أ.د. أحمد القاضي

(الانتحار) أو: الفرار إلى النار

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     فمنذ أن أقدم مواطن تونسي على إحراق نفسه بالنار، بسبب الضيق، والضجر، من البطالة، والإهانة، تفجرت سلسلة من المظاهرات الصاخبة، أدت إلى انحلال النظام الفاسد في تونس، ووقوع رموزه تحت طائلة الحبس، أو الملاحقة. كما أدت هذه النتائج المبهرة، إلى سريان ظاهرة الاحتجاج، والتعبير عن السخط، والمطالبة بالتغيير، إلى بلدان عربية أخرى، تأمل شعوبها أن تحقق ما تحقق في تونس،

     وصاحب ذلك فشوُّ ظاهرة (قتل النفس) بحرقها بالنار، أو ما يسمى اصطلاحاً (الانتحار)، وإن كان الانتحار، يختص بنوع من أنواع قتل النفس، وهو ذبحها في النحر، والعياذ بالله.

 

     وبصرف النظر عن حال بعض هؤلاء المنحرين، هل وقع ذلك منهم عن وعي، وسبق إصرار، أم كان ناشئاً عن خلل عقلي، وإغلاق نفسي، إلا إن من المهم التوقف عند هذه (الظاهرة)، ودرسها. وهي تستحق لقب (ظاهرة)، ليس بالنظر لحجمها، ففاعلوها نفر معدودون، ولكن لعظمها، وشناعتها، فقليلها كثير.

 

     لا يجوز بحال، الإقدام على قتل النفس التي حرم الله:

    - قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)[الفرقان : 68 ، 69]. فكيف بمن قتل نفسه التي استودعه الله إياها!

 

    - وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ ([1]) بِهَا فِى بَطْنِهِ، فِى نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ([2])، فِى نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) رواه مسلم.

 

     - قال الترمذي - رحمه الله -: (وروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال: من قتل نفسه بسم، عذب في نار جهنم. ولم يذكر فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا. وهكذا رواه الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه و سلم-.

    وهذا أصح، لأن الروايات إنما تجيء بأن أهل التوحيد، يعذبون في النار، ثم يخرجون منها، ولم يذكر أنهم يخلدون فيها) [سنن الترمذي (4 / 386)]

     ولكن الروايات، ثابتةٌ، صحيحة، بلفظ التخليد، والتأبيد، فتعين الصيرورة إلى ما دلت عليه بإجمال، وإجراء نصوص الوعيد على ظاهرها. ولا ينافي ذلك ما أشار ليه الترمذي - رحمه الله - من أصول أهل السنة، فإن هذا اللفظ خرج مخرج العموم (من)، ولا يمنع من حصول استثناء، وتخصيص، كما في صحيح مسلم:

(لَمَّا هَاجَرَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا([3]) الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ،فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ([4]) لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ([5])، فَشَخَبَتْ([6]) يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ. فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِى مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِى إِلَى نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- (اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ).

 

     قال النووي - رحمه الله -: (فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة، أن من قتل نفسه، أو ارتكب معصية، غيرها، ومات من غير توبة، فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة)

     وربما أريد بالتخليد، والتأبيد، المدد الطويلة،

     وربما علم الله من حال هذا المنتحر، أنه بلغ مبلغ الكفر، في سخطه على ربه، وسوء ظنه به، فاستحق ذلك، لا لوصف الكبيرة، ولكن لوصف الكفر الذي علمه منه.

 

     - وفي صحيح البخاري، من حديث جندب - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).

    

 ولهذا يخطئ، في هذا المقام، صنفان من الناس:

أحدهما: من يشيد بهذه الجريمة البشعة، والكبيرة الموبقة، ويخلع على فاعلها ألقاب الشهادة، والشجاعة، والفداء، وربما أغرى السفهاء؛ من رقاق الدين، وضعفاء العقول، شعراً، أو نثراً، بمحاكاتها، وتكرارها. وقد قيل! وقد وقع!

الثاني: من يقطع بالحكم على أعيان هؤلاء المنتحرين بالنار، ويصب عليهم جام غضبه، ويقول على الله بغير علم، ويستثير الدهماء، المتعاطفين معهم، ويحمل سفهاءهم على النيل من أهل العلم، ودعاة السلفية، ووصفهم بالدفاع عن الطغاة، وكبت المستضعفين، إلى آخر هذه الانفعالات. وقد كان يسعه أن يدين الجريمة، ويروي الآيات، والأحاديث، ويحذر الناس، دون أن يحكم في قضية عين، علمها عند الله، فيضيق واسعاً من رحمة الله، لا يعلمه.

 

وتأمل في قصة صاحب الطفيل، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لرؤيا الطفيل، رضي الله عنه، وتعقيبه الرحيم: (اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ). اللهم فارحم.

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) يتوجأ: يطعن.

([2])يتحسى: يشرب، ويتجرع.

([3]) اجتووا : كرهوا المقام بها لضرر لحقهم.

([4]) المشاقص : جمع مشقص، وهو نصل السهم إذا كان طويلا عريضًا.

([5]) البراجم : العقد التى فى ظهور الأصابع.

([6]) شخبت : سال الدم منها.



التعليقات ( 0 )