أ.د. أحمد القاضي

(إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده. والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     فقد قضى الله تعالى على يهود قضاء كونيا مبرماً، باللعنة، والغضب، والذلة، والمسكنة، فقال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [آل عمران/112].

     وهذه الآية، وإن جاءت في عموم (أهل الكتاب)، فالمراد به خصوص اليهود، عند عامة المفسرين. قال ابن عاشور، - رحمه الله -: (وأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، لكن المقصود الأول هنا هم اليهود ، لأنَّهم كانوا مختلطين بالمسلمين في المدينة ... وهو خاص باليهود لا محالة) التحرير والتنوير - (ج 3 / ص 189-191)

 

     وأما معناها، فكما قال إمام المفسرين، ابن جرير الطبري، - رحمه الله -: (ألزِم اليهود، المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين) تفسير الطبري - (ج 7 / ص 110)

     ويقف المسلم حيرانَ أمام هذا التمكين اليهودي في أرض فلسطين، والصلف، والتغطرس الذي تمارسه آلته السياسية، والعسكرية، تجاه المسلمين الواقعين تحت سيطرتهم، والمحيطين بهم، ويتساءل: أين وعد الله؟ فلا يرد عجبه، ولا يزيل لبسه، إلا تتمة الجملة: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ). فيدرك أن الواقع استثناء من أصل، ووضع طارئ توافرت له مسببات عارضة، عما قليل تقشَّع.

 

     فما ذانك الحبلان اللذان تتشبث بهما يهود ؟

     قال الطبري، رحمه الله: (وأما "الحبل" الذي ذكره الله في هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين، وعلى أموالهم، وذراريهم، من عهد، وأمان، تقدم لهم عقده، قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام)، وساق بسنده، عن جمع من السلف أن المراد : عهد من الله، وعهد من الناس) (تفسير الطبري - (ج 7 / ص 113).

     وقال ابن عاشور، رحمه الله: (والمعنى لا يسلمون من الذلّة إلاّ إذا تلبَّسُوا بعهد من الله ، أي ذمّة الإسلام ، أو إذا استنصروا بقبائل أولى بأس شديد ، وأمّا هم في أنفسهم فلا نصر لهم) التحرير والتنوير - (ج 3 / ص 191).

     وقال السعدي، رحمه الله: (فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو تحت أحكام النصارى) تفسير السعدي - (ج 1 / ص 143)

 

     ويفهم مما تقدم، من أقوال المفسرين، أن اليهود لا ينفكون عن حال الذلة، إلا بعقد ذمة من أهل الإسلام، يأمنون فيه على أنفسهم، وأموالهم، مع الصغار الحاصل ببذل الجزية، أو بسبب حاصل من سوى أهل الإسلام، يستقوون به.

 

     وقد حصل لليهود بالحبل الأول، فترة أمان، طوال التاريخ الإسلامي، ما التزموا بعقد الذمة. وهاهم اليوم يتشبثون بحبال الناس التي تلقى إليهم من وراء البحار، والمحيطات، في مصالح متبادلة بينهم وبين النصارى.

 

     ما أن يفوه الرئيس الأمريكي (الدمية)، بتصريحات غير محسوبة، ويشير إلى قيام دولتين متجاورتين، على أساس حدود هزيمة 1967م، حتى يتحرك اللوبي الصهيوني، ومن ورائه (الإنجيليون) و (المحافظون الجدد المتصهينون)، فيعدل عباراته، بطريقة اعتذارية مُسِفَّة، ثم يقْدُم (نتن ياهو)، ويطأ بساطه، في البيت الأبيض، ويعلن تحديه، بشكل سافر، ثم ينتقل إلى (عش الدبابير) الكونجرس، ليقول أكثر، ويستمطر التصفيق الحاد، من أعضائه، مؤكداً، يهودية الدولة، وضرورة إلغاء الاتفاق بين فتح وحماس، والحؤول دون استصدار قرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، بالاعتراف بدولة فلسطين !! وهكذا يلقي (الناس) بأنشوطة المدد، ليهود.

 

     وثمَّ حبال دون ذلك، من المحيط العربي، تحمي حدود إسرائيل، وتتملق الغرب، في حال كرب، مفتخرة بأنها لم تطلق رصاصة واحدة تجاه إسرائيل منذ قرابة نصف قرن، في حين تمطر العزل من مواطنيها، المتظاهرين سلمياً، ضد ظلمها، وتعسفها، بوابل من الرصاص، أسقط أكثر من ألف قتيل، بينهم ثلاثين طفلا (أسدٌ علي وفي الحروب نعامة)

     ويقوم بعض المخذولين، المنهزمين نفسياً، ممن يسمون (سلطة) وما هم بسلطة، بمحاولة يائسة لتمتين هذه الحبال، بالارتماء في الحضن اليهودي النتن، فلا يزيدهم ذلك، إلا ركلاً، وبصقاً، واستهجاناً.

 

     لابد لهذه الحبال الواهية أن تتقطع، ولا بد ليهود أن ترتكس في الذلة، والصغار، مجدداً، ولا بد لأهل الإسلام من سواعد فتية، لقلوب مؤمنة نقية، تقطع هذه الحبال، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)  [الروم/4، 5]



التعليقات ( 0 )