• ×

د. أحمد القاضي

أحداث البحرين وسقوط الأقنعة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام، على من لا نبي بعده. أما بعد:

     فقد تنبه كثير من المراقبين إلى محاولة استغلال الأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران، موجة الاحتجاجات التي تعصف بالعالم العربي، لتوظيفها في خدمة أهداف طائفية، وسياسية مبيَّتة. وظهر ذلك جلياً في أحداث (مملكة البحرين)، حيث يسجل الشيعة زيادة نسبية في عدد السكان، نسجت لديهم أحلاماً بعيدة المنال في الاستيلاء على السلطة، وتقويض حكم الأسرة السنية، الحاكمة منذ عقود طويلة.

     وبدا لهم في خضم الأحداث الجارية، وتنامي النفوذ الإيراني، وضبابية مواقف الحكومات السنية في المنطقة، وتخوفها من تفاقم حالة الاحتقان الشعبي، أن قد آن الأوان لتحقيق الحلم الفارسي الصفوي. فطفق أصحاب العمائم، ووكلاء قم، في تهييج الدهماء، وتفعيل سياسة القطيع. إلا إن القوم لم يتمكنوا، رغم حذلقتهم، وأكاذيبهم، من إخفاء الغيظ الطائفي، والبعد الرافضي، لتحركاتهم، فقد فضحتهم شعاراتهم، وخطبهم الرعناء، واستقواؤهم بدولة إيران. ومن عجبٍ أن الحكومة التي يستظلون بظلها، من ألين الحكومات عريكة، وأكثرها قابلية للمفاوضات، والتنازلات، لو كانوا يفقهون. فقد بلغ الحال بحكومة البحرين، أن تفرج عن فئة أرادت (قلب نظام الحكم)، في سابقة غير معهودة، في أعراف الحكومات! لكن الصلف، والغرور، حمل الحمقى على الاستكبار، ورفع سقف المطالب، لدرجة لا تتيح للطرف الآخر مجالاً، ولا تحفظ له ماء وجه. وكان لا بد من خطوة حاسمة، تعيد المياه إلى مجاريها، وتقطع الطريق على المتربصين من وراء البحار، والخلجان. اتخذ زعماء مجلس التعاون لدول الخليج قراراً شجاعاً، موفقاً، بإرسال قوات (درع الجزيرة) لضبط الأمن في جزيرة البحرين، قبل أن يلتهمها الأخطبوط الرافضي، الفارسي، وقبل أن تقع المجزرة المروعة بأهل السنة العزَّل، كما فعل إخوانهم بأهل السنة في العراق.

 

     وقد كشفت الأحداث الأخيرة في البحرين، عن سقوط عدد من الأقنعة التنكرية :

أولاً: سقوط (قناع الوطنية)، والإسفار عن الوجه الكالح للولاء المطلق الذي يمنحه كل رافضي على وجه الأرض لدولة إيران، وحاخامات (قم). فلا (قومية) ولا (عروبة) ولا (وطنية) بل ولا (إسلام)! فقبلتهم (قم) لا (مكة). وبيعتهم للملالي، لا لـ(الخليفة). استمات متحدثوهم بالتأكيد على الطبيعة (المدنية)، و(السلمية) لتظاهراتهم، فأبت جموعهم إلا أن ترفع صور (الخميني) و (خامنئي) و(نجاد)، وأن تهتف بدعاء غير الله: يا علي! يا حسين!. وأبت طبيعتهم، وثقافتهم التاريخية الدموية، إلا أن تحمل المدى، والسكاكين، والسيوف الغادرة، لتضرب من تراهم (نواصب) في تظاهرة (سلمية) زعموا!. وقدم بعض شياطين الرفض، الذين شملهم العفو، استجابةً لضغوط المتظاهرين، من بلاد الغرب، فمرَّ على (حزب الشيطان) في لبنان، وحمل معه مخططات لقلب نظام الحكم في البحرين، تم العثور عليها على (شماعته)!

 

     عجبت لأحد فضائييهم، في قناة (بي بي سي) يتحدث عن الروابط التاريخية العريقة بين الشعب البحريني، والشعب الإيراني، فلا يملك مذيع الحلقة نفسه، من العجب، فيسائله: وماذا عن العلاقة بين الشعب البحريني، والشعوب الخليجية العربية؟! ولا عجب، فواضح من اسم المحاور، وسحنته، أصوله الأعجمية. وحين طفق في صب شتائمه على (التدخل السعودي الوهابي) في دولة البحرين، ذكَّره المذيع بتهديدات معمميهم في طلب النجدة من الحكومة الإسلامية الإيرانية، قبل هذا التدخل، فما الذي يبيح لكم ذلك، ويحرمه على غيركم ؟! فلم تسعفه عبارة.

 

     لقد سقطت أقنعة كثير من المنافقين الأدعياء، الذين كانوا يتزلفون لدى الأسرة الحاكمة، من وزراء، ووجهاء، وتجار، بل وشعراء بلاط، فتنكروا في وقت الضيق، وضربوا عرض الحائط، بجميع الاعتبارات الأخرى، سوى الطائفية. وهذه صفة راسخة لدى جميعهم، في كل مكان على وجه الأرض.

 

ثانياً: سقوط (قناع الحماية الأمريكية) المزعومة. فأمريكا، والغرب، عموماً، لا يعرف سوى مصالحه، ويميل حيث مالت الريح، ويضحي بجميع أصدقاء الأمس إذا انتهت صلاحيتهم اليوم، أو بدا له ذلك، ويحاول أن يتخذ يداً عند جميع الأطراف، ليتذرع بها مستقبلاً للجهة المتغلبة. وقد حاولت أمريكا، ثني الدول الخليجية عن التدخل، لتبدو في ثوب الديموقراطية، لكن الله ألهم القادة ألاَّ يصغوا لها. وأحسنوا صنعاً.

 

ثالثاً: سقوط أقنعة بعض الإسلاميين، الذين لا يقيمون للبعد العقدي وزناً، ويهوِّنون، بغباء مخجل، آثاره، وكأنهم لا يقرؤون التاريخ، ولا الواقع، في حين يدَّعون الوعي بالواقع، والتفوق في التحليل السياسي، وأحدهم (أضل من حمار أهله). إنه لمن دواعي الأسف أن نجد بعض هؤلاء (يبتلع الطعم) ، وينادي ببلاهة بتمكين هؤلاء الخارجين، المؤدلجين، من التعبير عن مطالبه، والانقضاض على كيان يوصف بأنه حيادي، ولا يرى فارقاً بين ما جرى في مصر، وتونس، وما يجري في البحرين.

 

     إن هذه التجربة الراهنة، لتفرض جملةً من الحقائق، والدروس:

أولاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران/118]: يجب على الساسة أن يعوا وصايا الكتاب، والسنة، ويستحضروا شواهد التاريخ، ودلائل الواقع، فلا يقرِّبوا من حقه الإبعاد، ولا يبعدوا من حقه التقريب. لم تزل البطانة الخائنة معول هدم في الدول، تتمسكن، لتتمكن، فإذا تمكنت، فلا تسل عن حجم الغدر، والانتقام. وما أمر (ابن العلقمي الرافضي) بسر.

 

     إن على أنظمة دول الخليج أن تعيد النظر في هؤلاء العملاء الخونة، ولا تغتر بمعسول القول، وبهرج العمل. عليها أن تقوم بالعدل، والحق، الذي قامت به السماوات والأرض، ولا تبخس الناس أشياءهم، دون أن تفسح المجال للمغرضين، وأصحاب المشاريع المريبة.

 

ثانياً: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء/16] : إنها السنن! من أمانة القول، أن نكون صرحاء؛ لقد صُمِّمِت هذه الجزيرة الوادعة، لتكون فنادقها، دار دعارة، ومراقص، وبارات، لفساق الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً، وملهى لسياح الغرب، وموظفيهم في المنطقة، ومأوى لعاهرات روسيا، وآسيا، وساقطات العرب. كم رأينا، بمرارة، جسر البحرين، يكتظ بالسيارات نهاية الأسبوع، محملاً بشباب في عمر الزهور، ورجال هجروا زوجاتهم الطاهرات العفيفات، ليرتموا في أحضان العاهرات، ويعاقروا الخمور. هل كان يخطر بالبال، أو يجري في الخيال، أن يأتي يوم يكتظ فيه بناقلات الجنود، والدبابات؟

 

     إن على حكام المنطقة، أن يتقوا الله تعالى فيمن استرعاهم الله عليه من رعية، وألا يمكِّنوا للمترفين أن يفسقوا فيها، فيحل بهم الدمار، كما توعد الله تعالى. وأرجو أن يكون حظ (البحرين) من هذه التجربة، حظ قرية (نينوى) التي قال الله فيها: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس/98] . والسعيد من اتعظ بغيره.

 

ثالثاً: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[المائدة/55، 56] لقد آن لنا، معشر أهل السنة، حكاماً، وحكومين، أن نتكلم بلسان مبين، ونعرب عن صفتنا السنية، السلفية، دون مواربة، ولا تلجلج. إن القوم لا يستحون من التظاهر بمخازيهم، ولا يتورعون من الطعن في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمهات المؤمنين. وقد ملئوا الأجواء بفضائياتهم، وغثائياتهم المسفة، فحتى متى يستمر هذا الفصام، بين ضمير الشعوب، ولغة الأنظمة والحكام، ووسائل الإعلام؟! أمن أجل إرضاء الغرب الذي لا عهد له ولا ذمة، أم مراعاة لأقليات لا ترعوي أن تنتهز الفرصة للانقضاض على الأمة؟

 

     ها قد رأى ولاة الأمر، وفقهم الله، في هذه البلاد، أن أهل العلم، والدين، هم عيبة النصح، وأهل الصدق، الحافظون للعهود، الموفون بالعقود.

فالحذار! الحذار! من أصحاب الولاءات المشبوهة، وزوار السفارات.



التعليقات ( 0 )