أ.د. أحمد القاضي

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [3]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 

[3] الحقوق الاجتماعية

 

     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فلا زال المسلمون يعيشون أجواء موسم الحج، وآثاره، وينقلون إلى أهليهم الصور البديعة للمناسك العظيمة، ويقطفون ثمار (المنافع) العديدة، لحجهم. ولكن ذلك، عما قليل، ستنسخه ماجريات الحياة، وحوادث الأيام. وتبقى تلك الخطبة النبوية الرائعة، خطبة حجة الوداع، يوم عرفة، مدويةً في الخافقين، تحمل مقاصد الإسلام، ومحاسن الشريعة. ونتناول في هذه الحلقة أحد الحقوق العظيمة ألتي أرساها معلم الناس الخير، في ذلك المجمع الحافل:

ثالثاً : الحقوق الاجتماعية

     وتتمثل هذه الحقوق الاجتماعية، ببيان الحقوق الزوجية؛ إذ (الأسرة) نواة المجتمع، ولبنته الأولى، فإن كانت آمنة، مستقرة، وادعة، صار المجتمع كذلك! وإن طغى عليها الشقاق، والظلم، وسوء العشرة، استحال المجتمع إلى عش دبابير، يلسع بعضهم بعضاً.

     جاء في سياق خطبته، - صلى الله عليه وسلم -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ! فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ، فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [رواه مسلم].

 
    إن هذه الجمل المحكمة، تتضمن توزيع الحقوق والواجبات، على طرفي الحياة الزوجية، وتستند في الالتزام بها على أفضل الضمانات، وأعظمها، وهي (التقوى) : (فاتقوا الله في النساء)، والتذكير العميق بحقيقة الوشيجة الزوجية، وسر رباطها: (فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ). إن هذه الكلمات لتزرع الحرج الواعي في ضمائر الأزواج، الذين يجدون في أنفسهم نوع قدرة، وسلطة، على النساء الضعيفات، وتحملهم على الوفاء بالواجبات، كما أنها لا تبخسهم حقوقهم :
 

1- فالزوجة مأمورة بحفظ غيبة زوجها، وطاعته، كما وصف الله بقوله: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)  [النساء/34]، فيدخل في ذلك أن تحفظ بيت بعلها أن يغشاه من لا يحب؛ من رجل، أو امرأة. فللزوج حق الطاعة بالمعروف، لما علَّل الله به، بقوله : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء/34]

 

     إن نظام الأسرة في الإسلام مبني بشكل واضح على (قوامة) أو (قيام) الزوج على أهل بيته، وتحمله المسؤولية التامة على من تحت يده، وذلك يمنحه، بطبيعة الحال، حق الطاعة على زوجته بالمعروف. ولا يمكن أن يقود السفينة ربانان،وإلا أفضى إلى غرقها. و(الزوجة) في النظام الأسري المعاصر، متحررة، متمردة، غير خاضعة لتوجيه زوجها؛ فيكفل لها القانون أن تصاحب من تشاء، وتخلوا بمن تشاء، وتستضيف من تشاء، وتعمل حيث تشاء، دون الرجوع إلى الزوج، والحصول على إذنه. وقد أفرزت هذه الممارسات شراً عظيماً، وخطراً مستطيراً، لم يعد خافياً على ذي عينين. وليس من حق الزوج في النظام الأسري المعاصر، أن يمارس أي لون من ألوان التأديب، لأن القانون يحميها، ويدينه، فعليه أن يغمض على قذى، ويصبر على مضض.

 

2- والزوج في شريعة الله ملزم بالنفقة على أهل بيته، وأخصهم الزوجة: (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). حتى إن نفقة الوالدين، والأولاد، تسقط باستغنائهم، ولا تسقط نفقة الزوجة بحال! ولو كانت من أغنى الناس. بل قد أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للزوجة التي تعاني من بخل زوجها، وتقتيره، أن تأخذ كفايتها، وكفاية ولدها، من ماله، دون علمه، بالمعروف.

    فعَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي، وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) [رواه البخاري].

    وكثيراً ما تلجأ الزوجة في المجتمعات الغربية، ومن تأثر بها، إلى ابتذال نفسها بالعمل، بغرض تحصيل الرزق، وتتعرض لصنوف الأذى الحسي، والمعنوي، والتحرش الجنسي، بسبب الحاجة للكسب. في حين تضمن الشريعة للمرأة المسلمة، نفقاتها، وتحملها أباها، وزوجها، لتبقى درة مصونة، تزاول ما خلقت له، ولا تلقي بنفسها في مواطن الابتذال، والابتزاز.

 

     وتتعاظم القوانين الحديثة، باسم حقوق الإنسان، استعمال (الضرب) وسيلةً تأديبية، وتنبز الإسلام بهذه الشائنة، زعموا! وتتلجلج العبارات في أفواه كثير من المنهزمين، روحياً، وفكرياً، من الإسلاميين بسبب سياط النقد اللاذع الذي تنهال من الغربيين، وأذنابهم، فيتكلفون المحامل الاعتذارية الوعرة، ويلوون أعناق النصوص، ليرضوهم (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [البقرة/120].

 

     إن الأنظمة الحديثة تعتمد مبدأ (الثواب) و (العقاب)، وتدرك أنه لا غنى لسياسة الناس، وكبح جماح الناشزين، من لون من الردع. فلمَ تستعظم أن يلجأ الزوج في درجة ثالثة، بعد استنفاد الوسيلتين الأوليين، الموعظة، والهجر، إلى تأديب زوجته الناشز، بإيلام جسدي، غير مبرح، يكسر فوعة النشوز، ويردها إلى حال السواء؟!

 

     إن دين الله ليس (مزاداً علنياً) و (كلأً مباحاً) لكل من هب، ودب، ومشى، ودرج، وليس خاضعاً لتغير الأمزجة، والنظم البشرية. إن الذي خلق الخلق أعلم بمصالحهم: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك/14].

 
    ولو تفحص هؤلاء المنهزمون ما يجري في بلاد الغرب من إساءة للنساء، بمختلف أنواع الإساءة، لأدركوا ما تتمتع به المرأة المسلمة من كرامة، ورعاية، وصيانة. لقد بات ما يسمى: (Women Âbuse) ظاهرة سائدة في المجتمعات الغربية، تحكي الانهيار الأخلاقي، والمجتمعي للنظام الاجتماعي الحديث، المستظل بمظلة حقوق الإنسان.
 

    إنهما منظومتان اجتماعيتان متمايزتان:

    - منظومة الإسلام التي جرى إعلانها في خطبة حجة الوداع،

   - ومنظومة الجاهلية الحديثة التي جرى تدشين بعض فقراتها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [سبأ/24].

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )