• ×

د. أحمد القاضي

أحرار الشام وزهوق اللئام

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

       فلطالما تلفع الباطل بمرط من الزيف الرقيق، يعشى أبصار السذج، ويغشى بصائرهم. فما أن تسطع شمس الحق الأبلج، حتى تتمزق سجف الظلام اللجلج.

     عاشت بلاد الشام المباركة فصولاً من المناورات السياسية، والأحداث المأساوية، طوال قرن من الزمان؛ منذ تداعى (الأكلة) النهمون في (سايكس/ بيكو) لافتراس تركة الرجل المريض (الخلافة العثمانية)، عام 1916م، لتقع سوريا في الطبق الفرنسي!، وحتى سقوطها في براثن الحكم الباطني النصيري، منذ أكثر من أربعة عقود.

 

    تعاقب على حكم سوريا أصناف الحكام؛ من ملكيةٍ، وانتداب، وحكومات وطنية، حتى اختطفها القوميون، البعثيون عام 1963م. وكان هؤلاء يتسترون بالشعارات العروبية، ويضمرون التشيع الباطني المحض. وظل هؤلاء الزنادقة (النصيرية)،أوفياء لأسيادهم ( الفرنسيين النصارى)، كما كان أسلافهم ربيئةً، لـ(لفرنجة الصليبيين) يسلمونهم الثغور، ويدلونهم على عورات المسلمين.

 

     مارس النصيرية، من عائلة الوحش (الأسد) صنوف الإذلال، والتضييق، على شعب مسلم، عربي، أبي، مثقف، وألجئوا صفوة أبنائه إلى الهجرة، وأشغلوا البقية بطلب لقمة العيش، وأرعبوه بأجهزة الأمن، والجيش. ولم يكن أحدٌ يتصور أن ينتفض هذا الشعب المكبل، على جلاديه، سيما وقد أجهض محاولةً في مطلع الثمانينيات، بمنتهى العنف، والقسوة، ودكَّ أحياء، بكاملها، في مدينة (حماة) على رؤوس قاطنيها، بمسمع من العالم، ومرأى، دون أن يُدان، أو تمتد إليه يدان. وظل مغفوراً له من الغرب، والشرق، لأدبه الجم، تجاه إسرائيل، التي لم يقض مضجعها بطلقة واحدة، رغم هزيمته النكراء، وإن شئت فقل خيانته الكبرى عام 1967م، وتسليمه الجولان، والقنيطرة، على طبق من فضة، ليهود!

 

     وهاهو النظام البعثي، الأسدي، يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويفحص بيديه، ورجليه، كما تفحص الذبيحة، ليصيب في تشحطه بدمائه، بعض المنقضين عليه من الشرفاء، فيسقط جرحى، وشهداء، في ملحمة بطولية، وشجاعة منقطعة النظير، لشعب حليم، صبور. وعمَّا قريب يتم الله نعمته، ويفرح المؤمنون بنصر الله.

 

    لقد كشفت أحداث سوريا الراهنة، عن جملة من الحقائق:

    أولاً: أن هذه الأمة تغفو، ولا تنام، تمرض، ولا تموت. فمن أساء الظن بأهل الشام، إبان حكم اللئام، أدرك اليوم طبيعة الكرام. وقد قيل: (اتق غضبة الحليم).

 

   ثانياً: أن بيت العنكبوت الرافضي، يتمزق، وأن لصوص المجوس، وسدنة حزب اللات، في العراء ضاحون، قد سقطت أقنعتهم، وانكشفت سوءاتهم، وتهافتت مقالاتهم. وهاهم مرتزقة إيران، في لبنان، يلوكون ألسنتهم على شاشات الفضائيات، في محاولة يائسة، مستميتة، للدفاع عن أسيادهم، وتبرير جرائمهم، فلا يزيدهم ذلك إلا سقوطاً، وتعرياً، فتنصب عليهم اللعنات، وعمَّا قليل تحل بهم المثلات.

 

   ثالثاً: الحقد الدفين، الذي يكنُّه الروافض الباطنية، على اختلاف مشاربهم، تجاه أهل السنة؛ سواءٌ كانوا من (شبِّيحة) النصيرية السورية، أو (باستيج) الاثني عشرية الإيرانية، أو (عناصر) حزب اللات اللبناني، أو (جيش المهدي) العراقي، الذي عبر الحدود أمس القريب، لنصرة النظام المتهاوي. لقد أبدى هؤلاء جميعاً من صنوف القسوة، وساموا أبناء الشام سوء العذاب، دون رحمة، أو إنسانية، في مشاهد بشعة، اقشعرت لها جلود الأسوياء، واستدرت عيون الآدميين على اختلاف أعراقهم. لقد رُبِّيت هذه الكوادر الإجرامية على الكره الشديد، والمقت البغيض لأهل السنة، في الحسينيات المظلمة، ومعسكرات التدريب المؤدلجة، حتى باتوا يرون قتلهم قربة، ودمهم لا يساوي دم بعوضة. وهي قصة تتكرر في كل موضع يقع فيه تمكن، وسلطان، لهم على أهل السنة، كما جرى، ويجري في العراق السليب.

 

    رابعاً: تلاعب أمم الكفر بمصائر الشعوب، وفق ما تقتضيه مصالحها الاستراتيجية، والاقتصادية، وفوق ذلك ما يخضد شوكة الإسلام المنبعث في شباب الأمة. فهاهي (روسيا) و(الصين) تقفان بصفاقة، للدفاع عن النظام الظالم في مجلس الأمن، وتحولان دون إدانته بقرار أممي، رغم أن رائحة الدماء، والأشلاء قد زكمت الأنوف، ومشاهد الفتك أقذت العيون، وصراخ الأطفال والنساء والشيوخ أسكَّ المسامع! وليس الآخرون، في المعسكر الغربي، ببعيد، فهم وإن أظهروا إدانةً، وتجريماً، إلا إن تعاطيهم مع الموقف يختلف مع الحالة الليبية، مع أن حاجة الثورة السلمية في سوريا، أولى بالدعم من ثورة الرجال الأشداء، المسلحين، في ليبيا! وفتش عن السبب تحت قبعة أحفاد تشرشل، وديجول، وآيزنهاور.

 

    خامسًا: افتضح أصحاب التكايا، والزوايا، وأحبار سوء، ورهبانها، ممن كان يتكئ عليهم النظام البعثي، النصيري، فتحالفوا مع رب نعمتهم، ضد مواطنيهم، وتبين الصبح لذي عينين، وأدرك العامة، أن هؤلاء المعممين، المجلببين، الذين يقيمون الحضرات، ويتمايلون في الموالد، والمناسبات، أو يتفنون في الهجوم على السلفية، ودعاتها، ليسوا سوى أعداء للدين، والسنة، والأمة.

 

   سادسًا: استيقظ العملاق التركي، في صورة (طيب رجب أردوغان)، ليصيح بصوت فصيح في جنبات العالم، بحقيقة ما يجري دون مواربة! في حين صمت معظم الشهود، وحمحموا، وغمغموا! ولو لم يكن إلا أن لوّح لإيران الصفوية، براية الدولة العثمانية، لكفى، لتعيد حساباتها، في اتخاذ أي خطة حمقى. كما أن ذلك يؤسس لتوجه جديد، لتعاون استراتيجي بين الدول الإسلامية السنية، لمواجهة المد الرافضي، الآخذ بالانحسار، بإذن الله.

 

     صبراً آل الشام، فإن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، ولن يغلب عسر يسرين. واشتدي أزمة تنفرجي، قد آذن ليلك بالبلج.

 

اللهم اشف صدور قوم مؤمنين، وأزهق الكفرة والمنافقين، واجعل الدائرة للمظلومين، والعاقبة للمتقين.



التعليقات ( 0 )