• ×

د. أحمد القاضي

تجديد الخطاب السلفي [5 - (الأخير)]

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:

فقد انتهى بنا المطاف في تعداد السمات اللازمة لتجديد الخطاب السلفي، إلى الحديث عن السعة والشمول. وهذا متصل بالحديث عن سمة ضرورية في كل حين، وفي هذا الزمان بصورة أشد.

 

سادساً: الائتلاف، والاجتماع

من أصول أهل السنة والجماعة، الدعوة إلى الوحدة، والائتلاف، ونبذ الفُرقة، والاختلاف. وقد جاء بذلك ناطق الكتاب، وصحيح السنة:

- قال تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران : 103]، ثم أردفه بقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران : 105]،

- وقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى : 13].

- وقال نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (لاََ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ) متفق عليه. وأمثال هذه النصوص كثير.

وتأسيساً على هذه الأصول، وسعياً نحو هذه المقاصد، لا بد أن يكون الخطاب السلفي التجديدي، مسكوناً بروح الوحدة، والتأليف، بريئاً من لوثة الفرقة، والتحزيب. فلا بد أن ينعتق دعاة السلفية من كل ولاء، وانتماء، يتنافى مع الولاء لله، ولرسوله، وللمؤمنين. قال تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة : 55].

 

لقد كان مذهب أهل السنة والجماعة مستقراً على طاعة ولاة الأمر؛ أبراراً، كانوا أم فجاراً، وعلى ترك الخروج على السلاطين، والسمع، والطاعة بالمعروف، والصبر على جور الولاة، حقناً للدماء، وتسكيناً للدهماء. والتزم أهل السنة، من بعد فتنة ابن الأشعث، بهذا المبدأ الصارم، وأثبتوه في متونهم العقدية، واعتصموا بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - : (وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) متفق عليه.

 

وحين انفرط نظام الخلافة الإسلامية الشاملة، وتكونت الدول المدنية الحديثة، اختلط الأمر، وصار الدعاة في حيص بيص، مع أنفسهم، ومع الأنظمة الحاكمة، بسبب الاختلاف في تكييف الأوضاع الجديدة. فنشأت خصومة، وقطيعة بين (الإسلاميين) والأنظمة، من جهة، وبين التوجهات الإسلامية، من جهة أخرى. وأعقب ذلك قلاقل، وفتن، وضعف، وفشل، واحتراب داخلي، استنفذ الطاقات، والْتهم المقدَّرات. قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال : 46].وتكونت (أدبيات) مشحونة، متوترة، في الخطاب الدعوي، سواء مع الأنظمة، أو مع المخالفين من الدعاة. ولا زالت الأمة تجتر هذه الويلات، وتهدر الأرواح، والطاقات، ويغذي ذلك أطراف خارجية متربصة، وجهات داخلية مندسة.

 

لابد من الخروج من (عنق الزجاجة)، والتخلص من هذه الدوامة التي تلف في إعصارها كثيراً من شباب الأمة، وعلماءها أحياناً. ولا ريب أن الاتجاه السلفي جزء في هذه المعضلة، يشارك بعض أفراده في تعقيدها، من حيث يشعر، أو لا يشعر.

 

قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، رحمه الله:

(قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ فَقِيهَيْ الصَّحَابَةِ : عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : " ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَحْفُوظِ: "إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ".

فَقَدْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ:

1- إخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ،

2- وَمُنَاصَحَةِ أُولِي الْأَمْرِ،

3- وَلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.

وَهَذِهِ الثَّلَاثُ تَجْمَعُ أُصُولَ الدِّينِ، وَقَوَاعِدَهُ، وَتَجْمَعُ الْحُقُوقَ الَّتِي لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ، وَتَنْتَظِمُ مَصَالِحَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

 

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُقُوقَ قِسْمَانِ:

- حَقٌّ لِلَّهِ

- وَحَقٌّ لِعِبَادِهِ،

فَحَقُّ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَهُ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، كَمَا جَاءَ لَفْظُهُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ؛ وَهَذَا مَعْنَى إخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ.

 

وَحُقُوقُ الْعِبَادِ قِسْمَانِ: خَاصٌّ، وَعَامٌّ:

- أَمَّا الْخَاصُّ، فَمِثْلُ بِرِّ كُلِّ إنْسَانٍ وَالِدَيْهِ، وَحَقِّ زَوْجَتِهِ وَجَارِهِ ؛ فَهَذِهِ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قَدْ يَخْلُو عَنْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا خَاصَّةٌ فَرْدِيَّةٌ.

- وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْعَامَّةُ فَالنَّاسُ نَوْعَانِ:

         - رُعَاةٌ

         - وَرَعِيَّةٌ ؛

    فَحُقُوقُ الرُّعَاةِ مُنَاصَحَتُهُمْ؛ وَحُقُوقُ الرَّعِيَّةِ لُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُمْ لَا تَتِمُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ، وَهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ؛ بَلْ مَصْلَحَةُ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ فِي اجْتِمَاعِهِمْ، وَاعْتِصَامِهِمْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) [مجموع الفتاوى  (1 /18- 19)]

 

يجب صياغة خطاب (مصالحة) بين المؤمنين، والكف عن الشجار، والدعوة إلى الوحدة والائتلاف، ونبذ التفرق والاختلاف، على ثلاث مستويات :

الأول : مع أنفسهم: فيكفوا عن التنقير، وتلقط الزلات، وافتعال الخصومات، ويستعيذوا بالله من شرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحذروا من (الشهوة الخفية)، وهي (حب الترؤس)، و(تكثير الأتباع).

ومن لازم ذلك، الكف عن السجال الكلامي، وتدبيج الردود، ذات العناوين المسجوعة، التي تعج بها رفوف المكتبات، وغرف الصوتيات.

ومن لازم ذلك، التلاقي، والتغافر، والتعافي، وتوحيد المواقف، وترتيب الأولويات، وعدم التشاغل بالمتشابهات، والتعاون على إقامة الدين، وعدم التفرق فيه: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى : 13]  

 

الثاني: مع المخالفين، من المشمولين بوصف السنة: بالتناصح، والتعاون على البر والتقوى، والرد إلى الله والرسول في قضايا النزاع، كما أمر الله : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء : 59].

ومن لازم ذلك، أن ينأى الخطاب السلفي عن المخاشنة، ويتخفف من العبارات الحادة، ويضبط معادلة (القوة في الحق، والرفق بالخلق).

ومن لازم ذلك، أن يميز الخطاب السلفي بين ألوان الطيف، بدقة، ولا يحشر المخالفين في خندق واحد، ولا يستعدي المسالمين، ولا يستكثر من الخصوم.

 

الثالث:  مع الحكومات والأنظمة القائمة: بالتقارب، والتناصح، والانخراط في الهم المجتمعي العام، وعدم الاقتصار على (أجندة) معينة، بل المساهمة مع أجهزة الدولة الحديثة في إصلاح المجتمع، وتقويته، لننهض جميعاً، فنحن من البداية، وحتى النهاية، شركاء في الدين، واللغة، والتاريخ، والجغرافيا. ولا يمكن أن يتم هذا الالتحام المنشود مع بقاء روح الشك، والتربص، بين الطرفين.

ومن لازم ذلك، البعد عن المصادمة، والعمل في وضح النهار، وتجنب تكوين التنظيمات السرية، التي تحمل أولي السلطان على الإيقاع بها، واعتقال أفرادها، وخسران الأمة لمكونٍ مميز من مكوناتها.

ومن لازم ذلك، الصبر على ما يقع من منكرات، ومكروهات، مع دوام بذل النصيحة، والإصلاح، والنظر في عواقب الأمور، ومآلاتها، كما قال شعيب، عليه السلام: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود : 88]

 

قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، رحمه الله:

 (فَظَهَرَ أَنَّ:

- سَبَبَ الِاجْتِمَاعِ وَالْأُلْفَةِ: جَمْعُ الدِّينِ وَالْعَمَلُ بِهِ كُلِّهِ ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا أَمَرَ بِهِ بَاطِنًا ، وَظَاهِرًا .

- وَسَبَبُ الْفُرْقَةِ: تَرْكُ حَظٍّ مِمَّا أُمِرَ الْعَبْدُ بِهِ، وَالْبَغْيُ بَيْنَهُمْ.

- وَنَتِيجَةُ الْجَمَاعَةِ : رَحْمَةُ اللَّهِ ، وَرِضْوَانُهُ، وَصَلَوَاتُهُ، وَسَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبَيَاضُ الْوُجُوهِ.

- وَنَتِيجَةُ الْفُرْقَةِ:عَذَابُ اللَّهِ، وَلَعْنَتُهُ، وَسَوَادُ الْوُجُوهِ، وَبَرَاءَةُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ) [مجموع الفتاوى (1/ 17)]

 

 هذا، والله المسؤول، وحده، أن يعز دينه، ويعلي كلمته، وما النصر إلا من عنده، وإليه يرجع الأمر كله، وهو الهادي، وهو المعين. والحمد لله رب العالمين.

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )