أ.د. أحمد القاضي

تجديد الخطاب السلفي [4]

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

فلا زال الحديث مستمراً في ذكر السمات التي يجب أن يتسم بها الخطاب السلفي المعاصر، ليلبي مقاصد الدعوة الإسلامية، ويسدد مسيرتها. وكان قد تقدم في الحلقات السابقة ذكر: الاعتصام بالكتاب والسنة، والوضوح، والعدل، والرحمة.

 

خامساً:السعة والشمول

لا بد أن يكون الخطاب بحجم المشروع. دين الإسلام مشروع الحياة الدنيا، المستوعب لكافة مناشطها، المنتظم لجميع تفاصيلها. قال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام : 162]. ورسالة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لجميع الناس، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف : 158]، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [سبأ : 28]، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء : 107]

 فلا يصح، بحال، اختزال هذا الخطاب، ليكون مشروعاً علمياً؛ فقهياً، أو حديثياً، أو أصولياً، وحسب، ولا أن يستحيل خطة إصلاح أسري، مجتمعي، فقط، ولا أن يصاغ مرافعةً حقوقية، وبرنامجاً سياسياً، وكفى، فضلاً عن أن يقصر على التهذيب الروحي، والسلوك الشخصي. إنه كل ذلك!

لا بد من التفريق بين (التخصص) الشخصي لفرد ما، ومضمون الدعوة التي ينخرط فيها ذلك الفرد. لا حرج أن يشتغل عالم، أو فقيه، أو مربٍ، أو مصلح اجتماعي، فيما فتح له فيه من أنواع التخصصات.

 كما لا يصح اختزال هذا المشروع، في خطاب حزبي لـ (جماعة)، أو بيان مناقبي لـ(طريقة)، أو تقريظ متعصب لـ(مذهب)، ولا أن يُحمل الكافة على نسق واحد، ويُساقون في سياق واحد، ويُصبُّون في قالب واحد، ويُستنسخون من شخصية واحدة، يعتريها القصور والتقصير.

إن دين الله أوسع من ذلك، فهو يستوعب البشر، والطاقات، والأذواق، والطبائع، ويوجه كل ذي فضل، ومنقبة، لسد ثغرة لا يسدها غيره، ويستعمله في إصلاح يليق به.

إن على الخطاب الدعوي الشامل، أن يستجمع عناصر الدين الواسع، ومفرداته، ولا يجتزئ، ولا يبتسر، ولا ينتخب، وفقاً لإسقاطات شخصية، أو محلية. وبعبارة أخرى، يجب أن يتضمن جميع مقاصد الدين الكامل، والشريعة التامة، ويرتاد آفاق الدنيا، بسعة، ورحابة، وقدرة على الاستيعاب.

وربما وقع من بعض الدعاة ضيق أفق، فقصروا مفهوم السلفية على بعض الممارسات، والأعمال التي هي منها، وليست كلها، وفاصلوا عليه، ووالوا، وعادوا، وأحبوا، وأبغضوا، فضيقوا واسعاً.

وربما وقع من بعض الدعاة ضيق عطن، فلم يحتملوا المخالف، دون تمييز بين درجات المخالفة، وضاقوا به ذرعاً، وطلبوا مواصفات دقيقة، ربما كان مبناها على الذوق، والمزاج، أكثر من العدل، والإحسان.

لقد استطاع هذا الدين، من خلال حَمَلته الأوائل الواعين، من الصحابة والتابعين، أن يستوعب شعوباً، وأعراقاً، وأمماً، وحضارات، برفق، وسلاسة، وان يذيبهم في بحره الخِضَم، ملتزمين بعقيدته الصحيحة، وشريعته العادلة، دون أن يسلبهم خصائصهم النوعية، ويحجر عليهم عاداتهم المباحة، فعاشوا قروناً متصالحين، كما تعيش جماعات الأسماك المتنوعة في المحيط العظيم.

وليس من لازم هذا التقرير، وهذا التصوير، أن يستحيل الدين مَضافَةً لكل عابر، وعباءةً تجلل كل من هب، ودب، كلا! ولكنه الخطاب العام، الواسع، الذي يطالب الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإنهم أجابوا لذلك، وانضووا تحت هذا الإطار الكبير، تفرغ لتفقيههم، وتربيتهم، وتتبع مواطن الخلل فيهم، وإصلاحهم.

حُدِّثتُ عن رجل استرالي، قصد أحد بلاد المسلمين، ليعتنق الإسلام، فتنازعته جماعتان؛ شافعية، وأحناف، كلتاهما تلح عليه أن يكون على مذهبها! ولا تعليق.

تتصدى جماعة إسلامية، مجاهدة، لقضية من قضايا المسلمين الكبرى، التي تهم عامتهم، وخاصتهم، فلا تكاد تتخلص من الخطاب الحزبي الخاص، في أدبياتها، وبياناتها، وبرامجها، فضلاً عن تشكيلاتها، وقياداتها، مما يسلبها كثيراً من الامتداد، والقبول.

ينشطر كثير من المنتسبين للتيار السلفي، في مناطق كثيرة، إلى شطرين متناحرين، وربما أكثر، تبعاً لفلان، أو علان، أو اتباعاً لبعض المتشابه من المسائل المحدثات، وينسون ما تلقوه من الأصول السلفية العظيمة؛ في توحيد القصد، وتوحيد الاتباع.

كل هذه الآفات، والسلبيات، نشأت من جراء تضييق الخطاب، والهبوط من الأفق الأعلى إلى الحضيض الأدنى، والتشاغل بالمتشابه عن المحكم. وكان من نتيجة ذلك الانكفاء على الذات، والاستغراق في الخصومات، توقف الدعوة عن المجتمعات الكافرة، لانصراف الجهد إلى الاحتقان الداخلي.

إن على الخطاب السلفي المتجدد، وأعني صاغته، والناطقين به، أن يفتحوا أعينهم ملأ أحداقها، وآذانهم ملأ أسماعها، وأيديهم وسع باعها، وأرجلهم قدر خطوها، وقبل ذلك، عقولهم، وقلوبهم، وصدورهم، لتتسع رحمة للمؤمنين، ورحمةً للعالمين، وينعتقوا من أسر المشاريع الضيقة، والنظرات المحدودة، والقضايا الشخصية.

وهذه السمة، سمة الشمول والسعة، تُسلمنا إلى سمة أخرى، ضرورية في مشروع التقويم والتجديد، نتاولها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )