• ×

د. أحمد القاضي

مخاض الأمة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

      فلا تزال الأمة العربية تعيش حالة مخاض. ولا يزال الاضطراب يسود عدداً من بلدانها. ولا تزال قلوب المؤمنين تقبل، وتدبر، وتسر، وتحزن، حيال هذه التقلبات، التي لم ترسُ سفينتها بعد، على بر الأمان.

      ففي مصر، وتونس، اللتين تمخضتا عن مولود خداج، خرج من (عنق الرحم)، ويحتاج إلى (عناية مركزة)، نجد الشك، والقلق، يساور نفوس المحتجين، فيشعرون أن مؤامرةً ما تحاك لسرقة مكتسباتهم.

      وفي (ليبيا)، و(اليمن) و(الأردن) تدور رحى معارك طاحنة، تتفاوت شدتها بتفاوت الأنظمة التي تحكمها، وتراق دماء عزيزة، غزيرة، لم يسفكها عدو خارجي، بل فتن داخلية، لا يعلم إلا الله، عما ستسفر.

      وفي (البحرين)، و(لبنان)، و(سوريا) صراع من لون آخر، يتخذ بعداً طائفياً، ويتستر بمطالب شعبية، مدنية، وربما اشترك الأمران.  وربما تعاكس طرفا الصراع، كما في حالة (البحرين) و(سوريا)، أو تراوحا، كما في حالة (لبنان).

      وثمَّ بلدان لم تنقه بعد من علل مزمنة، مثل: (فلسطين)، (العراق)، و(السودان)، و (الجزائر)، و(المغرب)، و(موريتانيا)، و(الصومال)، أتت عليها حمى الاضطرابات، وهي لا تزال محمومة، وإن بدرجات متفاوتة.

      وسلمت أقطار أخرى، كالمملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج، بفضل الله، أولاً، ثم بأثر التوجيه الشرعي، الذي لقي قبولاً حسناً من القادة، والشعوب، فأصغى الجميع لصوت العقل، والحكمة، وتبادلوا حسن الظن، ورجوا مزيداً من الإصلاح، والتلاحم.

 

      ولا تزال الليالي حبلى بالأحداث، يلدن كل جديد. وفي وقفة تأمل وادِّكار، نذكر بالحقائق التالية:

      أولاً : (وكل شيء عنده بمقدار) : لا يجوز أن يعزب عن بال المؤمن أن هذه الأحداث الجارية، تقع وفق قدر سابق، وحكمة بالغة. ففي صحيح مسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رضي الله عنهما، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ ( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - قَالَ - وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ).

      وثمرة ذلك: ألا تذهب نفس المؤمن حسرات، على ما يفوت من خير يرجوه، ولا يستخفه أشرٌ، وبطرٌ، لأمر حصل. قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد : 22 ، 23]

      كما ينبغي أن يلتمس المؤمن الحكمة فيما يجريه الله في هذا الكون من أحوال، ويستنبط ما تتضمنه الأحداث، والمداولات بين الناس، من سنن كونية، ولا يكتفي بالصورة السطحية، والإخباريات، والماجريات اليومية.

 

      ثانياً: (خذوا حذركم): لابد من الوعي التام، واليقظة الحذرة من مخططات الأعداء، والتخلي عن سياسة التعامي، والتغابي، حيال الخصوم. لقد تكشفت الأحداث عن حلفٍ وثيق، وتنسيق دقيق، بين قوى (الرفض)، وأقلياتهم المندسة في الشعوب الإسلامية، ذات الكثافة السنية. على الحكومات، والشعوب السنية التعاطي مع هذه الحقائق التي أبصرها كل ذي عينين، بواقعية، وجدية، وعدم استسلام لمخدرات (الوطنية)، ومزاعم (القومية)، وقد كشر القوم عن أنيابهم، وأسفروا عن وجوههم الكالحة، وأبدوا مشاعرهم الحانقة.

 

      كما أن على الحكومات والشعوب، أيضاً، أن تعي، وأن تحذر، من مطامع الغرب المتربص، وحساباته الخاصة، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. ها قد رأينا كيف تعامل الغرب مع الثورة الليبية، واستعمل أسلوب المطل، والتغرير، وملأ الجو صراخاً، وعويلاً، على القذافي، وأغرى الثوار بالتقدم تحت غطاء جوي، عما قليل يرفعه! لتكرَّ عليهم كتائب القذافي، فتقتلهم. ثم يعقد دهاة الغرب المؤتمرات ويمنحون الوعود، ويغرون الثوار بالتقدم، ويبتزُّونهم في ساعات الحرج! وكأنِّي بقادة حلف الناتو، يقولون في جلساتهم السرية: دعوهم يفني بعضهم بعضاً، ويكسر بعضهم شوكة بعض، لنرث آبار النفط على حطام ثوارٍ ذوي صبغة إسلامية، وأشلاء نظام مستبد!

 

      ثالثاً: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) : يجب على أهل الإسلام، ودعاته، أن يكفُّوا عن الشجار، والتلاوم، والتخطئة، والظفر بالزلات. لقد دار، ولا يزال، سجال كبير بين مختلف الأطياف الإسلامية، والسلفية، تجاه هذه الأحداث، وصار كل فريق يقتنص الشواهد على صواب ما ذهب إليه، ويشهره في وجه مخالفه. وربما عدَّ بعض البلايا والرزايا التي تمخضت عنها الثورات نوعاً من (الظفر)!

 

      ولا يليق بمؤمن، ولا عاقل، أن يحيل قضية الأمة، إلى حظوظ نفس، وانتصار للذات. يجب على كل عاقل، مهما كانت وجهة نظره، أن يفرِّق بين الأمر قبل وقوعه، وبعد وقوعه. فربما كان له اجتهاد معين لتفادي أمر مخوف، ثم سبقه القدر، ووقع أمر الله، فمقتضى النصح للأمة أن يسعى جاهداً في تخفيف المصاب، وبلسمة الجراح، وليس من الدين، ولا العقل، ولا المروءة، أن ينكأ الجراح، ويشمت بإخوانه قائلاً: ألم أقل لكم! كما لا يليق لمن وقع له بعض ما يحب أن يرجع باللائمة على مجتهد رام الذب عن الأمة. بل يجب التعاذر، والتغافر، والتعاون.

 

      إن قضية الإسلام، والمسلمين، يجب أن تسمو على كل الحسابات، وإن التعاون بين العلماء، والدعاة، والولاة، يجب أن يكون صفةً راسخة، تتلاشى أمامها جميع الانتماءات، ليحصل النصر الموعود. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)  [الأنفال: 45-46]

      اللهم أعز دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك الصالحين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء.



التعليقات ( 0 )