• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة واللغة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن (اللغة) وعاء (الدين)، وقناته التي يصل من خلالها إلى العقول، ويستقر في القلوب، قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [إبراهيم : 4]. وحين أراد الله تعالى، بسابق علمه، وحكمته، إكمال الدين، وختم النبوة، اختار أعظم نبي، بأعظم لغة، لينزل أعظم كتاب، لتحمله أعظم أمة؛ فكان محمدُ صلى الله عليه وسلم، يتلو صحفاً مطهرة، بلغة العرب، على خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) [الشورى : 7].

واصطفاء الله تعالى، للغة العربية، لتكون كلامه الذي خاطب به عباده، وقرآنه الذي ضمنه مراده، دليل على شرف هذه اللغة، وسعة معانيها، وكثرة اشتقاقاتها، ولطيف دلالاتها، كما عبر عن ذلك، حافظ إبراهيم، رحمه الله بقوله، على لسانها :

وسـعت كتاب الله لفظاً وغاية *** وما ضـقت عن آيٍ به وعظات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

 

ومنذ نزول القرآن، صار للغة العربية، بعداً عقدياً، وخصوصية إيمانية. فلا تصح صلاة امرئ، مع القدرة، حتى يحسن الفاتحة، ولا تقرأ الأذكار، والأدعية المخصوصة، في الصلاة، وخارجها، إلا بتعلم العربية، ولا ينبغ الصبي في الكتَّاب، ولو كان أعجمياً، حتى يحفظ القرآن، ولا يعد من العلماء حتى يعرف تفسيره، وتفسير كلام النبي العربي. فصارت محبة العربية شرفاً، وديناً، وبغضتها زندقة، وشعوبية.

ولم يكن من لازم ذلك أن تتخلى الشعوب عن لغاتها، كما يفعل المستعمرون مع المستضعفين من الشعوب المغلوبة، كلا! لقد ترك لهم الإسلام حرية التحدث، والكتابة، بلغاتهم الحية، ولكن اللغة العربية صارت، وبصفة سلسلة تلقائية، لغة العلم، والثقافة، لتلك الشعوب، وما زالت، وصار الناطقون بها محل الإعجاب والغبطة.

وحين غشى الاستعمار الأوربي معظم البلاد الإسلامية، وشعر بهذه الرابطة الإيمانية، الثقافية الموحدة، التي تجمع مسلمي أواسط آسيا، مع مسلمي أواسط أفريقيا، وسكان تركيا، وأوربا الشرقية، مع القاطنين في جزر الملايو وجاوه، أدرك أن من أهم سبل توهين هذه الرابطة، إضعاف اللغة العربية، وإذكاء القوميات المحلية، لحلحلة الانتماء الإسلامي، الذي يسري عبر مفاصل اللغة. وهكذا وقعت القطيعة بين شعوب، وقوميات، وأعراق، كانت تجمعهم ثقافة واحدة، مع العرب، حملة الإسلام، وحاضني لغة القرآن. وأحلُّوا بدلها لغاتهم الأوربية؛ من انجليزية، وفرنسية، وأسبانية.

واليوم، تتعرض العربية، في عقر دارها، وفي عمق مجتمعاتها، لحملة منظمة، ماكرة، لإشاعة العجمة، وإقصاء الفصحى، تحت ستار التمدن، والتقنية، والتواصل الحضاري. ومن صور ذلك :

1- لقد بات كثير من ذراري المسلمين يرمقون المتحدث باللغة الإنجليزية، أو الفرنسية، بنظرة الإعجاب، بينما كان السلف الصالح، يعدون الرطانة نوعاً من النفاق!

2- تحولت كثير من المصطلحات اليومية إلى مصطلحات أعجمية، وصار كثير من أصحاب التخصصات؛ بوعي، أو بغير وعي، يفضلون التعبير عن مقاصدهم، باللغة الأجنبية، مع توفر الكلمات، والتراكيب العربية التي تغني عن العجمة.

3- شاع عند الكثيرين أن تعلم اللغة الإنجليزية بات ضرورة! وأنه لا سبيل لفهم الأدوات، والمخترعات، ومتابعة اليوميات، إلا بإتقانها.

4- صار كثير من الساسة العرب، ومن دونهم، يتحدثون في المحافل العالمية، واللقاءات الإعلامية بلغة القوم، بينما يأنف الآخرون أن يتحدثوا بلغة غير لغاتهم القومية، ويعتبرون ذلك خيانة وطنية، ولو كانوا يتقنونها.

5- فشت في السنوات الأخيرة حمى الدعوة إلى تعلم الإنجليزية، في معاهد تعليم اللغة في انجلترا، أو أمريكا، أو استراليا، وإغراء الناشئة، بل إغواؤهم بقضاء الإجازات في ربوع تلك البلاد، بغرض تعلم اللغة. وتنطلي هذه الحيلة على كثير من البسطاء، والسذج، والمبهورين، من الآباء، والأمهات، فيلقون بفلذات أكبادهم؛ من مراهقين، ومراهقات، في مهاوي الردى، ومراتع الرذيلة. وما دروا، ولا ينبئك مثل خبير، أن تلك المعاهد لا تعلم اللغة فقط، بل تعلم نمط الحياة، وتصبغ المنخرط فيها بثقافة اليهود، والنصارى، والملحدين. فهم يسوِّقون تعليمهم من خلال الرحلات المختلطة، والحفلات المستهترة، والعلاقات المحرمة، والإقامة بين عائلات كافرة، لا يضبطها ضابط من دين أو خلق، سوى دين الحرية الشخصية.

 

إن هذا الخطر الداهم يرمي إلى سلخ الأمة لا من لغتها، وحسب، بل من دينها، وعقيدتها، لتكون ذيلاً، وتبعاً، للأمم الكافرة المتغلبة. وإن على من بسط الله يده في توجيه السياسة العامة للأمة، أن يتبين الأبعاد الخطيرة التي يفضي إليها تغريب المسلمين، وتوهين لغتهم. وعلى حملة الأقلام العربية، أن يمتشقوا أقلامهم لتعزيز مكانة اللغة، والذب عن مكانتها، ولهم في حافظ إبراهيم أسوة حسنة، حين ثارت حميته العربية، الدينية، لنقد هذه الظاهرة التي أطلت برأسها في زمانه، واستوت قائمة في زماننا. فلنردد مع حافظ، حفظ الله لغة العقيدة، هذه الأبيات الوفية :

رجعت   لنفسي  فاتهمت  حصاتي        وناديت   قومي  فاحتسبت  حياتي
رموني   بعقم  في  الشباب  وليتني        عقمت  فلم  أجزع  لقول  عداتي
ولدت    فلمالم    أجد   لعرائسي        رجالاً    وأكفاءً    وأدت    بناتي
وسعت   كتاب   الله  لفظاً  وغاية        ما   ضقت  عن  آيٍ  به  وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة        وتنسيق       أسماءٍ      لمخترعات
أنا  البحر  في  أحشائه الدر كامن        فهل  سألوا  الغواص  عن صدفاتي
فيا   ويحكم   أبلى  وتبلى  محاسني        ومنكم،  وإن  عز  الدواء،  أساتي
أيطربكم  من جانب الغرب ناعب        ينادي   بوأدي  في  ربيع  حياتي؟!
أرى  كل  يوم  في  الجرائد  مزلقا        من    القبر   يدنيني   بغير   أناة!!
وأسمع   للكتاب  في  مصر  ضجةً        فأعلم    أن    الصائحين   نعاتي!!
أيهجرني   قومي   عفا   الله  عنهم        إلى    لغة    لم    تتصل   برواة؟!
سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى        لُعَابُ   الأفاعي  في  مسيل  فرات
فجاءت  كثوبٍ  ضم سبعين رقعة        مُشَكَّلَةَ       الألوان      مختلفات
إلى  معشر  الكتاب والجمع حافل        بسطت  رجائي  بعد بسط شَكَاتِي
فإما  حياة  تبعث  الميت  في  البلى        وتُنِبتُ   في   تلك  الرموس  رفاتي
وإما    ممات    لا    قيامة    بعده        ممات   لعمري   لم   يُقَسْ   بممات

 

 

حفظ المقال

 



التعليقات ( 0 )