• ×

أ.د. أحمد القاضي

القذافي (الأرزة الصماء)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     روى الإمام البخاري  - رحمه الله - من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ، يَفِىءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا،فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلاَءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ؛ صَمَّاءَ، مُعْتَدِلَةً، حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ».

     وفي المتفق عليه، واللفظ لمسلم، من حديث كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفِيئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا، حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ، مَثَلُ الأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ، الَّتِى لاَ يُصِيبُهَا شَىْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً » المجذية: الثابتة، المنتصبة.

     وفي رواية عند أحمد، على شرط الشيخين: (ومثل المنافق، كشجرة الأرزة، لا تهتز حتى تستحصد).

 

     ذكرت هذا المعنى العجيب، في الحديث، وأنا استمع إلى (القذافي)، وهو يقذف بحممه الهادرة، ويتميز غيظاً على مواطنيه المحتجين عليه، ويقول: أنا صخرة صماء! فقلت في نفسي: بل أنت أرزةٌ صماء، يوشك أن تهوي، وتنجعف مرةً واحدة، بأيدٍ من الحق حاصدة.

 

     لطالما تساءلت! كيف يطيق الشعب الليبي، الأبيُّ، هذا المتجبر، المعتوه، وكيف يصبر على صفاقته، وهذيانه ؟! وأين أحفاد (عمر المختار) - رحمه الله - وأبناء القبائل العربية الأصيلة، الذين يمثلون السواد الأعظم من الشعب الليبي ؟! ثم أتيح لي أن أبصر النخب المميزة، منهم؛ علماء، وأطباء، ومهندسين، منثورين في عواصم أوربا، وحواضر أمريكا، لا يستطيعون الخلوص إلى بلادهم، التي يجثم عليها هذا الكابوس الثقيل، ويسوم أهلها سوء العذاب.

    ثم تكشَّف في معمعة الأحداث الأخيرة ألوان من البطش الفظيع، أدهش العدو قبل الصديق، وقدم العذر البليغ لهذا الشعب الصبور، المبتلى.

 

     لقد أظهرت المتابعات اليومية، للأحداث الليبية، عدة صور، جديرة بالتسجيل:

   أحدها: صورة الطاغية المفتون، الذي يرعد، ويبرق، ويزمجر بعصبية، ونزق، مهدداً، متوعداً، والأرض تتزلزل من تحت قدميه، وأنصاره، ومعاونوه، ينفضُّون من بين يديه، وهو يقول، كما قال سلفه في الطغيان: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى)[طه :71]. إنها عقلية الطاغية في كل جيل، وقبيل، إذا أزفت ساعته، ازداد صراخه، واضطربت حركاته، ومشى حثيثاً نحو منيته.

 

    الثاني: صورة الشعب الليبي المؤمن؛ رجالاً، ونساءً، شيباً، وشباناً، الذي ما فتئ يعرب عن مشاعره بعبارات دينية، ومشاعر إيمانية، مضمَّخة بالتوكل على الله، ورجائه، تنقلها وسائل الإعلام المختلفة؛ لمثقفين، وسياسيين، وعسكريين، ومواطنين عاديين، بصورة ملفتة، مقارنةً بأحداث تونس، ومصر، واليمن، التي ساد معظمها الخطاب السياسي.

 

    الثالث: صورة (سيف الإسلام) الذي انكشف عنه القناع، ليظهر على حقيقته؛ سيفاً على الإسلام! وفي ذلك درس، وعبرة، للإسلاميين، فلا يغتروا بمعسول الكلام، ولذيذ الأوهام، وينساقوا خلف كل منافق ذرب اللسان.

 

     رابعاً: صورة (الغرب) المتربص، الذي ظل عقوداً يغض الطرف عن المجرم اللئيم، وهو يعلم جرائمه، وانتهاكاته لحقوق الإنسان، في سجن (أبو سليم)، بل وفي سجن ليبيا الكبير، ما دام يجثم فوق صدر شعب مسلم، وما دام يخضع لطلباته، ويقدم له ترسانته النووية، محملة فوق سفنٍ ليبية، هديةً إلى الإدارة الأمريكية، وما دام ينثر أمواله للشركات الإيطالية، ويعربد أبناء القذافي في حانات ميلانو، ومراقصها. وفجأة يذرف الدموع الكاذبة، على حقوق الإنسان الليبي، ويعقد الاجتماعات الأممية، والأطلسية، للتباحث في تدخل عسكري لحماية المواطنين، الذين لم يطلبوا نجدتهم، ولا استعانوا بغير خالقهم. وحقيقة بواعثهم قلق عميق، من ظهور جيل متدين، ينتمي إلى (عمر المختار)، لا إلى (معمر الاضطرار).

 

     اللهم انصر إخواننا في ليبيا، واحقن دماءهم، واكبت عدوهم، وعجِّل بهلاك الطاغية، وزبانيته، واقصمه كما تقصم الأرزة الصماء، إنك سميع قريب، مجيب الدعاء



التعليقات ( 0 )