• ×

أ.د. أحمد القاضي

(اللهم أهِلَّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  11.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: (الله أكبر اللهم أهله علينا بالأمن، والإيمان، والسلامة، والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى. ربنا وربك الله) رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني بشواهده. هاهو ذا هلال رمضان يطل على الكرة الأرضية، في مشهد يتجدد، منذ أن خلق الله الخليقة. يطل هلال رمضان على أرجاء فسيحة من العالم الإسلامي، المترامي الأطراف، في مطلع الثلث الأوسط من القرن الخامس عشر الهجري، ليجد فسيفساء متنوعة من الشعوب، والأحداث :

-       ففي أرخبيل الملايو، تنتشر شعوب إسلامية مسالمة، وادعة، تناهز الثلاثمائة مليون في إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، تختزن عاطفة إسلامية دفاقة، وتفتقر إلى العلم، والوعي، الذي يحررها من أسر الخرافة الصوفية، والبدع الاعتقادية، والعملية، والسحر والشعوذة، والتفسخ المتلبس، زوراً، باسم السياحة. كما تفتقر إلى الإرادة السياسية التي تحررها من الهيمنة الغربية، والشرقية.

-       وفي أواسط آسيا شعوب بالملايين، تحررت قبل نحو عقدين من الزمان، من كابوس الشيوعية، والتجهيل، وخرج أهلوها من تحت الأقبية، راغبين في الانتماء للإسلام، لتتلقفهم دعايات الرافضة المضللة، وسعايات اليهود والنصارى المسيسة.

-       وفي شبه القارة الهندية، وبلاد الأفغان، تأزيم، وتوتير، واحتراب داخلي بين أبناء البلد الواحد، يذكي أواره دهاقنة الغرب، وحلف الناتو، فلا تسمع إلا التفجيرات، والاغتيالات، وقصف الطائرات بلا طيار، وإنما بمطيِّر من وراء البحار! والضحية شعوب بريئة، ونساء، وأطفال، وشيوخ، وعجائز.

-       وفي إيران تدور رحى معركة محتدمة بين الملالي المؤدلجين، الحالمين بتشييع العالم الإسلامي، واجتياحه، واحتلال بلاد الحرمين، وتشييد (مراقد الأئمة) زعموا! وبين (إصلاحيين) ملُّوا تسلط المعممين، وخيالاتهم الغيبية الباطلة، بتعجيل خروج (المهدي النتظر)، وجر بلادهم إلى نزاعات إقليمية، ودولية.

-       وفي تركيا صحوة سياسية، واقتصادية، ودينية، يرقبها الغرب وإسرائيل، ويتربصون بها الدوائر، ويثيرون لوئدها الفتن والقلاقل.

-       وفي العالم العربي أحداث متسارعة، وتغييرات هائلة، وفتن وملاحم: تجاذبات سياسية في العراق، على جنباتها دماء، وأشلاء، وأحقاد، وثارات، محتل غريب، ومستعمر قريب. وفي أكناف الشام انتفاضة عارمة، ومظاهرات صاخبة، وشعوب مضطهدة تحاول التفلت من نير الباطنية النصيرية، غير عابئة بالقتل، والأسر، والجراحات، فما بقي ما يؤسف عليه. وغير بعيد، في جنوب لبنان، يترنح (حزب اللات) بعد سقوط قناعه، وافتضاح شعاراته، حين أيَّد الأسد على افتراس سورية. أما فلسطين، فتنور يفور، يوشك أن يأذن الله بالفرج، فينقشع الطفح اليهودي، ويذهب زبد النفاق، ويمكث ما ينفع الناس. وفي اليمن خطب عظيم، ونذر حرب أهلية، وقى الله شرها. وفي بقية الجزيرة سكينة ودعة، وفيه دخن، واحتقان، تتطلب من عقلاء القوم أخذ الدروس والعبر. وفي مصر، وتونس، تربص مريب، وقلق من المستقبل. وفي السودان بتر، وانقسام، وموطئ قدم في الجنوب ليهود. وفي الصومال مجاعة رهيبة، وتشرذم مقيت، وفتن لا تفتر. أما ليبيا! فحرب ضروس، وصنم عبوس، يوشك أن يخر لقفاه. وفي الأردن، والجزائر، والمغرب، وبلاد شنقيط، مبادئ فتن تطل برؤوسها بين الفينة والفينة، كفى الله شرها. وفي أرجاء من العالم غير الإسلامي أقليات إسلامية متناثرة، مهددة بالإذابة والاحتواء، أو النبذ والإقصاء، ولا أدل على ذلك من ردود فعل اليمين المسيحي المتطرف في أمريكا وأوربا.

     هكذا بدا العالم الإسلامي لهلال رمضان! ورغم ذلك كله يبقى الإسلام، ويبقى الصيام؛ مآذن تصدح، مساجد تكتظ، مصاحف تتلى، موائد تمد للصائمين، مشاعل تسرج للقائمين، عمَّار، وزوار بالملايين، يأرزون نحو الحرمين. أوقاف، وصدقات جارية، دروس، ومواعظ بالغة. فالخير باقٍ في هذه الأمة التي تمرض، ولكن لا تموت.

     ألا ما أحوج الأمة إلى الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه الله ويرضىاه.ما أحوج الأمة إلى بعث جديد، ينخلع من أوهاق الحاضر، ويستمسك بالعروة الوثقى، كتاب الله، فتصوم عن معاصي الله، وتفطر على مراضيه، فحينئذٍ تتعافى الأمة، وتسترد دورها الريادي. إن مشروع البعث الجديد، مشروع يقوم في شخص كل مؤمن، وينشأ في كل بيت، وأسرة، وحي، وبلدة، بأوبة صادقة، وتوبة نصوح، لينظر الله تعالى إلينا، نظر رضا، فيفتح لنا أبواب رحمته، وفضله، ويصلح أحوالنا المضطربه، كما وعدنا، ومن أصدق منه قيلاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب: 70، 71] 



التعليقات ( 0 )