• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والوفاة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

 

     فطالما جرى الحديث عن (العقيدة والحياة)، للكشف عن صبغة الله في مختلف جوانب النشاط البشري. وقد أثار انتقال والدي الكريم الشيخ عبد الرحمن بن عثمان القاضي، إلى رحمة الله، كوامن النفس للحديث عن (العقيدة والوفاة).

 

     وأول ما يلفت النظر في هذا المقام أن (الموت) الذي يفضي إلى الوفاة، أمر وجودي، لا عدمي! قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك : 2]. فالموت مخلوق، كما الحياة مخلوقة. وهذا يعطي بعداً مختلفاً عما يقع في نفوس الملاحدة، والغافلين. الموت معبر حسي وجودي لحياة من نوع آخر. قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزمر : 42].

 

     وحين يتوفى الله الأنفس، ويشاء إمساكها، ينقلها إلى حياة من نوع خاص؛ هي (الحياة البرزخية) التي يثبتها المؤمنون بالغيب، بين الحياة الدنيا، والحياة الآخرة. فأما المؤمن فيتنعم، وأما الكافر فيتألم. وحينئذٍ يتوجه المؤمن إلى ربه، حين يسلم له روحه، قبل أن يدخل في سباته اليومي، بالدعاء: (بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا، بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ) متفق عليه. وهكذا يقع في حس المؤمن أنه في حياة متصلة، وإن تنوعت أحكامها.

 

     وهذا الشعور باتصال (الحياة)، بل الترقي فيها حتى تصبح هي (الحيوان)، كما قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت : 64]، يُذهب الشعور بالرُّهاب من الموت، وربما أحاله لدى الخلَّص من المؤمنين إلى مناسبة سعيدة، وخياراً مقدماً.

      عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، وَهْوَ صَحِيحٌ: (إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ، حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرَ). فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ، ثمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى). فَقُلْتُ: إِذًا لاَ يَخْتَارُنَا. وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ. قَالَتْ: فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى). رواه البخاري.
     وعَنْ أَنَسٍ، رضي الله عنه، قَالَ : (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، رضي الله عنها: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: (لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ) رواه البخاري. وهكذا نظر أصحابه، رضوان الله عليهم، إلى الموت، نظرةً متفائلة، فقد رُوي عن بلال، وعمار، قبل أن يقتل، قولهما: (واطرباه! غداً نلتقي الأحبة، محمداً وصحبه)!
 

     ويتجلى فضل الإيمان باليوم الآخر، وعظيم أثره، على ذوي المتوفى، حين يشعرون أن هذا الحدث الكبير (الوفاة)، ليس فراقاً أبدياً، ينتزع حبيبهم، ويغيبه في الثرى، ليعود كرةً أخرى، ويختطف حبيباً آخر، فيتفرق الجمع السعيد أيدي سبأ! كلا! إن أهل الإيمان يُضمدون جراحهم بمرهم الرجاء، وينعشون أرواحهم بنسيم الأمل، أن  يجمعهم الله مع أحبتهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

     ويظهر أثر الاعتقاد، في الفرق بين أولياء الرحمن، المؤمنين بالبعث، وأولياء الشيطان، المنكرين له، في مراسم الوفاة؛ فالكافرون، في أحسن الأحوال، يؤبِّنون موتاهم بعبارات ختامية يائسة، قبل نقلهم إلى (مثواهم الأخير)، كما يقولون! وربما أحرقوا جثثهم، ليأسهم من أصحاب القبور! وأما أهل الإيمان، فيزُفُّون فقيدهم مطهراً، مطيباً، في جنازة مهيبة، يقدمونها بين أيديهم في الصلاة، شافعين لها عند الله بخالص الدعاء، ثم يوارونه الثرى، ثم لا يدعونه حتى يسألوا الله له التثبيت، ثم لا يزالون يدعون له في كل مناسبة، وحين، وينتابون قبره بالزيارة والدعاء. فما أعظم الفرق!

 

     كما أن مفهوم (الوفاة) في حس المؤمن، ينشئ ورعاً صادقاً، وحرجاً إيجابياً، يحمل المؤمن على التقوى، ورعاية الحرمات، وأداء الواجبات، واجتناب المنهيات، قبل ان تحين تلك اللحظة التي لا يتمكن فيها من استدراك ما فات.

 

     اللهم اغفر لأبي، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره، ونور له فيه. اللهم بارك لنا في حياتنا، وأحسن موافاتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.



التعليقات ( 0 )