• ×

أ.د. أحمد القاضي

قواعد التدبر (القواعد العلمية)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فقد تقدم في حديث سابق بيان العلاقة بين (التدبر) و (العقيدة) ، وأنه الأداة التي تسلك مسائل الإيمان في نظام العقل السوي، وتقرها في سويداء القلب السليم. وأن أي محفوظات نصية لا تقترن بالفهم، والوعي، لا تعدو أن تكون (ظاهرة صوتية) ربما نالوا منها أجر التلاوة، وحسب، وربما كانت حجة عليهم، لا لهم.

     قال تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [البقرة : 78]، أي مجرد أحاديث،

     وقال ناعياً عليهم : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام : 91]، فأحالوا النور، والهدى، على قراطيس معطلة، وفقدوا الاستبصار، وصاروا مجرد حملة أسفار، قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [الجمعة : 5] .

     قال ابن القيم، رحمه الله:

     (فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة، والشوق، والخوفن والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب، وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات، والأفعال المذمومة، والتي بها فساد القلب، وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر، لاشتغلوا بها عن كل ما سواها. فإذا قرأه بتفكر؛ حتى مر بآية، وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها، ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر، وتفهم، خير من قراءة ختمة بغير تدبر، وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1 / 187)

     وما كان الله ليأمر عباده بأمر، إلا وهو تحت الطوق والقدرة، و إلا قد فتح لهم من الأسباب، والأبواب، ما يمكنهم من بلوغه. وقد اعتنى المتقدمون، والمتأخرون، من أهل العلم ببيان تلك طرائق التدبر، وأسبابه، ومفاتيحه. والمتأمل فيها، يجد أنها تؤول إلى نوعين : علمية، وعملية.

 

القواعد العلمية

     أولاً : العلم بأن القرآن كلام الله:

     إن امتلاء القلب بهذه العقيدة، ويقينه الراسخ بأن هذا الكلام المتلو، هو كلام رب العالمين، الذي نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، ليهيؤه أحسن تهيئة، ويكيِّفه أدق تكييف، لاستقباله، وتلقيه، وتدبره.

     إن هذه العقيدة العتيدة (القرآن كلام الله) التي نافح السلف الكرام في سبيل تقريرها، والذب عنها، لها من الآثار العظيمة في منهج التلقي، والاستدلال، والتأثر، والقبول، ما لا يحيط به وصف. فهي تورث القلب إجلالاً، وإكباراً، واحتفاءً، بهذا القول الكريم، وتفتح منافذ السمع، والبصر، والفؤاد، للتدبر، والاستبصار. قال تعالى : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)  [ق : 37]

     إن علم العبد بمصدر هذا القرآن العلوي، ووصفه الرباني، ليوجب له تأثراً، ظاهراً، وباطناً، ويستدعي فهماً، ووعياً. قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا . وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا . وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)  [الإسراء : 107 - 109]

     ومن صور استشعار هذا المعنى العظيم ما رواه الحاكم، والدارمي، والبيهقي، عن ابن أبي ملكية قال: كان عكرمة بن أبي جهل، يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه، ويبكي، ويقول: كلام ربي كتاب ربي.

     وإلى جانب ما يثمره العلم بأن القرآن كلام الله من المعاني القلبية الإيمانية، فإنه يسدد العقل، ويضبط مساره، فيمتلأ قناعة بأن كل حرفٍ من حروف هذا القرآن، وكل جملة، وكل آية، مقصودة لقائلها، معبرة عن معناها، ليس فيه حشو، ولا تزيد، لكونه من حكيم حميد.

     قال تعالى: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]،

     وقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء : 87]،

     وقال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)  [النساء : 122]،

     وقال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء : 82].

     فلما اعتصم أهل السنة بهذه العقيدة، فتح الله عليهم كنوزه، وعصمهم الله من مزالق التعطيل، والتأويل، والتمثيل، والتجهيل، في كلام الله، وسلموا من إخضاعه لمطارق النقد التي يضرب بها اللاهوتيون التوراة والإنجيل، ويتدسس بها المتكلمون لتحريف النصوص على ما يوافق أهواءهم.

     فينبغي لمن استفتح كلام الرحمن أن يستشعر جلالة المقام، ويضع نفسه في موضع العبودية. يروى عن مسلم الخواص، قال: (كنت اقرأ القرآن، فلا اجد له حلاوة. فقلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجاءت حلاوة قليلة. ثم قلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعتيه من جبريل، عليه السلام، حين أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فازدادت الحلاوة. ثم قلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعتيه، من الله سبحانه وتعالى، حين تكلم به. فجاءت الحلاوة كلها) حلية الأولياء: 8 : 279

 

     ثانياً : العلم باللغة :

     قد أنزل الله القرآن (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء : 195]، لأن (العربية) لغة ذات دلالات، واشتقاقات واسعة، لا تدانيها لغة من لغات بني آدم. وجعل رسوله من أفصح الناس لساناً، وأبينهم بياناً.

     قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [إبراهيم : 4]،

     وقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى : 7]

     فكان لزاماً على من أراد فهم مراد الله، أن يعرف معاني ألفاظها، وتراكيبها، ويتذوق أساليبها، ويحسن إعرابها. ويحصل ذلك رأساً، بمطالعة كتب التفسير التي تعنى باللغة، والبيان، والإعراب، حتى ينشأ لدى المتدبر ذائقة رائقة، تستطعم المعاني المباشرة، واللازمة.

 

     ثالثاً : العلم بمقاصد القرآن العامة :

     لا بد للمتدبر أن يستصحب الغايات العظمى التي لأجلها نزل القرآن؛ من توحيد الله، ونبذ الشرك، واتباع الرسول، والإيمان بالمعاد، والعمل الصالح. فلا يستقيم للمتدبر أن يتصور القرآن كتاب لغة، أو فقه، أو أصول، أو تاريخ أو علوم كونية، وإن كان ذلك يحصل تبعاً. لكن الأصل العظيم الذي لأجله نزل القرآن، إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

     قال تعالى : (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم : 1]

 

     رابعاً: العلم بالتاريخ :

     نزل القرآن الكريم في ظرف زماني، ومكاني، معين. ونزلت آياته منجمة على الوقائع والأحداث؛ تمهيداً، ومواكبةً، وتعقيباً، إخباراً، وإنشاءً. ولا يتم للمتدبر تملي معاني الآيات بمعزل عن إدراك الواقع التاريخي، والاجتماعي، والسياسي، للبشرية عامة، وعرب الجزيرة خاصة، وقت تنزل القرآن، بل معايشة وقائع السيرة النبوية. وهذا ما عرف لدى المشتغلين بعلوم القرآن بعلم (أسباب النزول).

     إن على المتدبر العميق، الدقيق، أن ينغمس في أحداث تلك الفترة المميزة، ويتصور نفسه في شعاب مكة، وحرار المدينة، ويتقمص شخصية من شهد بدراً، وتذوق النصر العظيم، ويتلبس بشعور من حضر أحداً، وتلقى الدرس البليغ، ورابط على حافة الخندق يرشق الأحزاب بالنبل، كي لا يقتحموه، وزلزل زلزالاً شديداً.

     هذا العلم بالتاريخ، ينشئ تكيفاً نفسياً منفتحاً لتدبر الآيات، واستنباط المعاني، والفوائد، والعبر، لا يقع لمن جهله، ولا يقدح زناد فكره.

تلك قواعد علمية ضرورية لتحقيق التدبر المطلوب. وسوف نردفها إن شاء الله، بذكر قواعد عملية، تعين على حصول المقصود. والله الموفق. 

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )