• ×

د. أحمد القاضي

تأملات في تصريحات ليبرمان ضد السعودية

د. أحمد القاضي

 0  0  935
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فقد نقلت عديد من وكالات الأنباء، والمواقع الإخبارية، خلال الأسبوع المنصرم، عن صحيفة «معاريف»، أنّ وزير الخارجية الإسرائيلي"افيغدور ليبرمان" قرر مؤخرًا شن حملة إعلامية، وقانونية، دولية، واسعة النطاق، ضد السعودية، بادعاء أن الأخيرة تقف وراء حملة عالمية لـ«نزع الشرعية» عن إسرائيل. وأشارت «معاريف» إلى أنّ الحملة ستشمل ممارسة ضغوط، وتنشيط مجموعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، في الولايات المتحدة، وأوروبا، وأماكن أخرى في العالم، ضد السعودية، من خلال طرح مواضيع، مثل حقوق الإنسان، ومكانة المرأة، وتمويل «الإرهاب»، موضحة أنّ إسرائيل تعتزم ممارسة هذه الحملة الإعلامية في الكونغرس الأميركي، والبرلمان الأوروبي، وأماكن أخرى، حتى أنها ستقدم شكاوى ضد السعودية إلى المحكمة الدولية.

     ووفقا لـ«معاريف»، فإن قرار ليبرمان جاء في أعقاب استنتاج توصلت إليه وزارة الخارجية الإسرائيلية، مفاده أن السعودية هي الجهة الأساسية التي تقف وراء الحملة العالمية لـ«نزع شرعية إسرائيل». ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سياسيين إسرائيليين، قولهم، في محادثات مغلقة، إن «السعوديين يبادرون، ويمولون قسما كبيرًا من الدعاوى في المحكمة الدولية، والمداولات العلنية، والمؤتمرات، والهجمات، والملاحقات ضد إسرائيل، في الولايات المتحدة، وأوروبا وأماكن أخرى في العالم.

     إن هذه التصريحات العدائية، في حق دولةٍ غير مجاورة، نشازٌ في سياق الدبلوماسية الإسرائيلية المعتادة، وخروج عن السياق الذي يتحاشى المواجهة المكشوفة مع العمق الإسلامي، والمساس بالوتر الحساس للأمة. فالمملكة العربية السعودية تمثل في ضمير أكثر من مليار من البشر قلب العالم الإسلامي، وقبلته، ومهبط الوحي، وبلاد الحرمين. كما أنها في نفوس النخب المستنيرة، الواعية، معقل السلفية، وحصن التوحيد، ودوحة العلم الشرعي. وبالتالي فالمساس بها نوعٌ من التصعيد الأحمق، لمسؤول يهودي أرعن، ينتمي إلى حكومة متطرفة، تمارس مع شعب فلسطين اضطهاداً غير مسبوق، وتسرع بمواجهات خطيرة، مبيتة، حول المسجد الأقصى.

     كما أن التصريح يمنح المملكة شرفاً خاصاً، بتحميلها راية إسقاط الشرعية عن الدولة اليهودية، على قاعدة : (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل : 56]، فيا له من شرف. ويشبهه قول الحجاج ابن يوسف الثقفي، لعبد الله ابن الزبير، رضي الله عنه: يا ابن ذات النطاقين، ابرز! فيظن أن يعيره بذلك، فلما سمع ذلك عبد الله، قال:

وعَيَّرها الواشون أنّي أحبّها ... وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها

وكما قيل :

وإذا أتتك مذمتي من ناقص          فهي الشهادة لي بأني كامل

     ويتساءل المرء : هل بات إخوان القردة والخنازير، يشعرون أن التلويح بقضايا اصطنعوها، ونقضوها على أوسع نطاق، وبأبشع صورة، مثل: دعاوى حقوق الإنسان، ومكانة المرأة، وتمويل الإرهاب، تمثل نقطة ضعف، وليَّ ذراع ؟

     سبحان الله ! (رمتني بدائها وانسلت) إن علينا ألا نرضخ للابتزاز الرخيص، ولا نتضعضع لقعقعة سلاح مفلول. وحري بالمملكة، والدول العربية، والإسلامية، مجتمعة، أن تتبنى حملةً إعلامية، قانونية، ضد إسرائيل، في المحافل الدولية لإدانتها بانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، وإهانتها للمرأة والطفل الفلسطينيين، وتمويلها للمتطرفين اليهود، الذين يحرقون المساجد، ويقتلعون الأشجار، ويدهسون الآدميين بسياراتهم، ويخططون، ويعملون لهدم المسجد الأقصى.

     ما أحوجنا إلى لغةٍ واضحة، تضاهي الوضوح المتبجح للكيان اليهودي اللئيم. وما أحوجنا إلى إدراكٍ واعٍ، عميق، بأن القوم لا تجدي معهم ممالئة، ولا مصانعة، ولا مهادنة، ولا تطبيع. وما أحوجنا إلى القناعة التامة أن أمريكا، وأوربا، هي الظهير الخلفي لدولة إسرائيل، تنشئةً، وإعداداً، وإمداداً، وأن بقاءها، وقوتها، هدف استراتيجي، للمعسكر الغربي، بوصفها طعنة نجلاء في خاصرة العالم الإسلامي، لا يسعدهم أن ترقأ دماؤها، ولا تندمل جراحها. فكيف بات الخصم حكماً ؟

     إن المخرج الآمن، الضامن، هو في الاعتصام بكتاب الله، وهدي مصطفاه، والمحافظة على الخصائص النوعية للأمة الإسلامية، المتمثل بأنصع مثال وأبهاه، بمنهج أهل السنة والجماعة، واتباع سبيل السابقين الأولين، من الصحابة والتابعين. والله غالب على أمره.



التعليقات ( 0 )