• ×

د. أحمد القاضي

قبل أن ينفض السامر

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فمع مغيب شمس الجمعة الثامن من ربيع الأول 1432، غابت عن أرض مصر، حقبة مريرة،طويلة، بالإعلان عن تخلي رئيسها الذي حكمها ثلاثة عقود، عن الحكم، وتسليمه السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، إثر ثمانية عشر يوماً، وليلة، من المظاهرات، والاعتصامات الشعبية، في الميدان الشهير، ميدان التحرير،وبقية المحافظات، حبس العالم أنفاسه، في انتظار ما تتمخض عنه الأحداث.

     وانخرط المحتجون، والمتابعون، وحُقَّ لهم، في فرحة غامرة، بانقشاع الغمة الراهنة، وتحلحل أزمةٍ خانقة؛ ما كان يُدرى إلام تنتهي، ولكنَّ الله سلم! وكانت (فلتةً وقى الله شرها). فالحمد لله أولاً، وآخراً ، وهو المسؤول، وحده، أن يُعقبها بالخير، والفرج.

 

     وقبل أن ينفض السامر، ويعود المعتصمون إلى بيوتهم، ويرخي المتابعون أعصابهم، ويريحوا أسماعهم، وأبصارهم، من جلبة المقابلات، ووميض الشاشات، حري أن نقف بعض الوقفات، ونقيِّد بعض التأملات:

 

أولاً: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران/26]. الله أكبر! إنها السنن. فبينا الرجل يتبختر في مشيته، وينظر في عطفيه، ويرى أن له ملك مصر، والأنهار تجري من تحته، يُنصِّب من يشاء، ويُقيل من يشاء، يُكرَّم من يشاء، ويزج في السجون من يشاء، ويقول، بلسان حاله، أو مقاله: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد! يستقوي بالأجنبي، على أبناء وطنه، ويحمي حدود اليهودي المعتدي، ويحاصر بني ملته، وإذا بالأرض تتزلزل من تحته، والأصوات تُصِم أذنيه، وقرع الأقدام يصل عتبة بابه، فيمنعه الكبر أن يرعوي، فيخاطب الجموع بلغة مستعلية، ويقتحم البحر الخِضَمَّ، كما تقحمه فرعون الذي طغى، وظلم، فيجني الشوك، ويتجرع العلقم، ويهيم في الأرض، ذليلاً، طريداً. (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)  [يونس/92].

 

ثانياً: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة/105]. ظل العالم الغربي، وإسرائيل (اليهود، والنصارى)، يرصدون الموقف بقلق، وترقب، وتخطيط لكافة الاحتمالات. فمصر التي تمكنوا من تحييدها، بل خطفها، في قضية فلسطين، وانتزعوا من حاكمَيها السابقَين معاهدة سلام مذلة، باتت في مهب الريح! مصر التي كانت تمثل الشرطي الأمريكي في المنطقة، فتقمع كل بادرة إسلامية، وتملأ المعتقلات بالإسلاميين؛ على اختلاف طبقاتهم، لم تعد، بالضرورة، رهن الإشارة،. لقد اختلفت الموازين.

     مصر ليست كتونس؛ مساحة، وموقعاً، وثقلاً، وتأثيراً، وقد شعر الأوربيون، والأمريكان بفساد خطتهم، وحاجتهم إلى تكييف جديد لحفظ مصالحهم، في المنطقة. ولم تعد تنطلي عليهم (فزاعة) الإخوان المسلمين، التي حاول رئيسا تونس، ومصر، التلويح بها، وإشهارها في كل مناسبة، فالعقلية الأمريكية، والأوربية، عقلية (براجماتية) ذات مقاييس مصلحية، منفعية، لا تقيم وزناً للاعتبارات الشخصية، والقيم المعنوية، بل تدور مع المصلحة حيث دارت. وقد عبر عن هذا نائب في البرلمان الأوربي، إثر أحداث تونس، قائلاً، مرتجلاً، بحماسة منقطعة النظير: (زملائي الأعزاء: الدكتاتور سقط! لكن هيكل الدكتاتور ما زال متواجداً في تونس. واليوم يجب أن نكون حذرين للغاية. حكومات أوربية؛ الأغلبية من هذا البرلمان، كانت تؤيد الدكتاتورية، والدكتاتور التونسي. في الأسبوع الماضي فقط، العديد من الفئات السياسية رفضت مناقشة الموضوع التونسي، رفضت إدانة ابن علي، ثم التفت مشيراً بأصبعه: هذا ما فعلته وزيرة الخارجية الفرنسية! وزيرة الخارجية الفرنسية، ما هي إلا آخر مثال لتواطؤ الغرب! ولماذا ؟ بسبب الخوف؛ لأننا نخاف من التيارات الإسلامية المتطرفة. لدينا الحق من أن نخاف من دكتاتورية الإسلام المتطرف... الإسلام، والديموقراطية، يمكن أن يسيرا معاً، جنباً إلى جنب. وإذا كنا قادرين على أن نساند الديموقراطية التونسية، في طور الميلاد،فإننا سنرى، في مصر، في الأردن، في سوريا، وفي أي مكان آخر، أن الشعوب سوف تتمرد ضد دكتاتورييها ... لا يمكن أن نتصور أن هذا البرلمان يقف مكتوف الأيدي) الخ. وارتجت القاعة بالتصفيق.

     الغرب يبحث عن مصالحه، يغير مواقفه، يتكيف مع أي وضع جديد. ونحن على يقين، أنه لا يسره أن يرانا أمة قوية، تقابله على ضفة البحر الأبيض المتوسط، فهو يعي التاريخ جيداً، وذاكرته حاضرة، بالفتوحات الإسلامية في أسبانيا، وفرنسا، وبالحروب الصليبية، والفتوحات العثمانية، والاستعمار الحديث. فعلينا أن نكون على مستوى الحدث، وأن تعامل مع المعطيات الجديدة في الساحة.

     وأحسب أن الطريق، لقطع الطريق على نفوذ الأجنبي، أن تعود الأمة إلى هويتها الإسلامية الحقة، وتصطبغ بصبغة الله، وتنأى عن الثقافات الخارجية، من جهة، وتتلاحم القيادات، مع الشعوب، من جهة أخرى. وأن يدرك الحكام أن عمقهم، وجذورهم، في أوطانهم، لا فيمن يلقي إليهم بشباك المدد، من الخارج، حتى إذا ما استغنى، تخلى عنهم، وتنكر لهم. وهذا يستلزم قدراً من العدل، والنزاهة، وإسناد الأمور للأكفاء، ونبذ الوصوليين، والمنافقين.

 

ثالثاً: ( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال/46]. الأمة مقبلة، بعد التجربة المصرية، على تغييرات واسعة، باتفاق العقلاء، والخبراء. فلا بد لأهل الإسلام من الوحدة، والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، واستيعاب جميع موارد النظر. وقد أسفرت الأحداث الأخيرة عن أزمة أخلاقية، في تقبل الرأي، والاجتهاد. حتى بات مختلف الفرقاء، حول قضية ما، كقضية (مشروعية المظاهرات)، يتنابزون بالألقاب، ويمارسون دور (البلطجية الفكرية) مع مخالفيهم، تماماً، كما وقع بين المؤيدين، والمعارضين، في ميدان التحرير. فبينا يصف بعض السلفيين المتظاهرين بالغوغائيين، والمأجورين، ينبزهم مخالفوهم بوصف العملاء، وفقهاء المواكب. ومثل هذه الأجواء المنزوعة الثقة، لا تثمر إلا فرقة، وإيغاراً للصدور. وقد أدب الله عباده، عند حصول الخلاف، فأحسن تأديبهم، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء/59]. فلا بد من التأني، ودرس المستجدات، والنظر في العواقب، واستكمال التجربة، مع استصحاب حسن الظن، والشفقة على المسلمين.

 

رابعاً: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم/7]، يجب أن تقابل هذه النعمة بالشكر، واللهج بالثناء على الله بكشف الغمة، عن الأمة، والابتعاد عن جميع صور الأشر، والبطر الجاهلي، الذي وصفه الله بقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ) [الأنفال/47]. ومن أعظم صور الشكر السعي الجاد لتطبيق الشريعة، ونشر الفضيلة، والحذر من الخطاب العلماني، أو الخطاب الضبابي الذي تتستر به بعض الجماعات الإسلامية. يجب الإفصاح، والجهر بالمطالب الشرعية، والتخلص من عقدة الخوف من الغرب، وتهمة القذف بالإرهاب، والتطرف. فالغرب، كما أسلفنا، لديه القابلية للتعامل مع المستجدات، ويحترم القوي، ولا يحترم المستخذي. وفي إيران، وكوريا الشمالية مثل.

 

     هذا، وفي النفس مشاعر مضطرمة، وأشواق، وآمال. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا، ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وكلنا إليك وحدك، يا عزيز، يا جبار. اللهم أبرم لمصر، وللأمة جمعاء، أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



التعليقات ( 0 )