• ×

أ.د. أحمد القاضي

تقطيع الأوصال

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فمنذ اتفاقية (سايكس/بيكو) سنة 1336هـ/1916م، ومبضع الجراح الغربي يعمل في جسد الأمة الإسلامية؛ بتراً، وتقطيعاً. فقد تقاسم الغرب تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) ورسخوا جذور الفرقة، والقطيعة، بين أعضاء الجسد الواحد، واصطنعوا مشكلة حدودية، أو سياسية، بين كل إقليمين متجاورين، هديةً لعيد الاستقلال المزعوم. فحين حمل بندقيته، ورجع إلى بلاده، خلَّف أوضاعاً متوترة، قابلةً للانفجار، في أية لحظة يشاء. وبقي الشرق الإسلامي مرتهناً لدهاة الغرب، وساسته.

     وظل الغرب الماكر يمارس هوايته، ويضرب ضربته؛ يمنةً ويسرة، لتقطيع أوصال العالم الإسلامي، وتوهين رباطه، في حين يزداد تماسكاً، وتحالفاً.

 

ولك أن تقارن بين حزمتين من الأحداث المعاصرة:

في الغرب :

-      قيام أوربا الموحدة؛ اقتصادياً، وعسكرياً، وثقافياً.

تنامي حلف (الناتو) بدلاً من انحلاله، لانحلال حلف (وارسو)، وبلغ أشده في اجتماع البرتغال، الشهر المنصرم، والشراكة مع الروس.

-      إرساء المعاهدات التجارية التي تخدم مصالحهم، باسم (منظمة التجارة العالمية).

في الشرق الإسلامي:

-      احتلال مباشر؛ في فلسطين، وأفغانستان، والعراق، وسبته، ومليلة.

-      إذكاء للصراعات المزمنة بين الدول المتجاورة؛ المغرب/الجزائر، العراق/سوريا، سوريا/لبنان ، فتح/حماس.

بتر، ومحاولات بتر أطراف الدول المستقرة؛ تيمور الشرقية من إندونيسيا، دارفور، وجنوب السودان من السودان.

-      ارتهان الدول العربية برهاب إيران النووية.

 

     وما تقدم وصف، لا عذر. فليس غريباً أن يسعى الخصم في إثخان خصمه، وكسر شوكته. ولكن المثير للدهشة حالة الإعاقة، والشلل التي تضرب الجسد الإسلامي، وهو يرى الجزار، يحد شفرته، ولا يريح ذبيحته! ورغم ذلك لا يبدي حراكاً. وأوضح مثال على ذلك ما يجري هذه الأيام، وما سيجري في مستقبل الأيام، والعلم عند الله، في أرض السودان. أجلب الغرب بخيله ورجله، وعلى رأسه أمريكا، لتحقيق حلم قديم ظل يراودهم، وهو إقامة دولة نصرانية في جنوب السودان. ولعل هذا أن يكون الإنجاز الوحيد لوعود (أوباما).

     يكاد المرء يقضي عجباً! السودان الذي ظل إبان الحقبة القومية، في الستينات، والسبعينات، من القرن الميلادي المنصرم، يدافع عن أراضيه، ويهريق دماء أبنائه ضد متمردي الجنوب، يقدمه اليوم هدية على طبق من ذهب، لعرَّاب السياسة الأمريكية، الرئيس الأسبق، وإن شئت فقل: القس (كارتر)!

     وتقف الدول العربية حائرة، لا تنبس ببنت شفة، فضلاً أن تبدي حراكاً حقيقياً، وهي تشاهد نشوء دولة نشاز، تتحكم في مصادر مياهها، ونفطها، وتمثل شوكةً في قدمها، لا، بل لغماً تحتها.

 

     سبحان الله! ماذا دهانا؟ هلا كنا، على الأقل، مثل كوريا الشمالية، التي تمردت على الغرب، أو كإيران التي أجادت فن المراوغة، والمفاوضة، لتكسب الزمن. أين جامعة الدول العربية؟ أين منظمة المؤتمر الإسلامي.

     الحق أنه لا يجيب على هذه الأسئلة التي يشرق بها الحلق، إلا إننا أمة فقدت هويتها، وأعرضت عن هدي ربها، وانساقت خلف ضلالات الغرب، ومكنت صنائعهم من نشر ثقافة التغريب، وإقصاء، وربما محاربة، الإسلام. فلا عجب أن يرفع الله عنا نصره، أو يؤخره، لأنا أخللنا بالشرط: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد/7].

 

     ما أحوج الأمة، وعلى رأسها الأنظمة، إلى مراجعة شاملة لتقويم الأداء، وتقدير المكاسب، والخسائر، والإيرادات، والمصروفات، ليتبين للجميع؛ حكاماً، ومحكومين، شعوباً، وأنظمة، أن الخيار الوحيد للنصر والتمكين، في الاهتداء بهدى الله، واطراح التبعية، والهزيمة النفسية، وما يستتبع ذلك من إعادة تأهيل، وبناء، ومصالحة، فنرقب حينئذ وعد الله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [النور/55-57]. والله لا يخلف الميعاد.



التعليقات ( 0 )