• ×

د. أحمد القاضي

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [2]

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

 [2] الحقوق الاقتصادية

     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فقد تقدم الحديث عن فخامة خطبة حجة الوداع، وفضل زمانها، ومكانها، وجلالة خطيبها، - صلى الله عليه وسلم -، وفضيلة المخاطبين. كما تقدم الحديث عن بند من بنود هذه الخطبة العالمية، وهي (الحقوق الأمنية) . ونتناول في هذا الحديث، الحق الثاني، الذي أرساه، نبي العالمين، ومعلم الناس الخير - صلى الله عليه وسلم - :

 

ثانياً : الحقوق الاقتصادية

     (المال) عصب الحياة، وزينة الحياة الدنيا، لا قوام للناس إلا به في معاشهم، ومصالحهم، وحركتهم. والإسلام ليس دين (رهبانية)، كالنصرانية، يصرف الناس عن مقتضى فطرتهم، وضرورات حياتهم، كما أنه ليس مذهباً مادياً، يقيم نظام الدنيا على حسابات عنصرية، كاليهودية، أو تجارية محضة، كما النظام الاقتصادي الحديث.

     لم يكن مستغرباً، في هذا المحفل العظيم، أن ينأى خاتم النبيين بالاقتصاد السليم، عن الأصول الجاهلية، القائمة على (الربا). ذلك أن (الربا) ورم سرطاني، يتضاعف في مال فئة محدودة من التجار، ويستنزف دماء، وعرق، الكادحين من الفقراء، بغير حق، دون أن يحدث في المجتمع حراكاً اقتصادياً، أو تجارياً، أو صناعياً، سليماً، مستديماً.

     ولأجل ذا، أطلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، إعلاناً عالمياً، صريحاً، مدوياً، بتجريم الربا، وإهدار الربا؛ قليله، وكثيره، وبدأ بأقرب الناس إليه، عمه العباس بن عبد المطلب، لتبدو النزاهة، والمصداقية، بأبهى تطبيقاتها، فيحصل التأسي، والامتثال، بأصدق، وأقنع، صوره، فقال : (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا؛ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ).

     الله أكبر! ما أروع الوضوح! ما أجلى الصورة! هل أبقى - صلى الله عليه وسلم - موضعاً لمرابٍ، عابثٍ، متلاعب ؟ لا والله!

 

     لقد كان ربا الجاهلية مؤسساً على قاعدة بسيطة : ( إما أن توفي، وإما أن تربي)، ونال من وعيد الله - تعالى - وذمه، ما تقشعر منه الأبدان، وتشمئز منه النفوس، كقوله : (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ. إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ.وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.  [البقرة/275-281]

     وربا النظام الاقتصادي العالمي، اليوم، مؤسس على نظريات، وقواعد، تدرس في الجامعات، ويهيمن على المصارف، والبنوك، في كل زاوية من الكرة الأرضية، ويتمظهر بصورٍ، وأشكال، ومنتجات، لا حصر لها. لقد تمكن اليهود، دهاقنة الربا، من إرساء الاقتصاد العالمي على أساس خبيث، هو الربا، المذموم، في كتاب الله، الملعون على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ) رواه البخاري، وفي رواية: (آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ) [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي].

 

     لقد اجتاح النظام الربوي العالمي، جميع بلاد الدنيا، وانخرطت الدول الإسلامية، في هذا المساق اللعين، وانصاعت مؤسساتها النقدية، ومصارفها، لقواعد اللعبة اليهودية، التي تسرق المال العام من أيدي مستحقيه، لتصبه في جيوبهم البخيلة، كما وصفهم الخبير بهم : (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) [النساء/161].

     إن في العالم الإسلامي، من المخزون المالي، والسلع الاقتصادية العالمية المؤثرة، ما يمكِّنها من الاستقلال، بنظام مصرفي، إسلامي، متحرر، من أوهاق الربا، ومصائده، لو أن المسلمين جددوا الاستماع إلى خطبة حجة الوداع.

     وإنه لمن دواعي الأسى، أن تعمد البنوك، والمصارف الإسلامية، الواعدة بأسلمة الاقتصاد، إلى صنوف من الحيل، والممارسات، والتعاملات، تشبه الربا، أو دخنه. لقد ملَّت تلك المصارف من المشاريع الاقتصادية الحقيقية، التي تتطلب جهداً، ووقتاً، وآثرت صناعة (منتجات) سريعة المردود، قليلة الجهد، تدوِّر المال بطريقة ابتزازية، ولا تنشئ اقتصاداً حقيقياً، ولا حراكاً سوقياً منتجاً. وقامت كثير من (الهيئات الشرعية) بـ (تكييف) و (شرعنة) بعض التعاملات الربوية، لتعيد إخراجها، بثوب (إسلامي) ممهور بختم (فقهاء)، لا (خبراء)، وتحمل أسماء (التورق) و (المرابحة) و (التمويل) و (الصكوك)، لا (الفائدة) و (الهامش) و (السندات) و (الكمبيالات).

 
     إن على المجامع الفقهية، والمتخصصين من المفتين بشؤون الاقتصاد، أن يمحضوا النصح للمسلمين، ويحملوهم على ما حملهم عليه نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في خطبته البليغة، الصريحة، الواضحة، وألا يتذرعوا بدعاوى(التيسير) و (التدرج) لتأنيس الربا، وتسليكه بين المسلمين، فلن يزيدهم ذلك، كما يشهد الواقع، إلا تتبعاً للرخص، وإمعاناً في الربا، (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة/28]. وقى الله المسلمين مغبة الربا، وشؤم عاقبته.

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )