أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والتوبة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فقد مضى شهر رمضان، وأودعه كل إنسان ما كتب الله له من طاعة أو عصيان. فمن الناس من قربه رمضان إلى الله زلفى؛ بالصيام، والقيام، والصدقة، وتلاوة القرآن، وتحري ليلة القدر. ومنهم من زاده الشهر من الله بعداً؛ بما ارتكب من آثام، وانتهاك لحرمات الله في فاضل الأزمان. فسبحان من يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو العليم الحكيم.

 

     وإن أعظم غنيمة يظفر بها المؤمن الموفق بعد انقضاء رمضان، أن يهدى إلى التوبة النصوح، التي بها السعادة والفلاح في الدارين. التوبة، بمعناها العميق، الدقيق، الذي أمر الله به عباده المؤمنين، بقوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)) [النور:31]، وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) [التحريم:8]. فتقع توبته عامة صادقة.

 

والتائبون ثلاثة أطباق:

1) فالظالم لنفسه: يطهر نفسه في رمضان من الواردات الخبيثة؛ من مسموع، ومرئي، ومطعوم، كما تطهر (الجلاَّلة) بحبسها عن النجاسات، ليزكو لحمها، ويطيب.

2) والمقتصد: يمتثل أمر ربه بما فرض عليه من صيام، ويأتي بشرط الجنة.

3) والسابق بالخيرات: يجد في الشهر مراغماً كثيراً، وسعة، في أنواع القربات التي تسمو بها نفسه، ويثقل بها ميزانه.

     والتوبة حالة قلبية، قبل أن تكون مظهراً عملياً. كما أنها مقام إيماني يتفاوت الناس في منازله، بحسب ما يقوم في قلوبهم من المعاني والحقائق.

 

ولهذا كان ارتباط (التوبة) بـ(العقيدة) وثيقاً:

       1- فإذا اقترنت بمحبة الله، ورجائه، وخشيته، المبنية على العلم بأسمائه وصفاته، كانت قوية الأركان، راسخة الجذور.

     2-وإذا غلب عليها الخوف من الوعيد، والطمع في الموعود، مع نقص في العلم  بالمعبود، كانت دون ذلك.

       3- وإذا كان باعثها الخوف من خزي الدنيا، والرغبة في الحياة الطيبة، الذي دلت عليه النصوص، وشهد به الواقع، كانت دون الأوليين.

       4- وإذا اجتمعت الثلاثة لموفق (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) [البقرة:266].

 

وللتوبة آثار حميدة في نفس التائب:

     1-فالتوبة أوبة إلى الله، ورجوع إلى كنفه. فالعاصي كالعبد الآبق، أو المختلس، العالم بقدرة سيده على رده، وفضحه. فلا يزال قلقاً، مهموماً، حتى يلقي بنفسه على بساطه، طالباً صفحه، وقبوله، فتتقشع همومه، وتسكن نفسه.

     2- والتوبة قوة في القلب، وثقة في الرب، الذي أوى إلى ركنه، ولاذ بجنابه، ولم يتخذ من دونه (وليجة)، فأنتج له ثباتاً في الجنان، وطلاقة في اللسان، وشجاعة أدبية في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله.

       3- والتوبة جد في النفس، ونشاط، يضعها على الطريق الصحيح، بعد أن كانت تترنح، وتتمايل، وتتشاغل ببنيات الطريق، فإذا بها تحث الخطا، وتحسب الزمن، ووتتطلع نحو الأفق الأعلى.

        4- والتوبة مجمع عبوديات متنوعة؛ من الافتقار إلى الله، والانكسار بين يديه، والفرار إليه، ودعائه، والتضرع إليه، والاستغفار، وتجريد التوحيد، وتحقيق الإخلاص، واهتبال الحسنات الماحية، والمكفرات النافعة، وغير ذلك من محبوبات الله.

 

وفوق ذلك كله! الظفر بفرح المولى الكريم، بتوبة عبده؛ كما جاء في الحديث الصحيح: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ، حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً ، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا ، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ ، مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ).[أخرجه مُسْلم 8/93(7060)].فما الذي يتوقعه العبد التائب من رب فرح بتوبة عبده؛ من الإنعام، والأفضال؟

 

     ما أحرانا، معشر المؤمنين والمؤمنات، أن نقطف ثمرة رمضان توبةً صادقة، نصوحاً، تجُبُّ ما قبلها، وتصلح ما بعدها.



التعليقات ( 0 )