• ×

أ.د. أحمد القاضي

الحالة الليبية

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     يتفطر القلب حين يتابع الأحداث الدموية التي تجري على الأرض الليبية. إنها حالة فريدة، تخالف ما جرى في تونس، ومصر، وما يجري في اليمن، وغيرهن من البلاد التي تشهد انتفاضات شعبية على أنظمة قمعية.

     والمفارقة من وجوه:

أحدها: طبيعة النظام القمعي، الهمجي، للعقيد القذافي، وزمرته الطاغية، ومكره الخبيث.

ثانيها: طبيعة الشعب الليبي، المؤمن، وشعاراته الإسلامية الواضحة، من جميع فئاته.

ثالثها: الوزن السياسي، والاقتصادي (النفطي) لليبيا، بالنسبة لدول الاتحاد الأوربي.

 

     لقد أفرزت هذه المفارقات النتائج التالية:

أولاً: الفتك الذريع بالمعارضين، الذين هم عامة الشعب، والتشفي منهم بجميع صور القتل، والتدمير، علانية، ووفق تصريحات رسمية تصدر من طاغوت ليبيا، حتى وصف بأنه الزعيم الذي يقتل شعبه. ولعل ما يجري في (مصراتة) الصامدة، المجاهدة، لأكبر دليل على هذه الهمجية. وقد كان من آخر فضائعه استعمال القنابل العنقودية، شديدة الانفجار، والانشطار، التي لا تفرق بين مسلح، ومدني، وكبير، وصغير.

ثانياً: البسالة، والتصميم، وروح الاستشهاد، التي أبداها الشعب الليبي المسلم، العربي الأبيُّ، بإمكاناته المحدودة، في مواجهة كتائب القذافي، المدججة بالسلاح، مستعيناً بالله، معبراً على لسان جميع متحدثيه، من عسكريين، وإداريين، ومواطنين، بلغة إيمانية صادقة مضمخة بالآيات، والأحاديث، وروح التوكل، والاستنصار بالله. ولا أدل على ذلك من حالة الكر، والفر، التي يستميتون فيها، لإسقاط هذا الكابوس المقيم منذ أكثر من أربعين عاماً.

ثالثاً: الموقف الدولي الماكر، وإن شئت فقل: الموقف الغربي المتترس بالمنظمات الدولية، الذي يصنع القرارات لحساب مصالحه، ويتظاهر بحماية المواطنين!

 

     لقد انقسمت الدول الكبرى، حيال ما يجري في ليبيا، بحسب مصالحها، وخططها المستقبلية إلى ثلاثة أقسام:

1- دول متعاطفة مع النظام: مثل روسيا، وألمانيا، والصين، ترتبط بامتيازات ذات أفضلية عالية، لا تريد أن تفقدها، بل تريد تعزيزها باتخاذ يد عند طاغوت ليبيا، ضاربةً عرض الحائط بجميع مبادئ حقوق الإنسان، غير مبالية بجرائمه البشعة التي تطبق البشرية على إدانتها.

2- دول معادية للنظام: مثل فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، بدت متحمسة في مستهل الأحداث لركوب الموجة، وتصفية حسابات سابقة مع النظام الإجرامي، ونيل فرص واعدة مع وضع مرتقب. لكن حماس هذه المجموعة لم يلبث أن فتر، أو تغير، حين أفلح القذافي بدعايته الإعلامية في تصوير المعارضة الشعبية الواسعة، بأنها فلول القاعدة تتجمع في ليبيا، وتتوعد الغرب بإرهاصات مستقبلية.

3- دول مترددة: وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي بات التردد سمةً بارزة لشخصيتها (الأوبامية) في معمعة الأحداث المتسارعة في المنطقة. لم تتمكن من ضبط المعادلة بين التزاماتها (الأخلاقية) التي تستطيل بها على الأنظمة، عادة، وبين الخوف من التمكين لبعبع (القاعدة). انسحبت أمريكا من قيادة حلف الناتو، واستخلفت الأوربيين القريبين من مسرح الأحداث، ثم انسحبت، أو كادت، من العمليات القتالية، وأكدت مراراً أنها لن تكرر تجربة العراق، وأفغانستان، بالتدخل البري، واكتفت بنشر أجهزتها الاستخباراتية على الأرض! لا لتستخبر عن القذافي، فهي قد خبرته، وحفظته عن ظهر قلب، ولكن لكشف تحركات المعارضة (المريبة). مما حدا بالقذافي أن يوجه رسالةً أبوية حانية، لابنه (أوباما) !

 

     لقد مارس المجتمع الدولي، الغربي طبعاً، خيانةً مكشوفة، حين أصدر قراراً يقضي بحماية المدنيين، وأوكل المهمة إلى حلف (الناتو)، الذي:

1-      نكث بوعوده، ومكَّن كتائب القذافي من القصف، والتنكيل، بمعارضيها العزل، وكأنما التزم، بحفظ جثث المدنيين في البيوت، والأزقة، دون مساس!

2-      امتنع عن قصف أرتال الدبابات، التي تنطلق من سرت، وتسير في أرض مكشوفة، في وضح النهار، لضرب المدن المحررة! واكتفى بضربات نوعية.

3-      منع الطائرات التي استولى عليها الثوار من التحليق، وأجبرها على الهبوط.

4-     أعلن أنه لن يستهدف الرئيس الليبي، بشخصه، ولا أحداً من زمرته الطاغية ومنحه الأمان ليظهر متبختراً وسط مؤيديه، في قلب طرابلس، وباب العزيزية.

5-      قام الناتو بقتل مجموعات منتقاة من المعارضة بـ(نيران صديقة)، على الطريقة العراقية، ذات الأهداف المزدوجة.

 

    ويبدو المشهد الليبي الآن، حرب استنزاف بين الطرفين، يدير رحاها الغرب، ليكسب من ورائها أهدافاً عدة:

أحدها: التشفي من القذافي، الذي ظل يقلقهم بحماقاته، وجرائمه كثيراً.

ثانياً: كسر شوكة المعارضة، وتصفية القيادات ذات الميول الإسلامية.

ثالثاً: تدمير الآلة العسكرية الليبية، تمهيداً لتوفير البديل، وشراء آلة جديدة، مستقبلاً، من مستودعات الأسلحة الغربية.

رابعاً: التخطيط لتقسيم ليبيا، وتمزيق وحدتها، وإيجاد بلدين متناحرين، جنباً إلى جنب، كما هي البصمة الاستعمارية، المعهودة لدى الغرب.

خامساً: وضع اليد على النفط الليبي، وفق معاهدات ابتزاز، تبرم حال الإلجاء.

وبعد ! فالغرب يريد، والقذافي يريد، والشعب يريد! ولا نقول:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة           فلا بد أن يستجيب القدر

كلا ! بل لا يكون إلا ما يريد الله، كما سبق في قدره، واقتضته حكمته، ومشيئته، وما النصر إلا من عند الله.



التعليقات ( 0 )