• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والفتيا

د. أحمد القاضي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن (الفُتْيَا) أو (الفَتْوَى)، ضرورة، أو حاجة، للفرد، والأمة؛ إذ أن مدارها لغةً، واصطلاحاً على البيان، والإيضاح، المبني على الدليل المعْلِم.

وقد عرفها الفقهاء، والأصوليون، بأنها : ( الإخبار بحكم الله تعالى عن دليل شرعي) . وهي أعم من (القضاء) لتعلقها بجميع مسائل الدين، بينما يختص القضاء بالمعاملات.

ولا غنى للأمة عن المفتين، لدلالتهم على أحكام الدين. ومن هنا كان مقام (الإفتاء) خطيراً، ومنزلة (المفتي) عظيمة. وقد تولى الله تعالى، هذا الأمر بنفسه، حين قال: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ) [1]، وعهد به إلى نبيه الكريم، فقال : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) [2]، وأحال إلى صالحي خلقه من أهل العلم، فقال : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)[3]. فكان المفتون، هم (الموقعون) عن رب العالمين، كما أشار إلى ذلك ابن القيم، رحمه الله، في عنوان كتابه الحافل : ( إعلام الموقعين عن رب العالمين) ، وقال : (وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات ؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب، أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق، والصدع به؛ فإن الله ناصره، وهاديه. وكيف ! وهو المنصب الذي تولاه رب الأرباب؛ فقال تعالى : ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) [4]، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه، شرفاً، وجلالةً، إذ يقول في كتابه: ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ )[1]. وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غداً، وموقوف بين يدي الله) [5].

ولأجل هذا البعد العقدي، الإيماني، وضع العلماء الشروط الثقال، للتأهل لهذه الوظيفة الشريفة، الخطيرة، في آن واحد. وكان سلف هذه الأمة؛ من الصحابة، والتابعين، يتوقون الفتيا، ويتدافعونها بينهم، ولهم في ذلك آثار معلومة، ومواقف مشهورة. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى، رحمه الله: ( أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المسجد، فما كان منهم محدث، إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) [6].

وقد كان الناس، إلى عهد قريب، يرجعون فيما يعرض لهم إلى علماء مبرزين، وجهات مذهبية معتبرة، ويصدرون عن فتياها، بثقة، واجتماع كلمة. وحين اتسع الحال، وزاد الاتصال بين أهل الأرض، واستشرفت وسائل الإعلام من يحسن، ومن لا يحسن، واستشرف بعض طلاب الشهرة والتصدر، هذه المنابر الإعلامية، تبلبلت الفتوى، وتضاربت الأقوال، وغدا الناس في حيص بيص.

وقد كان يقال : ( زلة العالم مضروب لها الطبل) ، ويحذَّر من (زيغة الحكيم)، فكيف حين لا علم، ولا حكمة ؟! . لقد طفح على السطح أقوام يفتقرون إلى العلم، والحكمة، معاً، أو إلى احد هذين الوصفين، وجدَّف لهم أناس جمعوا بين الشهوات، والشبهات معاً، أو أحد هذين الوصفين، فآل الأمر إلى فتنة، وفساد كبير.

لقد انتدب للفتيا أناس لم يُعْرَفوا إلا بالشاذ من القول، ولم يشتهروا إلا به ! فأفتوا بحل الربا، وحلق اللحى، وسقوط صلاة الجماعة، وجواز إسبال الثياب، وتسويغ اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك ، وكأنهم معنيون بتتبع الشذوذ، وجمع الغرائب، مكلفون بحمل أوزار الذين يضلونهم بغير علم .

وربما لا يعوز بعض المفتين علمٌ بمسالة ما ، لكن تنقصه الحكمة، ومراعاة المصالح والمفاسد، واختلاف الأحوال، والتفريق بين الفتيا العامة، والفتيا في قضية عين.

ليس من الحكمة لمن ظهر له وجه رخصة في مسألة خلافية، وقد اعتاد الناس على الأخذ بالأحوط، وربما الأرجح، أن يهبط بهم إلى المشتبه، وربما المرجوح. وقد كان يسعه أن يعبر بما يبقيهم على الفاضل، دون أن يخل بما ظهر له. ومن أمثلة ذلك: الفتيا بعدم وجوب صلاة الجماعة في المساجد، عند قوم استقرت في قلوبهم هذه الشعيرة العظيمة. أو تهوين حلق اللحى، في مجتمع يعظم سنة المصطفى.

ليس من الحكمة أن يبسط خلاف العلماء للعامة، ولا يتبع ذلك ببيان القول الأسعد بالدليل، والتعليل، وكأنما الفتيا (مزاد علني) .

ليس من الحكمة أن يكون الدافع للفتيا، هو طلب التيسير على الناس، بل ينبغي أن يكون الباعث لها طلب إصابة الحق، فحيثما أصاب الحق، فثمَّ التيسير.

ليس من العلم، ولا الحكمة أن يتخذ المفتي، بصفة آلية، موقفاً متوسطاً بين الفتاوى المطروحة، فقد يكون الحق متمحضاً في أحد الجانبين. فالعبرة بالدليل.

وجماع القول أن (الفتيا) دين، ومزاولتها (عبادة) تفتقر إلى (إخلاص) مترفع عن كل شائبة من حظوظ النفس، ومدح الناس، وإلى (متابعة) صادقة في إدراك مراد الشارع طاعةً للحق، ونفعاً للخلق. والله أعلم.

 


(1) النساء: آية 176

(2) النحل: آية 44

(3) النحل: آية 43 ، الأنبياء: آية 7

(4) النساء: آية 127.

(5) إعلام الموقعين: 2/16-17 ط: ابن الجوزي

(6) رواه ابن المبارك في الزهد. ص: 19

 

حفظ المقال



التعليقات ( 0 )