• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والتغيير

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     تجتاح العالم العربي، هذه الأيام، موجة عارمة من التغيرات المتلاحقة، بعضها قد تجلت صورته؛ كما في تونس، ومصر، وبعضها في مرحلة المخاض؛ كما في اليمن، وليبيا، والبحرين، والجزائر، والعراق، وبعض ثالث تلوح نذره في الأفق. وقى الله المسلمين الفتن، وجعل عاقبة أمرهم إلى خير.

     و(التغيير) سنة كونية، وقدر رباني، فدوام الحال من المحال. ومشيئته سبحانه في خلقه، مقترنة بحكمته، فليس ثَمَّ (خبط عشواء)، ولا (ضربة لازب)، بل سنن مطردة، منضبطة بنواميس إلهية.

 

      قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد : 11].

      قال السعدي، - رحمه الله -: (بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله، إلى البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها. وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غيَّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء، إلى الخير، والسرور، والغبطة، والرحمة) [التفسير].

 

     وقال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 53].

     قال ابن كثير، - رحمه الله -: (يخبر تعالى عن تمام عدله، وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغيَّر نعمة أنعمها على أحد، إلا بسبب ذنب ارتكبه) التفسير. فالآية الأولى تشمل التغيير من الخير إلى الشر، ومن الشر إلى الخير، والثانية، تختص بالتغيير إلى الشر، لكثرة وقوعه.

 

     غير أن الرغبة في التغيير (change) باتت شعاراً دولياً، ولافتةً انتخابية، صاحبت حملة (باراك أوباما)، للوصول إلى سدة الرئاسة الأمريكية، بدوافع الرفاهية، وتحسين الأوضاع، لكنها أيقظت لدى الشعوب المستضعفة، المسلوبة، الرغبة بالتغيير، للوصول إلى الحد الأدنى، على الأقل، من حقوقها، وكرامتها الإنسانية.

     ولابد لنا، معشر المسلمين، أن ننظر إلى أفق التغيير، من منظور عقدي واسع، وليس من منظور معيشي ضيق، وإلا لم يعد بين (خير أمة) وبين (الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) فرق! ولا بد أن نعتقد أن التغيير المنشود، مشروع جماعي، لا تلقى اللائمة فيه على الحكام، والأنظمة، وحدهم، وإنما هو حصيلة تغير جماعي، يشمل الأفراد، والمؤسسات، والحكومات.

 

     قال ابن القيم - رحمه الله -: (وتأمل حكمته تعالى، في أن جعل ملوك العباد، وأمراءهم، وولاتهم، من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم، وملوكهم؛ فإن استقاموا، استقامت ملوكهم، وإن عدلوا، عدلت عليهم، وإن جاروا، جارت ملوكهم، وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر، والخديعة، فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم، وبخلوا بها، منعت ملوكهم، وولاتهم، ما لهم عندهم من الحق، وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه، مالا يستحقونه، في معاملتهم، أخذت منهم الملوك مالا يستحقونه، وضربت عليهم المكوس، والوظائف، وكل ما يستخرجونه من الضعيف، يستخرجه الملوك منهم بالقوة. فعمالهم ظهرت في صور أعمالهم. وليس في الحكمة الإلهية، أن يولي على الأشرار، الفجار، إلا من يكون من جنسهم. ولما كان الصدر الأول خيار القرون، وأبرها، كانت ولاتهم كذلك. فلما شابوا، شابت لهم الولاة. فحكمة الله تأبى أن يولي علينا، في مثل هذه الأزمان، مثل معاوية، وعمر بن عبد العزيز، فضلا عن مثل أبي بكر، وعمر. بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم. وكل من الأمرين موجب الحكمة، ومقتضاها. ومن له فطنه، إذا سافر بفكره، في هذا الباب، رأى الحكمة الإلهية، سائرة في القضاء والقدر، ظاهرة، وباطنة فيه، كما في الخلق والأمر) [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة - (1 /253-254)]

 

     وليس المقصود من إيراد هذا النص، تسويغ ظلم الظالمين، وتبكيت المستضعفين، حاشا، وكلا! وإنما الجانب الآخر؛ وهو إصلاح الأنفس، والأحوال، والقيام بالحقوق المتعينة، ورد المظالم الخاصة. وأعظم ذلك حق الله تعالى بعبادته، وحقوق العباد؛ باستعمال العدل، والنصح، والوفاء لهم.

 

     إنه لمن دواعي الأسف، ألا نسمع في حركات التغيير، التي تجتاح بعض البلدان الإسلامية، ما يشير إلى المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ونشر الفضيلة، ومقاومة الرذيلة، والتغريب، والعلمنة! بل تقتصر على المطالبة بالحقوق المعيشية، وتوفير الفرص الوظيفية، ورفع الظلم، والتزوير، ووقف الاستيلاء على الممتلكات العامة. وكل ذلك حق مشروع، ومطالب إسلامية معتبرة، لكنها بمعزل عن الإصلاح الحقيقي، الذي لن يتحقق إلا بمراجعة الأمة دين ربها، وهدي نبيها - صلى الله عليه وسلم -.

     ويشتد الأسف حين يستعمل الإسلاميون ذات اللغة الفضفاضة، المشتركة، التي يتحدث بها الثوريون في كل مكان، كما لو كانوا من نيكارغوا، أو التاميل، أو منظمة مجاهدي خلق، دون أن يضمنوها مطالبهم الشرعية، الجلية، التي يمليها عليهم واجبهم الإيماني، بدعوى الخوف من تهمة الإرهاب، والطالبانية، والسلفية الرجعية.

     بل بلغ الأمر بشيخ الأزهر، أن يدلي على رؤوس الأشهاد بياناً، تضمن هذه الجملة: ( الحكم الذي يرضى عنه الشرع، هو الحكم الذى يرضى عنه الناس؛ بالإجماع أو بالأغلبية) سبحان الله! أرأيت لو ارتضى الشعب دستوراً لا يعتمد الشريعة الإسلامية مصدراً وحيداً للحكم، أيقال عنه: هذا الحكم الذي يرضى عنه الشرع ؟! فإلى الله المشتكى.

 

     إن (التغيير) الذي لا يوافق مراد الله، لا يمكن أن يُسلم إلى صلاح الأحوال، بل هو انتقال من زاوية من زوايا الشقاء، إلى زاوية أخرى. وأما (التغيير) الصحيح الذي يرد الأمة إلى الجادة، ويسمو بها إلى الأفق الرفيع، فهو الذي يضمن لها السعادة، والأمن، والتمكين. قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور : 55]



التعليقات ( 0 )