• ×

أ.د. أحمد القاضي

أحداث مصر

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة، والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

     فقد عصفت بأرض الكنانة (مصر)، منذ نحو عشرة أيام، ولا زالت، أحداث جسام. انبعثت كرجع الصدى لأحداث تونس العجيبة، ثم تعالت في تسارع مذهل، حتى طمَّ دويُّها الخافقين، وباتت الشغل الشاغل للأسماع، والأبصار، والعقول، والقلوب. وحبس العالم أنفاسه، في ترقب قَلِق، عما ستتمخض عنه (مصر) الحبلى، من حمل ثقيل. ونسي الناس أحداث تونس، واستفتاء السودان، وفضائح المفاوضين الفلسطينيين. حقاً إن مصر، (أم الدنيا)، كما يقولون.

 

     وكما عصفت الأحداث الدامية بميدان التحرير، عصفت بالعقول قضايا تحتاج إلى تحرير، تدع الحليم حيراناً، يعبر عنها، بصدق، سؤال مؤثر، ورد إلى الموقع، هذا نصه:

(أنا مسلم مصري. لا أنتمي لأي شيء سوى الإسلام. متجرد من كل مرجعية سوى المنهج الرباني. ليس لي أي أهداف سوى طاعة الله، ورضاه في كل أمر. ما الذي يتوجب علي الآن:

هل أقف مع المتظاهرين الذين يريدون رفع الظلم؟ ولا نرى ظلماً أكبر من تغييب شرع الله؟

هل أقف معهم محتسبًا ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) أو ( تغيير المنكر بما نستطيع )؟ هل لو قتلت برصاص الشرطة أحتسب نفسي مع ( سيد الشهداء )؟

هل المتظاهرون الآن ينطبق عليهم وصف الخارجين على الحاكم ؟

لو طلب مني الجيش الالتحاق لقتال هذه الفئة الباغية، هل أستجيب، وأحتسب الجهاد في سبيله؟

لو قتلت وأنا في صفوف الحاكم، هل أحتسب نفسي شهيدًا مدافعا عن الحق؟

هل ألتزم بيتي، وأكتفي بالدعاء؟ وإذا دعوتُ، أدعو لمن، وبماذا؟

سماحة الشيخ أستحلفكم بالله، أن تهتموا لأمرنا، وتردوا علينا. نحن لسنا قليلين. (فئة المتجردين الحائرين ). أستحلفكم بالله! أن تخرجوا لنا بيانًا من كبار العلماء، أوبياناً لفضيلتكم، ترشدونا للحق. كنا نظن أن لدينا علمًا غزيرًا، واكتشفنا أننا أجهل الجاهلين . لم نستطع حتى أن نسيطر على عواطفنا! هل نفرح ؟ هل نحزن ؟ عجزنا حتى عن الدعاء الخاص؟ توقيع  (متوقفون جاهلون يطلبون العلم)

 

     أرأيتم، معشر القراء، كيف تلتبس الأمور، وتدلهم الخطوب، وتقع (الفتنة) ؟! تساؤلات متناقضة تعصف بعقل مسلم، متجرد، لا يدري أين يقف، ولا ماذا يفعل، بل وبمَ يدعو، ولمن يدعو، وعلى من يدعو! جميع الخيارات واردة. نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن.

     كم نتمنى أن يتصدى (كبار العلماء) في هذه الأزمات الخانقة، إلى إصدار بيانات شافية، تنير للناس دروبهم، وُتطمئن القلوب الواجفة، والعقول الحائرة؛ فإن الفتنة إذا أقبلت لم يعرفها إلا العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل أحد.

 

    وأمام هذا الضغط الهائل، والإلحاح الشديد، لا يسعني إلا أن أجتهد رأيي، ولا آلو. فأقول:

أولاً: السؤال مبني على إشكالية الموقف من الحكام. الحكام ثلاثة:

1- حاكم مسلم، عادل، بَرٌّ، مقسط: فتجب طاعته، ومحبته، ونصرته، والسمع والطاعة له.

2- حاكم ظالمٌ، غشوم، فتجب طاعته بالمعروف، والصبر على جوره، وعدم الخروج عليه، مع بذل الجهد في نصحه، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر.

   وعلى هذين الصنفين، يتنزل حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ. وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: (لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاَتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلاَ تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ) رواه مسلم.

3- حاكم كافر، استبان كفره، أو منافق، نجم نفاقه، فيجوز الخروج عليه مع القدرة. وعليه يتنزل حديث عبادة بن الصامت، قَالَ: (دَعَانَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ.فَقَالَ، فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا، بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [متفق عليه].

     فاشترط لجواز الخروج على الحاكم شروطاً ثقالاً:

أحدها: الرؤية المحققة؛ علميةً، أو بصرية. فلا ييني على البلاغات، والإشاعات المرسلة.

الثاني: كونه كفراً، لا فسقاً، أو ظلماً.

الثالث: كونه بواحاً؛ أي ظاهراً، مستعلناً، لا خفياً، مستتراً.

الرابع: ثبوت البرهان القاطع؛ من آية محكمة، أو سنة ثابتة، على كفره.

     ويبقى شرط إضافي دلت عليه نصوص أخرى، وهو القدرة. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [النساء : 77]

 

     والناظر في حال كثيرٍ من حكام المسلمين، اليوم، يجزم بأنهم لا ينتمون إلى الصنف الأول، كما لا يجزم بانطباق شروط الصنف الثالث عليهم. وأقرب الأحوال إليهم، حال الصنف الثاني.

     وقد جربت مصر، حرسها الله، الأصناف الثلاثة، في تاريخها الإسلامي؛ فحكمها الصحابة الكرام، وحكمها العبيديون الكفرة اللئام، وحكمها سلاطين كثر؛ من الأخشيديين، والأيوبيين، والمماليك، والخديوية، فيهم ظلم، وغشم.

 

     ثانياً: كان من طريقة بعض السلف المتقدمين، من التابعين، تجويز الخروج على الحاكم الظالم، الجائر، كما صنع الفقهاء، والقراء، في فتنة ابن الأشعث، وفيهم الشعبي، وسعيد بن جبير - رحمهما الله - وجمع من التابعين، حين خرجوا على الحجاج بن يوسف الثقفي، فكسرهم في وقعة دير الجماجم، سنة ثنتين وثمانين للهجرة. فاستقر مذهب أهل السنة والجماعة على طاعة الأمراء؛ أبراراً، كانوا، أم فجاراً، ما لم يأمروا بمعصية الله، والصلاة خلفهم، والجهاد، والحج معهم، حقناً للدماء، وتسكيناً للدهماء.

     ولا ريب أن التنظير بين حال الحجاج، وأشباهه، وحال بعض حكام المسلمين اليوم، غير منطبق من كافة الوجوه. فالجوَرة الأولون يحتكمون إلى الشريعة، ويحملون الناس عليها، والجوَرة المتأخرون، يُقصون الشريعة، ويستعيضون عنها بالقوانين الوضعية، ويحملون الناس عليها، ويوالون أعداء المسلمين، ظاهراً، أو باطناً.

 

     ثالثاً: ويبقى النظر في طريقة الإنكار، وطلب الحقوق. فلا ريب أن المناصحة، والاحتساب، مسلك مشروع، ولو أدى بالفرد الناصح إلى زهوق الروح، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره، ونهاه فقتله) [رواه الترمذي، والحاكم، وقال صحيح الإسناد. وصححه الألباني].

 

     وحين اتصل العالم الإسلامي، بالعالم الغربي، تأثر به في بعض طرائق التعبير، التي لم تكن معهودة في ماضيه. ومن ذلك أسلوب (المظاهرات) التي يعتبرها الغرب حقاً مشروعاً للشعوب، للتعبير عن مطالبهم، ويضمِّنونها دساتيرهم، ومعاهداتهم الدولية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل يرون لزاماً على الدولة أن تحميها، وتدافع عن مسيِّريها، شرط أن تتم ضمن إطار سلمي.

 

     فلما تسربت هذه الممارسة الغربية، الغريبة، إلى مجتمعات المسلمين، كما يحدث في مصر الآن، تمت بغير الصيغة المقبولة عالمياً؛ حيث صاحبها إفساد، وتحريق، وتخريب، واستغلها لصوص، وقطاع طريق (بلطجية)، وشوهها مندسون مأجورون، كما قوبلت بخلاف المعايير العالمية؛ جوبهت بالعنف، والقتل، والجراحات. فباتت فاقدة للصفة النقية، مفتقرة للمستند الشرعي. وأفضت إلى فساد عريض، واحتراب داخلي، وفتنة عمياء؛ لا يدري القاتل فيم قَتل، ولا المقتول فيم قٌُتل.

 

     وتأسيساً على ما تقدم:

     فلا أرى الانخراط في هذه التظاهرات، ولا تعريض النفس والمجتمع لمفاسد محققة، في سبيل مصالح مظنونة. وغاية ما ستتمخض عنه، والله أعلم، تنحية فلان، ومحاكمة علان، ثم الدخول في نزاع سياسي، بين مختلف الفرقاء الذين يحملون توجهات متناقضة؛ ما بين إسلامي، وعلماني، وليبرالي، وبراجماتي.

    كما لا يجوز التصدي لهؤلاء المتظاهرين بالضرب، والقتل، بل يسأل الله العافية، ولا يذكي نار الفتنة، ويسعى لحفظ حرمات المسلمين، ودماءهم، وأموالهم، وأعراضهم، ويدعو الله بصلاح أحوالهم،حتى تنقشع الغمة.

     ويجب على أهل الإسلام، والشباب الواعي، الناصح لدينه، ومجتمعه، أن يسعى لحقن الدماء، وتأمين المروَّعين، وكف المعتدين على الآمنين.

 

     وختاماً، فإني لأرجو أن يقلب الله هذه المحنة منحة، والنقمة نعمة، وأن يوقظ حكام المسلمين من سباتهم، ويعطفهم على شعوبهم، فيدركوا أنها سندهم، بعد الله عز وجل، وليس الأجنبي الغربي، أو الشرقي، الذي خذلهم، وقلب لهم ظهر المجنّ، تبعاً لمصالحه، وحمايةً لبذرته الخبيثة (إسرائيل) في المنطقة.

     اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع، قريب، مجيب الدعاء.



التعليقات ( 0 )