• ×

أبو أحمد التابعي

الأُخُوّةُ في الله

أبو أحمد التابعي

 0  0  49
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الأُخُوّةُ في الله

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]

في هذه الآية، بيانُ أنَّ الله - سبحانه وتعالى - قد عقَد بين المؤمنين روابطَ الأُخُوّةِ القائمةِ على أصلِ الإيمان به، المحقِّقة للقرابة والمحبة، التي تحصُل من أخُوَّة النَّسَب؛ بل أقوى منها، إذ يجمعهم أصلٌ واحدٌ أقوَى من قرابة النَّسَب؛ وهو الإيمان، وقد قيل: "أُخُوَّةُ الدِّين أَثبَتُ من أُخُوَّةِ النَّسَب؛ فإن أُخُوَّةَ النَّسَب تنقطع بمخالفة الدِّين، و أُخُوَّةَ الدِّين لا تنقطع بمخالفة النَّسَب"([1])، فكان ذلك أَدْعَى إلى التواصُل والتراحُم، والتناصُر فيما بينهم، والقيام بالإصلاح بينهم؛ ليتحقَّق المنشودُ من الأُخُوَّة في الدِّين: وهو جلبُ الخير، ودفعُ الشر.

وقوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ): أي في عامَّة أموركم، وخاصةً حالَ إصلاحِكُم بين أخَوَيْكم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك لم تحملْكم التقوى إلا على التواصُل والائتلاف، والمسارعة إلى إماطة ما يفرُط منكُم، ومتى صدر ذلك منكم كنتم أهلًا لرحمته ومثوبته ورأفته عليكم؛ لذا حث الشارع المؤمنين على الحفاظ على هذه الأُخُوَّة، ونهى عن كل ما يعكِّرها ويُفسدها، ويكون سببًا للقطيعة فيها؛ فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 11-12]، وقال النبي ‘: " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ([2])، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا([3])، وَلاَ تَنَاجَشُوا([4])، وَلاَ تَحَاسَدُوا([5])، وَلاَ تَبَاغَضُوا([6])، وَلاَ تَدَابَرُوا([7])، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا"([8])، وفي رواية أنس -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ‘ "وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ"([9]).

والأُخُوَّةُ في الله لا تنقطع بنهاية هذه الدنيا، بل هي مستمرةٌ في الآخرة، يقول تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]؛  إذ هي من أعظم القربات لله تعالى، وبها يتقرب إلى الله زلفى، وللقيام بها يجب معرفة حقوقها حتى تخلو من نزغات الشيطان؛ فمن هذه الحقوق:

  1. محبة الخير بينهم، قال : "لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه"([10])
  2. المناصرة والتأييد والمؤازرة، قال : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ"([11]).
  3. بذل النصح بينهم، التواصي بالحق، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وتبيِينُ الطريق له، وإعانتُه على الخير ودفعُه إليه، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة:71].
  4. القيام بالحقوق العامة لهم، والتي منها ما نبه عليه النبي  في قوله: "حقُّ المسلمِ على المسلمِ ستٌّ"، قيل: ما هنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "إذا لقِيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأَجِبْه، وإذا استنصحَك فانصحْ له، وإذا عطِس فحمِدَ اللهَ فشَمِّتْهُ، وإذا مرِضَ فعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبِعْهُ"([12])، ومنها: لِينُ الجانب، وصَفاءُ السَّريرة، وطَلاقةُ الوجه، والتَّبَسُّطُ في الحديث؛ قال -‘: "لا تحقِرَنَّ من المعروفِ شَيْئًا، ولو أن تلقَى أخاك بوجهٍ طلِقٍ"([13])، والحرص على نبذ الفرقة والاختلاف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمةٌ ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير"([14]).
  5. دلالتهم على الخير، وإعانتهم على الطاعة، وقضاء حاجاتهم، وتفريج كربتهم، وإدخال السرور عليهم، والسعي معهم فيما يصلح شأنهم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"([15]).
  6. الدعاء لهم بظهر الغيب، قال : "دعوةُ المسلمِ لأخيه بظهرِ الغيبِ مُستجابةٌ، عند رأسِه ملَكٌ مُوكَّلٌ، كلما دعا لأخيه بخيرٍ، قال الملَكُ الموكلُ به: آمين. ولكَ بمِثل"([16]).
  7. تَلَمُّسُ المَعاذير، وقبولها.
  8. الحرص على تفقد أحوالهم والسؤال عنهم، عن النبي أنه قال: "أنَّ رجلًا زارَ أخًا لَهُ في قريةٍ أخرى، فأرصدَ اللَّهُ لَهُ على مَدرجَتِهِ ملَكًا، فلمَّا أتى عليهِ قالَ: أينَ تريدُ؟ قالَ: أريدُ أخًا لي في هذِهِ القريةِ. قالَ: هل لَكَ عليهِ من نعمةٍ تربُّها؟ قالَ: لا، غيرَ أنِّي أحببتُهُ في اللَّهِ عزَّ وجلَّ. قالَ: فإنِّي رسولُ اللَّهِ إليكَ، بأنَّ اللَّهَ قد أحبَّكَ كما أحببتَهُ فيهِ"([17])

كتبه

أبو يوسف محمد هلال

26ربيع الأول 1442هـ

 


([1])     تفسير القرطبي (16/323).

([2])     أي: ظن السوء بالناس، وقال سفيان: الظن الذي يأثم به أن يظن ظنًّا ويتكلم به، فإن لم يتكلمْ يأثمْ.

([3])     وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا: التجسُّس: البحث عن باطن أمور الناس، وأكثر ما يقال ذلك في الشر، وقيل: التحسُّس بالحاء: أن يطلبَه لنفسه، وبالجيم: أن يطلبَه لغيره، وقال بعضهم: التجسُّس: البحث عن العوْرات، والتحسُّس: الاستماع.

([4])     قال أبو عبيد: "لا تناجشوا: هُوَ فِي البيع أَن يزِيد الرجل فِي ثمن السّلْعَة، وَهُوَ لَا يُرِيد شراءها، وَلَكِن ليسمعه غَيره فيزيد على زِيَادَته".

([5])     وحقيقةُ الحسدِ: تمنِّي نقل النِّعمة من غيرك إليك، فينبغي للمرء أنّ يسألَ اللهَ من فضله.

([6])     "لَا تَبَاغَضُوا" وحقيقة البغض: هي كراهية النفس للمرء وصفاته.

([7])     وَلاَ تَدَابَرُوا: لا تهاجروا، وقال الهرويّ: التدابر: التقاطع، يقال: تدابر القوم: أي: أدبر كل واحدٍ عن صاحبه.

([8])     البخاري (6066)، ومسلم (2563).

([9])     البخاري (6065)، ومسلم (2558)، وفي ذلك نصوصٌ كثيرة في السنة -لا يتسع المقام لذكرها هنا-.

([10])   البخاري(13)، ومسلم(45).

([11])   البخاري (6952).

([12])   مسلم (2162).

([13])   مسلم (2626)

([14])   مجموع الفتاوي (24/173).

([15])   مسلم (2699).

([16])   مسلم (2733).

([17])   مسلم (2567).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:25 مساءً الأحد 23 رجب 1442 / 7 مارس 2021.