّهَةِ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ التَّكْلِيفِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ ؛ كَقَوْلِهِ: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا"،"لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ"،"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا"، أَيْ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَمْرِ تَكْلِيفٌ؛ فَلَا يُكَلَّفُ إلَّا قَدْرَ الْوُسْعِ، لَا أَنَّهُ يُسَمِّي جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ تَكْلِيفًا، مَعَ أَنَّ غَالِبَهَا قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَسُرُورُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّاتُ الْأَرْوَاحِ، وَكَمَالُ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ لِإِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ، وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ، وَذِكْرِهِ، وَتَوَجُّهِ الْوَجْهِ إلَيْهِ. فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ، الَّذِي تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ أَبَدًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا") مجموع الفتاوى - (1 / 25-26)

 

    والنفوس السوية، والفطر المستقرة الرضية، تجد ذلك، وتتذوقه، وتحس ألمًا لفقده، كما يتألم العطشان لفقد الماء، والجوعان لفقد الطعام. فالعبادة حاجة، بل ضرورة بشرية، قبل أن تكون (تكليفًا) بالمعنى الفقهي، الأصولي.

 

    إن استطلاع مشاهد العبودية لدى المتعبدين، واستجلاء صور تنعمهم في تحقيق وظيفتهم الشريفة، ليبعث في القلب روح التأسي، والاحتذاء، ويقرب معاني التعبد والنسك، فيهتز لرؤية مشاهد رائعة، بديعة:

 

    ذاك الذي ينصب قدميه في محرابه، في ظلمة الليل، يناجي ربه، بلهفة، وشوق، يبثه شكواه، يخاطبه كأنما يراه، ترتجف يداه، وتفيض عيناه، ويهتز متنه ،كالسعفة في مهب الريح، حين تطيف به مشاعر الخوف، والرجاء : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 9]، (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: 16] ! هل سمعت؟ (يرجو رحمة ربه)، (يدعون ربهم)! يالها من عبودية!

 

    أولئك الرجال، والنسوة؛ شيوخ، وعجائز، يخرجون، ضاحين، متواضعين، متخشعين، متذللين، لصلاة الاستسقاء، يعلمون أنه لا يرسل الرياح، فتُقِل السحاب الثقال، فتسقي البطاح، إلا الله. يمدون أذرعتهم عاليا، ويرفعون أكفهم، يقلبون أسمالهم، يستسقون ربهم: اللهم أغثنا! اللهم أغثنا! يالها من عبودية!

 

    ذلك المريض المدنف، الذي انفض من حوله الناس، وبات يتقلب على فراشه، ويعاني أوجاعه، يرمق بطرفه الكليل معبوده، كأنه يراه، ويناجيه: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء : 83]! يعلم أنه لا يكشف الضر إلا الله. يالها من عبودية!

 

    تلك الفتاة، التي ترى الخطاب يتهافتون إلى صويحباتها، ويحيدون عنها، يمنةً، ويسرةً، وقلبها يتدفق مع طرق كل طارق ، ولا تملك من أمرها شيئا، ترقب قسمها الذي أبرمه الله في السماء، وترجوه: يا رب! يا رب! ارفعني، واسترني. يالها من عبودية!

 

    ذاك الزوج، وتلك الزوجة، اللذان سلخا من عمريهما عقدًا من السنين، قد وقفا على شباك المستشفى، ينتظران نتيجة التحليل، تلتاث الدعوات على شفاههما: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)  [آل عمران : 38]

 

    حقًا إن (الدعاء هو العبادة) رواه أحمد، وصححه الألباني. فسبحان من تصمد إليه الخلائق بحاجاتها، وتفزع إليه في ملماتها.

 

    ليس هذا فقط! فالعبودية تتمظهر في صور أخرى، تنتظم الحياة في جميع تنوعاتها:

-      حين الاستيقاظ، واستفتاح يوم جديد، يجدد المؤمن العهد مع ربه، قائلًا: (الحمد لله الذي أحيانا، بعد ما أماتنا، و إليه النشور) رواه مسلم، (الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره) رواه الترمذي، وحسنه الألباني.

-      وحين يخرج من بيته، يفوض أمره إلى الله، ويتوكل عليه: (بسم الله. توكلت على الله. لا حول و لا قوة إلا بالله. فيقال له: حسبك! قد هديت، وكفيت، ووقيت. فيتنحى له الشيطان، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي، وكفي، ووقي ؟) رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الألباني.

-      وحين يأكل، ويشرب، يستشعر عبودية الشكر فيما متعه الله به: (إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها) رواه مسلم.

-      بل حتى حين يأتي أهله، يستصحب طلب الحفظ، والصون، من خالقه: (بسم الله. اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا) متفق عليه.

-      وحين يختم يومه، ويأوي إلى فراشه، يوثق العهد مع ربه، وهو يسلم الأمانة لمالكها: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمهما وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) متفق عليه. بل يزيد، ويقول، مظهرًا كمال العبودية، بجميع صورها: (اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة، ورهبة، إليك. لا ملجأ، ولا منجا، منك إلا إليك. آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من قالهن، ثم مات تحت ليلته، مات على الفطرة) متفق عليه.

 

     وهكذا، يفطر العبد على العبودية، وينام عليها، ويصحو. فاللهم أعنا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك، ولا تجعلنا من الغافلين.



التعليقات ( 0 )