• ×

د. أحمد القاضي

(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)

د. أحمد القاضي

 0  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فحين تستقر حقيقة الإيمان في القلب، تنبعث انفعالاته المختلفة؛ حباً، وبغضاً، فرحاً، وحزناً، تبعاً لتلك الحقيقة، وتتفاوت قوةً وضعفاً، بقدر ما يقوم فيه من حقائق الإيمان. ومن أعظم حقائق الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله. بل هي أوثق عرى الإيمان. ولذلك كان أصدق القلوب، وأبرها، وأحياها، قلب محمدٍ صلى الله عليه وسلم. فكان صلى الله عليه وسلم شديد الحدب على المسلمين، عظيم الرأفة بهم، يسره ما يصلحهم، ويريبه ما يضرهم، كما وصفه ربه بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: 128]. ومن شواهد ذلك:

     روى الإمام البخاري عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلاَثِينَ غَدَاةً، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ، قَالَ أَنَسٌ: «أُنْزِلَ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَأْنَاهُ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينا عنه)

 

     وروى الإمام مسلم بسنده عَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَى سَرِيَّةٍ مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، كَانُوا يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَتَلَتِهِم).

 

     هذا في حال نقص الأنفس (القتل)، وأما في حال نقص الثمرات (المجاعة)، فقد روى الإمام مسلم عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: {اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ} «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» .

 

     وسار على هذا النَّفَس النبوي، أهل الإيمان، على مر الأزمان، والتاريخ زاخر بالأمثلة الناطقة بانفعال أهل الإيمان، على تنوع مواقعهم، بحال إخوانهم في الدين:

 

     ذكر الحافظ ابن كثير، رحمه الله، في ترجمة الملك المجاهد نور الدين، إبان حروبه مع الصليبيين ، ما نصه:

(وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ شديد الاهتمام قوي الاغتمام بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءاً في ذلك فِيهِ حَدِيثٌ مُسَلْسَلٌ بِالتَّبَسُّمِ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يتبسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي مِنَ اللَّهِ إِنْ يراني متبسما والمسلمون يحاصرهم الْفِرِنْجُ بِثَغْرِ دِمْيَاطَ.

 

     وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيخ أَبُو شَامَةَ أَنَّ إِمَامَ مَسْجِدِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِالْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ رَأَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَجْلَى فِيهَا الْفِرِنْجُ عَنْ دِمْيَاطَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يقول: سَلِّمْ عَلَى نُورِ الدِّينِ وَبِشِّرْهُ بِأَنَّ الْفِرِنْجَ قَدْ رَحَلُوا عَنْ دِمْيَاطَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَيِّ عَلَامَةٍ؟ فَقَالَ: بِعَلَامَةِ مَا سَجَدَ يَوْمَ تَلِّ حَارِمٍ وَقَالَ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ انصر دينك. ومن هو محمود الكلب؟. فَلَمَّا صَلَّى نُورُ الدِّينِ عِنْدَهُ الصُّبْحَ بَشَّرَهُ بذلك وأخبره بالعلامة، فلما جاء إلى عند ذكر " من هو محمود الكلب " انقبض من قول ذلك، فقال له نور الدين: قل ما أمرك بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال ذلك: فقال: صدقت، وبكى نور الدين تصديقاً وفرحاً بذلك، ثم كشفوا فإذا الأمر كما أخبر في المنام) البداية والنهاية ط: إحياء التراث (12 / 324)

 

     ونقل عبد الغافر الفارسي، في ترجمة شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، رحمه الله، في ذكر سبب وفاته، أنه دفع إليه كتاب ورد من بخارى، يشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها، واستدعى فيه أغنياء المسلمين بالدعاء على رؤوس الملأ، في كشف ذلك البلاء عنهم، واشتد الأمر على عامة الناس. فلما قرأ الكتاب هاله ذلك، وأثَّر فيه، وتغير في الحال، وغلبه وجع البطن من ساعته، وأنزل من المنبر، وبقي أسبوعاً، لم يسكن ألمه، ولم ينفعه علاج، حتى توفي، رحمه الله.انظر : طبقات الشافعية: 3/122

 

     هكذا كان حال المؤمنين الصادقين تجاه أمتهم، وإخوانهم، مودة، ونصرة، وشفقةٌ، ونجدة. ولا غرو! فالإيمان رحم يجمع أهله، وآصرة تشد من أدلى إليها بسبب. ولم تزل قلوب المؤمنين تتدفق على مصاب إخوانهم المصابين بنازلة جوع، أو قتل، أو ظلم، أو وباء، كما وصفهم إمامهم وربيهم، صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) رواه مسلم.

 

     وهاهي المجتمعات الإسلامية تنوء تحت وطأة مصائب متنوعة، قد طمَّ الجميع، هذه الأيام، نازلتان: مجازر سوريا، ومجاعة الصومال. تأثر أهل الإيمان لهاتين المصيبتين، وفاضت أعينهم بالدمع لمرأى الضحايا، ولهجوا بالدعاء والقنوت لرب العالمين، وأرحم الراحمين، وناصر المستضعفين، أن يكشف ما بإخوانهم.

 

     ولكن العجب لا ينقضي من أقوام من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، لا يهتمون لذلك، ولا يرفعون به رأساً، ولا بالتشاغل في لهوهم بأساً! وأشد من ذلك، وأنكى:

  1.  المعذِّرون : الذين لا يفتئون يقولون: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}، فكلما حل بالمسلمين نائبة قالوا: ألم نقل لكم! ألم نأمركم ! ولا يفرقون بين حال وحال، ومقام ومقام.
  1.  المخذلون : الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، فإذا دفَّت دافَّة، وانبرى أهل المروءة لنجدة إخوانهم بجمع التبرعات، انبرى هؤلاء المخذلون يقدقدون: قد لا تصل! قد تقع في أيدٍ مشبوهة! قد يكون في الأمر مبالغة! إلى آخر هذه القائمة المقعدة.
 

     كل هؤلاء وأولئك، قد خبا في قلوبهم وهج الإيمان، وهان عليهم دينهم، فما عادوا يفكرون إلا في ذواتهم، واهتماماتهم الصغيرة، ولا يهتمون بأمر المسلمين. وقد روى الطبراني عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِ نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ ولإِمَامِهِ ولِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» المعجم الأوسط (7 / 270)



التعليقات ( 0 )