• ×

د. أحمد القاضي

كنيس الخراب أم خراب الكنيس

د. أحمد القاضي

 0  0  1.0K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فقد اجتاحت أرض فلسطين خلال الأسبوع المنصرم، ولا تزال، حالة كرب، وصدام، تضاف إلى المعاناة المستمرة، التي يواجهها المسلمون في الضفة الغربية، وقطاع غزة، على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلية، بسبب (تدشين) كنيس يهودي، في محيط المسجد الأقصى، وما رافقه من اقتحام لآلة القمع اليهودية لباحات المسجد الأقصى، والاعتداء على المصلين، وحرمانهم من الصلاة فيه، وتمكين اليهود الأشد تطرفاً، إذ كلهم متطرفون، من تدنيس المسجد.

     وفيما يعاني إخواننا المستضعفون، في تخوم المسجد الأقصى، والعاكفون فيه، صنوف الأذى والإذلال، وتتناقل وسائل الإعلام، بالصوت والصورة، لقطات الضرب، والدفع، والمنع، والتفتيش، التي طالت الشيوخ والعجائز، ناهيك عن قصف جوي هنا، وهناك، تنقل مشاهد إخوان القردة والخنازير، وهم يرقصون طرباً لافتتاح كنيسهم المزعوم، تمهيداً لإقامة كنيسهم الأكبر (الهيكل).

     ويقف المسلمون على امتداد خطوط الطول والعرض من الكرة الأرضية، مشدوهين، مبهورين، لا يحيرون جواباً، ولا يحركون ساكناً، سوى اعتراضات، واحتجاجات، ودعوات، وبيانات، تمثل الحد الأدنى من الواجب. ويتساءل المؤمن المكروب : (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) ؟ فيرن في أذنيه الجواب : (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) . نعم ! إن نصر الله آت، ولا بد للغمة أن تنقشع، ولا بد لليل أن ينجلي، لكن فرحة الولادة لا تعفي من آلام المخاض.

     إن من (الفأل الحسن) أن سمى اليهود كنيسهم بهذا الاسم، ونسبوه إلى الخراب! كما تفاءل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح من حديث أنس، رضي الله عنه قال: خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ، وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ : فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ، وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ! مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّهُ أَكْبَرُ.خَرِبَتْ خَيْبَرُ. إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)

     ولئن كان فأل نبينا صلى الله عليه وسلم، مقروناً بفعل الأسباب الشرعية؛ من أخذ الأهبة، والاستعداد، فإن فألنا مبني على سنن الله الكونية، المتعلقة بإهلاك الظالمين عامة، وبني إسرائيل خاصة. فقد توعدهم الله باللعنة والغضب، وسوء العذاب، فقال : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)[الأعراف: 167

وقال: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)البقرة:61 وحقق عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوعيد، بعد أن منحهم الفرصة الأخيرة، فأبوا، فقد روى ابن حبان والحاكم، والطبراني، وغيرهم، عن عوف بن مالك الأشجعي، رضي الله عنه، قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة، يوم عيدهم، وكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر اليهود! أروني اثنى عشر رجلاً، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء، الغضب الذي غضب عليه)، قال: فأمسكوا، وما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه أحد، ثم ثلث، فلم يجبه أحد. فقال: (أبيتم! فوالله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى، آمنتم، أو كذبتم).

     لقد تمادى اليهود في طغيانهم، وليست بأولى سوءاتهم، وكما قيض الله لهم على مر القرون من يسلط عليهم : (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا.فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) [الإسراء : 4 ، 5]، فسوف يقيض لهم يداً من الحق حاصدة، تستأصل شأفتهم، وتطهر الأرض من رجسهم. إنها اليد المتوضئة، التي ترفع سبابتها قائلةً (لا إله إلا الله).  (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ.بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)  [الروم : 4 ، 5]



التعليقات ( 0 )