• ×

د. أحمد القاضي

حادث الإسكندرية العدوان البشع، والاستغلال الجشع

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فقد أدى هجوم على كنيسة قبطية في الإسكندرية، مساء الجمعة، الموافقة لليلة رأس السنة الميلادية، إلى قتل ما يقرب من خمسة وعشرين شخصاً، وإصابة، ثلاثة أضعافهم ، أو يزيد. ويعد هذا الهجوم هو الأول من نوعه، وحجمه، في مصر، على كنيسة قبطية، في ظل أجواء مشحونة مسبقاً، من السجال بين أقباط ومسلمين، وفي وهج حمى انتخابات عامة، متهمة بالتزوير، أفرزت حالة من السخط العام، لدى مختلف الفرقاء.

وقد أدى الحادث العدواني إلى سلسلة من التداعيات في المشهد المصري الداخلي، والموقف الدولي الخارجي، منها :

1- غضب عارم في أوساط الأقلية القبطية، داخل مصر، وخارجها.

2- إدانة الجماعات، والهيئات، والجهات؛ الإسلامية؛ الرسمية، وغير الرسمية، من داخل مصر، وخارجها، من هذا العدوان البشع، ومن يقف وراءه.

3- مسارعة الجهات الغربية؛ دينية، وحكومية، إلى مطالبة الحكومة المصرية بتوفير الحماية الكافية لرعاياها الأقباط، وتلبية مطالبهم.

4- استغلال الكنيسة القبطية هذا الحادث، لتحقيق مكاسب نوعية متعثرة.

5- تنامي حدة التوتر بين المسلمين، والأقباط، على المستوى الشعبي، وإن بدا الأمر من خلال التصريحات الرسمية، والتغطيات الإعلامية، خلاف ذلك.

6- توقف الحديث عن نتائج الانتخابات، وانشغال الرأي العام بالحدث.

 
 

     وبادئ ذي بدء! نقول بملء أفواهنا، تديناً، واعتقاداً، ومنهجاً، وسلوكاً، لا تقرباً إلى مخلوق، ولا مداراة لأحد:  هذا عدوان شنيع، وغدر فظيع، أياً كان مصدره، ومهما كان منفذوه. ودين الله (الإسلام) بريء من هذه الوصمة، وعلماؤه الراسخون،  ودعاته الصادقون، أشد الناس بعداً عن هذه الممارسات، وأكثرهم تحذيراً من تلك السوءات. ومعاذ الله أن تقر الشريعة المطهرة، العدوان على قومٍ غارين، مشمولين بذمة، وجوار، يعيشون بين ظهراني المسلمين، ويعلنون الاعتراف بالنظام العام؛ أياً كان نوعه، وهم يؤدون عباداتهم، وصلواتهم، أياً كان نوعها. فقد أتت الشريعة بحزمة وثيقة من الأحكام السلطانية العادلة، منذ العهد النبوي، مروراً بالفتح الإسلامي، إبان عهد الخلفاء الراشدين، والولايات الإسلامية المتتالية، تسمى بـ(أحكام أهل الذمة)، قبل أن تظهر المواثيق الدولية، بقرون متطاولة.

ففي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفا " .

وفي سنن أبي داود: " ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة " [صححه الألباني].

     وظل أهل الذمة يتفيئون ظلالها عبر التاريخ الإسلامي، بسلام، وأمان، ماوفوا بعهدهم، وذمتهم، باستثناء حالات معدودة، جرت إما بسبب ظلم الحكام، أو نقض عهد الذمة.[1]

 

     وفضلاً عن الحكم الشرعي الذي لا يختلف عليه اثنان، من أهل العلم والبصيرة، فإنها حماقة كبرى، بمقاييس المصلحة والمفسدة، إن كان منفذوها يحسبون أنفسهم على التيار الإسلامي. فلقد أتاح هؤلاء الحمقى لأعداء الإسلام؛ من داخل مصر، وخارجها، فرصاً نادرة، ما كانوا يحلمون بها:

1- لقد سوغوا للنصارى أن يجهروا بكفرهم، وشركهم، على الملأ، في مسيرات حاشدة، في مركزٍ من مراكز الثقل الإسلامي، أرض الكنانة، بعد أن كانوا يهمسون به في كنائسهم، حتى صاحوا في مظاهراتهم قائلين : (بالروح! بالدم! نفديك يا صليب!)

2- لقد هيئوا أرضية من التعاطف المريب، لرقاق الدين، وأهل النفاق، ليفوهوا بكلمات تناقض أصول الإسلام، وتسوي بين الأديان، وتبطل عقيدة ختم النبوة، وهيمنة القرآن، ومشاركة النصارى أعيادهم، واحتفالاتهم، والاعتصام في كنائسهم. وفي ذلك فتنة عظيمة، واستزلال عن الدين القويم.

3- لقد فتحوا الباب على مصراعيه للكنيسة القبطية أن تنفذ مطالبها، بمزيد من بناء الكنائس، وإظهار الشعائر الكفرية، ومضارة المسلمين، ومضايقتهم في عقر دارهم، رغم النسبة الضئيلة للأقباط التي لا تزيد عن 7% من مجموع الشعب المصري المسلم، حتى اعتبر قداس عيد الميلاد القبطي، ليلة البارحة 7/1/20011م مناسبة وطنية، عامة، تنقله كافة، وسائل الإعلام.

4- لقد فتحوا ثغرة خطيرة للمتربصين من نصارى الغرب؛ كنائس، وحكومات، للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، وممارسة هواية قديمة مارسها الأوربيون، والروس، مع الخلافة العثمانية، في أواخر أيامها، تسمى (حماية الأقليات). مما حدا ، بشيخ الأزهر، أن ينتقد تصريحات الكنيسة الكاثوليكية، في الفاتيكان.

5- لقد أذكوا نار فتنة دينية، في خضم فتن محلية، وإقليمية، وعالمية. فلا وجه لتكثير الخصوم، وافتعال الصراعات، وجر البلاد، والعباد، إلى مزيد من البؤس، والمعاناة.

 

     وبالجملة، فما جرى من عدوان بشع، لا يستند إلى شرع، ولا عقل، ولا خلق، ولا مصلحة. وما أعقبه من تداعيات، منكرٌ من القول، وباطل من العمل، واستغلال جشع. اللهم إنا نبرؤ إليك مما صنع هؤلاء المفسدون، ومما قال هؤلاء المداهنون، ومما تظاهر به هؤلاء المستغلون. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران/64]. وستبقى مصر، بعون الله، معقلاً للإسلام، وملاذاً آمناً لمن وفَّى بعقد الأمان. حفظ الله مصر، وشعبها، من كل مكروه، وأعاذها من الفتن؛ ما ظهر منها، وما بطن.

ـــــــــــــــــــــــ

 [1] انظر : كتابي : دعوة التقريب بين الأديان : مبحث: لمحة تاريخية عن العلاقات الإسلامية الكتابية. المجلد الأول)

 



التعليقات ( 0 )