• ×

د. أحمد القاضي

الطبوليات

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فقد كان يقال : (زلة العالم مضروب لها الطبل) ، وذلك أن المتصدرين للعلم والفتيا، كانوا قليلاً، وقلَّ أن يخرجوا عن الجادة. فإن فلت من أحدهم هفوة لسان، أو زلة قلم ، قام فريق المطبلين بنشرها في الخافقين، ورفع الناس إليهم أبصارهم. وقد بتنا في زمن كثر فيه المتصدرون للعلم، والفتيا، بحق، وبغير حق، وأرصد الطفيليون؛ من الإعلاميين، أنفسهم لاستنطاق الصامتين، واستثارة الخاملين، ليوعبوا أوعيتهم الإعلامية، بما هب، ودب، ونفع، وضر، وأرخوا أسماعهم لكل حس، وخبر، ثم طفقوا يضربون أقوال العلماء بعضها ببعض، وينشبوا أضفار بعضهم، بلحوم بعض. وبات الناس في حيص بيص ! فـ(التطبيل الإعلامي) جزء من المهارة الإعلامية، في قانون الإعلاميين المعاصرين، الذين يقيسون النجاح بالإثارة، لا بالأمانة.

 

     إن ما يجري بين الفينة والفينة، من ضجيج إعلامي، حول بعض الفتاوى النشاز، وما يستتبع ذلك من إشغال العامة، والخاصة، وكثرة القيل والقال، واللغط الذي يصرف عن المصالح العليا، ويوقع في التنابز بالألقاب والفرقة، ليستدعي بضع وقفات :

أولاها : أن على أهل العلم والإيمان أن يتقوا الله فيما يأتون، وما يذرون، وألا يستجرينهم الشيطان إلى مزالق، وتزيينات، موهومة. إن على (المفتي) و (المتحدث) أمام الملأ، أن يضبط عباراته، ومقالاته، وأن يستعمل الحكمة، وينظر في مآلات الأمور. ولا ينبغي للعالم الحصيف أن يفوه بكل شيء، وأن يتكلم في كل قضية، فضلاً أن ينبش أمراً دفيناً، أو يزلزل فضيلة مستقرة، لرأي رآه، كما تقدم بيانه في حديث سابق بعنوان (العقيدة والفتيا). فليراجع !

الثاني : أن يدرك المتصدرون أن إدارة دفة الكلام، لا يصح أن توكل إلى بعض المتحذلقين، من الإعلاميين، الذين لا هم لهم سوى الإثارة، والصعود على أكتاف الآخرين، وجذب الأضواء لأشخاصهم، وبرامجهم من خلال الاستضافات الموجهة، والأسئلة المبيتة. ينبغي لمن انتدب لهذه المهام الدعوية أن تكون له أهدافه المستقرة، ومقاصده البينة، التي تضيء له هذه الآفاق المظلمة. حري بالعالم الواعي ألا تستفزه أساليب الإعلاميين، وإغراءاتهم، وتغريراتهم إياه، بوصفه بالمتنور، المتحرر، المجتهد، فيجرونه على السهل، والوعر، فيما يشتهون.

الثالث : على بقية أهل العلم ألا يقعوا في الفخ أيضاً، فيستدرجون إلى مناكفات، وخصومات، وملاسنات أمام العامة، يكون الخاسر الأكبر فيها، الهيئة العلمية المشتركة، التي لا يميز فيها الجمهور ألوان الطيف العلمي. وهذا لا يعني أن يعقل العلماء الراسخون ألسنتهم، ويغمدون أقلامهم، عن بيان الحق، كلا ! بل عليهم أن يبينوا للناس ما أنزل إليهم من ربهم، بأسلوب عفٍّ، كريم، لا يتضمن تجريحاً شخصياً، ولا طعناً في النوايا، إلا في حق من تمحض للبدعة، ودعا إلى الفجور.

إن اللغة العجلى الجائرة، لتقضي على بهاء الحق، ورونقه، وتحمل بعض النفوس على الانتصار للمبطل، الذي بات في موضع التقريع والتهمة. في حين أن اللغة المتأدبة العفة، تأسر الخصم، فضلاً عن المراقب. وقد قال بعضهم :

وأحب كل مهذب ولو أنــه             خصمي وأرحم كل غير مهذب

يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى               حـب الأذية من طباع العقرب

    وفي حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا،وَلاَ مُتَفَحِّشًا،وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا.رواه البخاري. وربما أدى الرد العنيف، والغلظة في القول، إلى نوع من العزة بالإثم، تحمل المخطئ على الإصرار على باطله.

     إن أمثل طريقة لمواجهة الفتاوى الشاذة، والمقالات المنحرفة، أن يبادر أهل العلم والإيمان، والمرجعيات المعتبرة إلى البيان الواضح، وألا يمهلوا، فيدعوا الناس لقمة سائغة للخبط، واللغط، فتكبر دائرة المتشابه.

الرابع : يجب على العقلاء، وإن لم يكونوا علماء، أن يحاصروا الشائعات، ولا ينفخوا في صورها، بل يميتوها في مهدها، بالتغاضي الواعي، والكف عن التداول. فإن طف الصاع، وطغى الماء، استعانوا بالله في كبح جماحها، وتخفيف آثارها. والله الموفق.

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )