• ×

د. أحمد القاضي

لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     حين يتابع المرء وقائع الأحداث في بلاد الشام، يكاد يفقد صوابه، أمام مشاهد البطش، والتنكيل، والقتل اليومي، الذي لا يكل، ولا يمل، بمسمعٍ، ومرأى، من العالم المتحضر، ودعاة حقوق الإنسان!

 

     لقد اجتمع في المشهد ، لأكثر من ستة أشهر، إرادتان متعارضتان:

     أولاهما: إرادة شعبية، سلمية، منزوعة السلاح، لا تملك إلا التجمع، والهتاف، قوامها المواطنون السنة، الذين لا ينتمون إلى حزب، أو فصيل، ومطالبهم اعتبارية، معاشية، تتمحور حول : الحرية، والعيش الكريم، ونبذ الفساد، والتسلط، والحزبية الطائفية.

     الثانية: إرادة حكومية، قمعية، تتدرع بأجهزة أمنية، واستخباراتية، باطنية، رافضية، ظلت تبنيه على مدى أربعة عقود، وجيش يخضع لقيادات من نفس الطائفة، تقبض قبضة حديدية على جميع أفراده، وتوجهه لقتل مواطنيه، وإلا كان مصيره القتل، والتنكيل. وقد بلغ الكفر ببعض مؤيديه أن قال : (الملائكة ممكن أن تنشق، والمؤسسة العسكرية لن تنشق) كبرت كلمةً تخرج من أفواههم، وسبحان الله، وحاشا ملائكته الكرام: (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)) [الأنبياء: 26-27] (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)) [التحريم : 6]

     ويقف الإنسان حائراً، مندهشاً أمام هاتين الإرادتين! كيف تمكن هذا الشعب، الأعزل، الودود بطبعه، اللطيف بتعامله، أن يصمد هذه المدة الطويلة، وآلة الفتك تنال رجاله، ونساءه، وأطفاله، وبيوته، ومساجده، بجميع أنواع الأسلحة، حتى المدافع الثقيلة، التي لم توجه منذ أكثر من أربعين عاماً لإسرائيل؟! فلا يجد تفسيراً لهذا الإصرار، إلا ما يتمتع به من عزاء الإيمان، وانتفاضة الكرامة التي أراد النظام سحقها بأنواع الامتهان.

     كما يقف الإنسان حائراً أمام هذا  الجلَد الفاجر، والصفاقة الغليظة، والفتك الذريع الذي يمارسه النظام، صباح، مساء، في المدن، والريف، في حق العلماء، والأدباء، والأطباء، وسائر طبقات الناس، في ترويع مستمر، وسفك للدماء، فلا يستحي، ولا يرعوي، وخزيه ينشر في كل وسيلة إعلامية ؛ من القنوات الفضائية، حتى أجهزة الوسائط الشخصية، مروراً بمواقع الانترنت، واليوتيوب، والفيس بوك، وغيرها! فلا يجد تفسيراً لهذا الإمعان، إلا بأن القضية باتت، في حقه، قضية حياة، أو موت، وجود، أوعدم، لنظام، طائفي، رافضي، أقلِّي، تدعمه إيران، ويتشبث به زعنفته في (حزب اللات).

     إنها الطبيعة الباطنية الحاقدة على أهل السنة، على مر الدهور، طبيعة تغذيها العقائد الفاسدة، والموروثات البائدة، فلا يرقبون في مؤمن إلاً، ولا ذمة. وربما ظن بعض الناس أن هذا مسلك سياسي جديد، أو تصرف شخصي أرعن. كلا إنه الحقد الدفين، الذي ينبعث عند أدنى بادرة تماسّ، ومواجهة حقيقية.

 

     وإليك أيها القارئ الكريم هذا المثال التاريخي، الذي دونه المقريزي، رحمه الله، في خططه، حاكياً تسلط حاكم من حكام الدولة العبيدية، الرافضية، الخبيثة، المتلقب بـ (الظاهر)! الذي حكم مصر في الفترة: (411-427) ، وقارن بين الليلة، والبارحة:   

 (وعزَّت الأقوات بمصر، وقلت البهائم كلها حتى بيع الرأس البقر بخمسين دينارًا، وكثر الخوف في ظواهر البلد، وكثر اضطراب الناس، وتحدّث زعماء الدولة بمصادرة التجار، فاختلف بعضهم على بعض، وكثر ضجيج طوائف العسكر من الفقر والحاجة، فلم يجابوا، وتحاسد زعماء الدولة، فقبض على العميد محسن، وضرب عنقه واشتدّ الغلاء، وفشت الأمراض، وكثر الموت في الناس، وفقد الحيوان، فلم يقدر على دجاجة، ولا فروج، وعز الماء، لقلة الظهر، فعمّ البلاء من كل جهة، وعرض الناس أمتعتهم للبيع، فلم يوجد من يشتريها، وخرج الحاج، فقطع عليهم الطريق، بعد رحيلهم من بركة الجب، وأخذت أموالهم، وقتل منهم كثير، وعاد من بقي، فلم يحج أحد من أهل مصر، وتفاقم الأمر، في شدّة الغلاء، فصاح الناس بالظاهر: الجوع، الجوع، يا أمير المؤمنين! لم يصنع بنا هذا أبوك، ولا جدّك، فالله، الله في أمرنا! وطرقت عساكر ابن جراح الفرما، ففرّ أهلها إلى القاهرة، وأصبح الناس بمصر على أقبح حال، من الأمراض، والموتَان، وشدّة الغلاء، وعدم الأقوات، وكثر الخوف من الذعار، التي تكبس حتى أنه لما عمل سماط عيد النحر، بالقصر، كبس العبيد على السماط، وهم يصيحون: الجوع، ونهبوا سائر ما كان عليه، ونهبت الأرياف وكثر طمع العبيد ونهبهم، وجرت أمور من العامّة قبيحة، واحتاج الظاهر إلى القرض، فحمل بعض أهل الدولة إليه مالا، وامتنع آخرون، واجتمع نحو الألف عبد لتنهب البلد من الجوع، فنودي بأن من تعرّض له أحد من العبيد، فليقتله وندب جماعة لحفظ البلد، واستعدّ الناس، فكانت نهبات بالساحل، ووقائع مع العبيد احتاج الناس فيها إلى أن خندقوا عليهم خنادق، وعملوا الدروب على الأزقّة والشوارع، وخرج معضاد في عسكر، فطردهم وقبض على جماعة منهم ضرب أعناقهم، وأخذ العبيد في طلب الحرحراي وغيره من وجوه الدولة، فحرسوا أنفسهم، وامتنعوا في دورهم وانقضت السنة، والناس في أنواع من البلاء.

وفي سنة ست عشرة أمر الظاهر، فأخرج من بمصر من الفقهاء المالكية وغيرهم، وأمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام، ومختصر الوزير، وجعل لمن حفظ ذلك مالا) [المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (2 / 192) ]

 

     هذا قليل من كثير من مخازي القوم. ولا يخفى على القارئ الفطن للنص السابق، التشابه في الأداء، والتطابق في السياسات، بين باطنية الأمس، وباطنية اليوم، في:

  1.   سياسة التجويع، والتعطيش، والغلاء، وإشغال الناس بلقمة العيش.
  1.    سياسة التخويف، والإرهاب، واختلال الأمن المجتمعي.
  1.   سياسة (فرِّق تسد).
  1.    سياسة الاستعانة بالعبيد، (المرتزقة) و (البلطجية) و (الشبيحة) لقتل الناس.
  1.   سياسة التجهيل، وعزل الناس عن علماء السنة، وفقهاء الملة، وإخضاعهم للآلة الإعلامية البدعية، وإغرائهم بها.

     ستظل هاتان الإرادتان تتغالبان، ولكن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ودولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.



التعليقات ( 0 )