• ×

د. أحمد القاضي

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [4 - الأخير]

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 [4] الحقوق الدستورية

 
 

     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فقد مضى الحديث عن بيان ثلاثة حقوق كبرى، أعلنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، للعالمين، في محفل يوم عرفة العظيم؛ وهي : الحقوق الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية. وبقي أعظمها، وأهمها، وإنما أخَّره بالذكر، ليكون شاملاً، لكل ما تقدم، مستوعباً لما لم يذكر، من الأمور الفرعية، والتفصيلية، ألا وهي :

 

الحقوق الدستورية

     ختم النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبته العصماء، بقوله : (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ؛ كِتَابُ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ؛ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ! اللَّهُمَّ اشْهَدْ! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) [رواه مسلم]

     لقد تضمن هذا النص الإحالة القطعية على مصدري الهدى، ودين الحق، وهما :

1- كتاب الله: المحفوظ بين الدفتين، الذي تكفل الله بحفظه، فلا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.

2- سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -: التي شهد له الناس، بالبلاغ، والأداء، والنصح.

 

     إن فيصل التفرقة بين دين الحق، والجاهلية، هو في المرجعية التي تسمى في لغة العصر (الدستور). فأهل الجاهلية القديمة، والحديثة، يصطنعون لأنفسهم أحكاماً، وقوانين، يحملون عليها الكافة، ويرسمون بها خطة معاشهم، ويحتكمون إليها عند التنازع، ويعظمونها، ويقسمون عليها عند تولي المناصب، والرياسات، ويعتبرون الإخلال بها (خيانةً عظمى) في بعض الأحوال، و(خروجاً عن القانون) في باقيها. فربما سميت في قرون خلت (شريعة حمورابي)، أو (أحكام قراقوش)، أو (ياسق جنكيز خان). وربما سميت في العصور الحديثة : (القانون الفرنسي)، أو (القانون الإنجليزي)، أو (الشرعية الدولية).

 

     أما أهل الإيمان، فيرون أن التشريع حق خالص لله، لا يشاركه فيه غيره، ولا يحتكم فيه لسواه. قال تعالى : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة/50]، وقال : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى/21]. وظلت هذه العقيدة مستقرة في خلد المسلمين، وفي واقعهم السياسي، والتنظيمي، قروناً متعاقبة، بوصفها: (من المعلوم من الدين بالضرورة).

 

     لم يخالج أهل الإسلام شك في أن (الهدى) في لزوم الكتاب والسنة، وإن قصروا في تطبيقه. وأن (الضلال) في الحيدة عنهما، وإن تلبسوا بشيءٍ ذلك. وكان كل تجديد، وإصلاح، يقع في تاريخ الأمة، يعوِّل على التمسيك بهذين الأصلين، والرد إليهما عند التنازع. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء/59]

 

     وقد بدأ خط الانحراف بالانفراج عن الخط المستقيم، حين سعت الدولة العثمانية، إبان حكم السلطان محمود الثاني (ت:1839) في محاكاة الدول الأوربية في سن التنظيمات، والقوانين، التجارية، والمدنية، ثم سار على خطاه السلطان عبد المجيد الأول، فأصدر مرسومه الشهير (خط شريف كولخانه) الذي ألغى رسمياً (نظام الملل)، عام 1839م، كما صنع إبراهيم باشا، ذات الإجراء حين استولى على بلاد الشام عام 1832م، حين أصدر (القانون البيورلدي) القاضي بإلغاء أحكام أهل الذمة.، حتى آل الأمر بالدولة العثمانية، تحت ضغوط الدول الأوربية إلى إصدار تنظيم أكثر اتساعاً، عام 1856م عرف باسم (الخط الهمايوني).

 

     ولم يزل بساط الشرع يطوى، وتبسط مكانه القوانين الوضعية، حتى انحسر الحكم بالشريعة في معظم البلدان الإسلامية بما يسمى (الأحوال الشخصية)، المتعلقة بالنكاح، والطلاق، والنفقات، والميراث، ونحوها. بل طرأ على هذه المذكورات ما يقتضي، في نظر القانونيين، ما يقتضي التغيير، استجابة للمعاهدات الدولية، والاستزلال العالمي. ولا زالت الجامعات، والبعثات، تغذ السير لدراسة (النظم) و (القوانين) لإحلالها محل الشريعة الخاتمة، والهدي النبوي.

 

     وكانت النتيجة المشؤومة، المتوقعة، مزيداً من الضلال، والتخبط، والارتكاس في حمأة الجاهلية المعاصرة. ونشأت أوضاع فُطم عليها الصغير، وشاب عليها الكبير، تستسيغ تنحية كتاب الله، وتكتفي منه ببركة الترتيل، والتطريب، وتهجره في العمل، والاتباع. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

     ولا ريب أن الاهتداء بكتاب الله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقتصر على شؤون الحكم، والتنظيم، بل يتناول جميع مناحي الحياة؛ العلمية، والعملية، إلا إن المظهر العام للأمة، والأثر البليغ يحصل بالأحكام السلطانية، التي تطال جميع الرعية، فإن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن.

 

     ووالله، لو أن قلوب المسلمين امتلأت إيماناً، ويقيناً، بموعود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو أن أولي الأمر منهم، تمسكوا بكتاب الله، لم يضلوا أبداً، ولهُدوا إلى طريق العزة، والتمكين.

 

     ونحن نشهد، بما شهد به سلفنا - رضوان الله عليهم - لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ونقول بملأ أفواهنا : (نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ). اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )