• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة الجن

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  232
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة الجن

سورةً عظيمة، سميت بهذا الاسم لأنَّ سبب نزولها استماع الجن للنبي r؛ ولأنَّ معظم آياتها تتعلق بهم، وبحكاية أقوالهم رحمهم الله, ورضي عنهم.

 مقاصد السورة:

تضمنت هذه السورة التي لا تبلغ ثلاثين آية، مقاصد عظيمة منها:

  بيان حقيقة القرآن، وعظمته، وحفظه.

  بيان طبيعة الجن، وطرائقهم، ونفي الخرافات المتعلقة بهم.

  بيان التوحيد، بأنواعه الثلاثة.

   بيان وظيفة النبي r.

     وهي سورة مكية، ذات تأثير عجيب، وموعظة بليغة. وأذكر أني قرأت قديمًا، قصة رجلٍ من المنصرين، كان يعمل في مصر ضمن إرساليةٍ من الإرساليات التنصيرية، وكانت مهمته تشكيك المسلمين في دينهم، وكتابهم، ونبيهم، يقول: تساءلت من أين أدخل على المسلمين؟ كيف أشككهم وأوهن ثقتهم بدينهم؟ يقول: فنظرت في فهرس المصحف، فإذا من سور القرآن سورةٌ اسمها سورة الجن، فقلت: هذا مدخلٌ مناسب؛ القرآن يتضمن ذكر الخرافات والعفاريت، فسأتخذ من هذه القضية مدخلًا للتشكيك، وعزمت أن أسهر ليلتي تلك في الكتابة في هذا الموضوع، انطلاقًا من هذه السورة التي تتحدث عن الجن والعفاريت، هكذا خُيِّل إليَّ.

 يقول: فلما كان من الليل وتهيئت، وتفرغت، فتحت المصحف، وإذا بي أقرأ, ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾، وأنه، وأنه، الآيات!

 يقول: فداخلتني رهبةٌ شديدة وخشوع, وانهمرت عيناي بالدموع، وتأثرت تأثرًا بليغًا بمعانيها الإيمانية، وآياتها الجزلة الرصينة، فأسلمت!

أسلم من جراء قراءة هذه السورة، لما وجد فيها من المعاني العظيمة, والمقاصد الجليلة! فالقرآن يعلو ولا يُعلى عليه. أراد أن يفسد دين المسلمين، وأن يشككهم بقرآنهم من خلال هذه السورة، فأبى الله إلا أن تأسره هذه السورة، وتكون سبب إسلامه. وصار بدلًا من كونه يبشر بالنصرانية، صار يدعو إلى الإسلام، وكتب قصته في كتاب. فتبارك الله رب العالمين.

قوله U: ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾[الجن:1]، هذا خطابٌ، وأمرٌ للنبي r، وفي هذا دليلٌ على أن جميع "القواقل" من ألفاظ القرآن، وليست خارجةً عنه, كما أُثِر عن بعضهم أنه كان يقرأ ﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾[الفلق:1]، ﴿ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾[الناس:1]، ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[الإخلاص:1]، ولا يذكر (قُل)، والصحيح أن هذه القواقل جزءٌ من سورها، ومن ألفاظ القرآن.

 وليس لهذا التعبير نظيرٌ في القرآن! لكن لما كان الحدث مستغربًا غير مألوف؛ أن يخبر الله عن سماع جنٍ لإنس، أراد الله تعالى أن يؤكد صحة الإسناد ووثوقيته، فأمر نبيه بأن يقول: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ﴾، فالنبي r مثله مثل عامة الآدميين؛ لا يرى الجن، ولا يسمعهم، ولا يخاطبهم، لكن الله تعالى أخبره باستماعهم إليه، وتأثرهم بقراءته.

قوله: {أَنَّهُ اسْتَمَعَ}: فرقٌ بين السماع والاستماع، والزيادة في المبنى، زيادة في المعنى. يعني أنهم أرخوا أسماعهم قصدًا. فالسماع أمرٌ قهري، فمن سمع كلامًا دون قصد فهو سامع، ومن قصد السماع فهو مستمع. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾[الأعراف:204]، فالإنصات والاستماع معناهما متقارب، فالإنصات يقتضي الإمساك عن الكلام الذي يشوش على السمع، فإن الإنسان لا يتم له الاستماع والإدراك، حتى ينصت ويمسك عن الكلام،  بخلاف من يقرع الصوت طبلة أذنه ويكون ذلك منتهاه. وقد ذمَّ الله تعالى قومًا يستمعون القرآن والذكر، فلا يأبهون به، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾[محمد:16].

قوله: ﴿نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، النفر جماعةٌ دون العشرة، وهذه الآية وغيرها تدل دلالةً قطعية على وجود الجن، فإن بعض الماديين، والملاحدة، ينكر ما لا يراه، فينكر الغيبيات، ولا يؤمن إلا بالماديات. فمن أنكر وجود الجن فقد أكذب القرآن، ومن أكذب القرآن فقد كفر.

 فلا ريب أن الله تعالى خلق الجن والإنس، قال ربنا U:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56]، فالجن قسيم الإنس، نحن وإيَّاهم نعمر الأرض، لكن الله تعالى جعل الله لنا خصائص وأوصاف، وجعل لهم خصائص وأوصاف، فنحن لا نراهم، وهم يروننا، كما قال الله U: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾[الأعراف:27]. وكل من ادعى أنه رأى جنَّا، أو رسم صورةً للشيطان، فهو متهوكٌ, لا صحة لدعواه. ولكن قد تتلبس الجن ببعض الحيوانات، كالقطط، والكلاب، والحيّات، كما أخبر النبي r، فعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ كِلَابٌ وَحَيَّاتٌ، وَصِنْفٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُونَ»[1]. أمَّا الجن، بصفته التي خلقه الله عليها، فإن الآدميين لا يرونهم.

فلا بُدَّ من الاعتقاد الجازم بوجود الجن، وأنهم خلقٌ من خلق الله، مكلفون، مأمورون، منهيون، مثابون، معاقبون، تجري عليهم أحكام الشريعة. والراجح أنه ليس فيهم رسل ولا أنبياء، ولكن فيهم نُذُرٌ ودعاة، كما قال ربنا U في آيةٍ أخرى تصدق هذه الآية وتشابهها: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾[الأحقاف:29]. ففيهم نُذُر، وهم مطالبون باتباع نبي زمانهم.

وقد وقع في الفترة بين زمن عيسى u، وزمن نبينا r، إرهاصات لبعثة نبينا r، منها: أن السماء صارت ترمي بالشُهُب على مسترقي السمع من الجن، إذ أن من خصائص الجن التمكن من الارتفاع في أجواز السماء، واتخاذ المقاعد فيها، واستراق السمع.

وكان بين الجن وبين الكهنة صلة، فكانوا يسترقون السمع من السماء ويلقونه في أّذن الكاهن، فيخلطها الكاهن بتسع وتسعين كذبة، ويدخل فيها هذه الكلمة التي التقطها من مسترق السمع، ويُحدث بها، فإذا وقع الحق الذي بلغه، قال الناس: أليس قد قال يوم كذا ، كذا وكذا، فيروج سوق الكهان. وقد حذر النبي r من إتيان الكهان، والعرافين، وقال: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فقد كفر بما أُنزل على محمد)([2])؛ لأنهم يستعينون بالجن ويدعون علم الغيب.

قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، هؤلاء النفر استمعوا سماع من يبحث عن الحق وينشده، فلما حصل منهم هذا التكيف، وهذا الإنصات، والاستماع، أطلقوها صريحةً مدوية، فوصفوا القرآن بالعجب، أي والله! إنه لقولٌ عجيب، قولٌ عظيم، قولٌ مهيب. إن مجرد سماعه, لمن شرح الله صدره, وأنار بصيرته, يهز أركانه، ويحرك أشجانه، وينقله إلى معانٍ ساميةٍ راقية. ليس كسائر الكلام، ليس كسجع الكهان، ولا كنظم الشعراء، ولا كخطب الخطباء؛ بل هو نوعٌ متميز في نظمه، ولفظه، وأعظم من ذلك معناه.

ومما ورد من الآثار المروية في استماع الجن إلى النبي r، حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (مَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنِّ، وَمَا رَآهُمُ. انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ}، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ)([3]).

وروى الإمام أحمد أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (كَانَ الْجِنُّ يَسْمَعُونَ الْوَحْيَ فَيَسْتَمِعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَزِيدُونَ فِيهَا عَشْرًا، فَيَكُونُ مَا سَمِعُوا حَقًّا، وَمَا زَادُوهُ بَاطِلًا، وَكَانَتِ النُّجُومُ لَا يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إِلا رُمِيَ بِشِهَابٍ يُحْرِقُ مَا أَصَابَ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيسَ، فَقَالَ: مَا هَذَا إِلا مِنْ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ فَبَثَّ جُنُودَهُ، فَإِذَا هُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْ نَخْلَةَ، فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي حَدَثَ فِي الْأَرْضِ)([4]).

 قال ابن كثير: (وَذَكَرَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قِصَّةَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ وَدُعَائِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِبَائِهِمْ عَلَيْهِ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَأَوْرَدَ ذَلِكَ الدُّعَاءَ الْحَسَنَ: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي" إِلَى آخِرِهِ. قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ بَاتَ بِنَخْلَةَ، فَقَرَأَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ فَاسْتَمَعَهُ الْجِنُّ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ. وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: "إِنَّ الْجِنَّ كَانَ اسْتِمَاعُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ"، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَّ كَانَ اسْتِمَاعُهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِيحَاءِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ، وَخُرُوجُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى الطَّائِفِ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ، كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلم)[5]

 وهذا يدل على أن استماع الجن وقع أكثر من مرة؛ بل الأحاديث الأخرى تدل على أن مجيء الجن إلى النبي r تكرر. ومن ذلك، ما رواه الإمام أحمد عن علقمة، قال: قلت لعبد الله بن مسعود، هَلْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ فَقَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ، وَلَكِنَّا قَدْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنَا: اغْتِيلَ؟ اسْتُطِيرَ؟ مَا فَعَلَ؟ قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ - أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ - إِذَا نَحْنُ بِهِ يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَكَرُوا الَّذِي كَانُوا فِيهِ، فَقَالَ: " إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ "، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانِي آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ قَالَ: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلُوهُ الزَّادَ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ: قَالَ عَامِرٌ: فَسَأَلُوهُ لَيْلَتَئِذٍ الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، فَقَالَ: " كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ، أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ  لِدَوَابِّكُمْ، فَلَا  تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ)([6]).

 وفيه، أيضًا، أن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول اللهr  لأصحابه وهو بمكة: (مَنْ أَحَبَّ منْكُمْ أنْ يَحْضُرَ أمْرَ الجنّ اللَّيْلَةَ فَلْيَفْعَلْ). فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، خطّ لي برجله خطا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كبيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مع الفجر، فانطلق متبرّزا، ثم أتاني فقال: وما فَعَلَ الرَّهْطُ؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظما أو روثا أو جمجمة فأعطاهم إياه زادا، ثم نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث)([7]).

قوله: ﴿ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾ [الجن: 2]، أعجب ما في القرآن هدايته للرشد! لما فيه من المعاني العظيمة، الجليلة. ليس أعظم ما في القرآن ما يحصل به من التطريب للآذان، هذا أحد آثاره، فإن القرآن تحلو تلاوته، ويحلو سماعه، قال تعالى:  ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾[المزمل:4]، وفي الحديث: (زيِّنوا القرآنَ بأصواتِكم، فإنَّ الصوتَ الحسنَ يزيدُ القرآنَ حُسنًا)([8])، لكن ما هو أعظم من ذلك بكثير، تدبر ما فيه من المعاني الجليلة، الشريفة، القيمة، التي بها انثلاج الصدور، وطمأنينة النفوس والقلوب، والهداية للرشد. والرشد: الحق والصواب، وهو ضد الغيّ، والغيّ: هو الضلال والسفه.

قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾[الجن:2]، هذا هو الأثر المباشر للاستماع الحق، فأولى درجات العلم هي الاستماع، فمن لا يستمع، ولا ينصت، لا يتعلم؛ ولهذا قال ربنا U: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق:37]، فإذا أردت أن تنتفع من المواعظ والعظات، والعلوم النافعات، فافتح قلبك, وألق سمعك، لكي تحصل الذكرى. فالأذُن منفذ إلى القلب، فلا بُدّ من إرخاء السمع، والإنصات، والإقبال لكي يستقر المعنى. ولهذا نهى  النبي r يوم الجمعة أن يقول الرجل لصاحبه: أنصت، وقال: (إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ)([9])، فلا ينتفع بالموعظة، وبذكر الله، في خطبة الجمعة، إلا من استمع وأنصت، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾[الجمعة:9]، فلا يحصل ذكر الله في القلب، إلا بإنصات الأذن، وعدم التشاغل؛ فحصل لهؤلاء النفر المؤمنين نعمة عظيمة، بمجرد أن سمعوا الحق، فأعلنوا إيمانهم، وتوحيدهم ونبذهم للشرك.

     لقد أدركوا بمجرد سماعهم للقرآن حقيقة التوحيد، وأن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر إلا من مستحقٍ للعبادة وحده دون ما سواه؛ لأنه كلامٌ مميز، ليس ككلام المخلوقين، فلا بُدَّ أن يكون قائله هو الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، هكذا استنبطوا، لله دَرَّهم! فقالوا: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾[الجن:2]، وأحد: نكرةٌ في سياق النفي، فتفيد العموم، يعني كائنًا من كان.

قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾[الجن: 3]، أي: شأنه وأمره وفعله، وجلاله وآلاؤه، وقدرته ونعمه، كل هذه الالفاظ قال بها السلف، ابن عباس وغيره. فاستنبطوا، بمجرد سماعهم للقرآن، أن قائله حقيقٌ بالتعظيم.

قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾، من لازم وحدانيته نفي الصاحبة أي: الزوجة، والولد؛ لأنه لا يليق بالواحد الأحد أن يكون له زوجة ولا ولد، لأن من شأن الزوجة أن تكون من جنس زوجها، ومن باب أولى الولد. وهذا يتنافى مع الوحدانية، فالواحد الذي لا مثيل له، ولا ند له، ولا كفء له، ولا نظير له، لا يمكن أن يكون له صاحبة، ولا أن يكون له ولد. هكذا صحح الإيمان عقولهم.

وربما دعاهم إلى التنزيه، رحمهم الله، ورضي عنهم، لكون هذه المقالة شائعةً في الإنس والجن، فقد ذكر الله لنا مقالة اليهود النصارى، فقال I: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30]، وذكر مقالة المشركين، أن الله اتخذ زوجةً من الجن أنجبت له الملائكة، ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158], وقال:  ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾[الزخرف:15]، زعموا أن الملائكة بنات الله! فهذه المزاعم كلها تتنافى مع تعظيم الرب تعالى جَده، سبحانه وبحمده. قال الله تعالى نافيًا هذه الدعوة الباطلة: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91].

هكذا قادهم الإيمان والتوحيد إلى تعظيم الرب I وإجلاله، وخشيته، ومحبته. وذلك أن التوحيد الصحيح، التوحيد الصِرف، التوحيد المجرد، يُثمر في القلب هذا التنزيه، تنزيه الله عن النقائص والعيوب ومماثلة المخلوقين.

قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ سفيه الجن هو إبليس، وإبليس من الجن كما قال الله U: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾[الكهف:50]، وقيل: أن المقصود بالسفيه هنا اسم جنس، يعني كل من سفه نفسه من الجن ، أي: وقع في الطيش، والعجلة، والنزق، والقول بلا علم فهو سفيه، فقد كان سفيههم يقول على الله شططًا، والشطط: هو الجور، والقول الباطل.

 فلعل في هذا إشارة إلى أن بعض الجن كانوا يقولون كما يقول بعض الإنس بالولد، والزوجة لله، تعالى الله عما يقولون، لكن هؤلاء المؤمنين الذين وقر الإيمان في قلوبهم، وذاقوا حلاوته لما آمنوا تبرؤوا من  هذه المقالة، ونفوها، وذموها، ووصفوا قائلها بالسفه.

قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾[الجن:4-5]. أي: أننا حسبنا أنه لا يصدر من الإنس، ولا من الجن، خبرٌ عن الله مخالفٌ للواقع، لكن الأمر لم يقع على حسبانهم، فقالت الجن والإنس كذبًا على الله U، فاستعظموا ذلك، رحمهم الله، ورضي عنهم. وكل هذه الجمل المتتالية تكشف وتفصح عن هذا الإيمان الدفاق، النابع عن يقينٍ ورسوخ، وفرح بالحق الذي كانوا ينشدونه.

قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾[الجن:6]، يحكون أمرًا كان عليه مشركو العرب، وهو الشرك في الاستعاذة. ومعنى {يَعُوذُونَ} أي: يلتجئون ويفزعون إليهم، ويعتصمون بهم. قال الحسن، ويروى عن ابن عباس قريبًا من هذا المعنى: كان الرجل منهم إذا نزل الوادي فبات به، قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه([10]). يعني يستعيذ بسيد الوادي من الجن، أن يصيبه في نفسه، أو ولده، أو ماله ضر، من جهة أتباعه. فيعوذ بغائبٍ، غير مشاهد، فهذه استعاذةٌ شركية.

     ولهذا عقد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتابه (التوحيد), بابًا بهذا العنوان، باب (من الشرك الاستعاذة بغير الله), وذكر هذه الآية، وذكر فيه حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها أن النبي r قال: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)([11]). فهذا بديلٌ عن مقالة أهل الشرك الذين يستعيذون بغير الله U، فمن استعاذ بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، أمَّا من استعاذ بغير الله، فيما يقدر عليه ذلك المستعاذ به، فلا حرج عليه، كأن يقول رجل يلحقه عدوه، لرجل: عذتُ بك، أو أعوذ بك، فلا بأس بذلك, هذه استعاذةٌ جائزة، وقد قال النبي r: (يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ)([12])، يعني يعتصم رجل بالكعبة. ومثلها الاستغاثة، إذا كانت من قادرٍ عليها فليس فيها شيءٌ من الشرك، قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾[القصص:15].

     فالاستعاذة الشركية: هي ما يصدر من بعض المشركين قديمًا وحديثًا؛ يستعيذون بالجن، أو بالملائكة، أو بالأولياء، أو المقبورين، من مخاوف متنوعة، أن يصيبهم أحدٌ بسوء، وهؤلاء المدعوون لا يملكون لأنفسهم, فضلًا عن غيرهم, ضرًّا ولا نفعًا، فكانت استعاذتهم بهم استعاذةً شركية.

 ودلت الآية على أن في الجن رجالٌ ونساء؛ وهذا هو الواقع, فإنهم يتكاثرون ويتناسلون كما يتكاثر ويتناسل الآدميون، وقال بعض الشراح في تفسير قول النبي r عند دخول الخلاء: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ)([13]), أن الخُبُث هم ذكور الجن، والخبائث إناثها، وإنما عبر بالاستعاذة بالرجال؛ لأن الرجل أقوى من المرأة.

قال: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾[الجن:6]، للمفسرين في مرجع الضمير قولان:، فقال بعضهم: أي: زاد الإنسُ الجنَ طغيانًا، وإثمًا، واستطالةً، لما رأوا الإنس يعوذون بهم، ويفرقون منهم، ويفزعون، فانتفشوا، وتعاظموا، وتكبروا على الإنس. وقال آخرون: أي زاد الجنُ الإنسَ رهقًا، وعنتًا، ومشقةً، وإذلالًا.

 ولا مانع من حمل الآية على المعنيين،  فإن هذه الاستعاذة الشركية أدت إلى حصول الأمرين، أدت إلى طغيان الجن، وانتفاشهم، وأدت إلى حصول الرهق، والعنت، والمذلة للإنس،

قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾[الجن:6-7]. للمفسرين في المراد بالبعث هنا قولان:

القول الأول: البعث بعد الموت، فشابه كفرة الجن كفرة الإنس في إنكار البعث.

القول الثاني: بعثة الرسل، فظن الجن أن الله تعالى لن يبعث نبيًا، وأن سلسلة الأنبياء قد انقطعت. وهذا هو الأليق بالسياق.

قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾[الجن:8]: يعني تحسسنا السماء وعسسناها. وذلك أن من شأن الجن أنهم يطيرون في أجواز الفضاء، ويصلون إلى السماء الدنيا، فكانوا يتخذون مقاعد يسترقون فيها السمع، ففوجئوا بحدثٍ جديد؛ أن السماء باتت محروسة، مصونة، محفوظة، منيعة! وصاروا يتعرضون للقصف، والرجم بالشهب والنيازك التي تحرقهم.

قوله: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾، حرس من ملائكة الرحمن، وشهبٌ تنطلق نحوهم وتحرقهم ،كما قال ربنا: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾ [الحجر: 17، 18]، وقال: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 6 - 10] [الصافات:10]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾[الطارق:1-3]، فلاحظوا كثرة الشُهُب في تلك الآونة التي زامنت بعثة نبينا r. ومن الأخبار في ذلك ما قاله السُدِّي: لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ تُحْرَسُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ نَبِيٌّ، أَوْ دِينٌ لِلَّهِ ظَاهِرٌ. وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدِ اتَّخَذَتِ الْمَقَاعِدَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، يَسْتَمِعُونَ مَا يَحْدُثُ فِي السَّماء مِنْ أَمْرٍ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، رُجِمُوا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أَهْلُ الطَّائِفِ، فَقَالُوا: هَلَكَ أَهْلُ السَّمَاءِ، لِمَا رَأَوْا مِنْ شِدَّةِ النَّارِ فِي السَّمَاءِ، وَاخْتِلَافِ الشُّهُبِ، فَجَعَلُوا يُعْتِقُونَ أَرِقَّاءَهُمْ، وَيُسَيِّبُونَ مَوَاشِيَهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ يَالِيلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ: وَيْحَكُمُ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الطَّائِفِ! أَمْسِكُوا عَنْ أَمْوَالِكُمْ، وَانْظُرُوا إِلَى مَعَالِمِ النُّجُومِ، فَإِنْ رَأَيْتُمُوهَا مُسْتَقِرَّةً فِي أَمْكِنَتِهَا، فَلَمْ يَهْلِكْ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، وَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَرَوْهَا، فقد أهلك أَهْلُ السَّمَاءِ. فَنَظَرُوا فَرَأَوْهَا، فَكَفُّوا عَنْ أَمْوَالِهِمْ.[14] فاستنبط أن هذا الحفظ، الصيانة، والحراسة؛ لأجل بعثة النبي r، وكانوا ينبزون النبي r بهذا اللقب.

 والمقصود أن الجن لاحظوا هذه الظاهرة المصاحبة لبعثة نبينا r وهي الرمي بالشُهُب؛ لأنّ الله تعالى أراد أن يحفظ وحيه، وكتابه، فلا يختلط كلام الله تعالى، بكلام غيره،  ولا يسترق، ولا يخطفه الجن فيوحونه إلى الكهان.

قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾[الجن:8-9]، يصفون حالهم السابق، أنهم كانوا يتخذون المواقع، والمقاعد التي يسترقون فيها السمع، فقد حيل بينهم وبين ذلك.

وبالجملة، فإنه يجب علينا ان نقتصر على ما دل عليه الكتاب والسُنَّة من خبر الجن، ولا نصغي إلى ما يتناقله العامة من خرافات، وقصص لا تثبت، كقول العامة: الجن يحبون كذا وكذا، الجن يكرهون كذا وكذا، الجن ينفرون من كذا وكذا! هذه مجرد ظنون ودعاوى، وعلينا أن نعتقد ما دل عليه القرآن؛ أن الجن خلقٌ من خلق الله، وأنهم عبادٌ مكلفون؛ مأمورون منهيون، مثابون معاقبون، وأن منهم من يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار، فمؤمنهم يدخل الجنة، وكافرهم يدخل النار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات لاحقًا.

 وعلى المؤمن ألا يعتقد، ولا يستصحب شيئًا من هذه الخرافات، وعليه أن يحذر ذويه، وأهله، وأولاده من كل فكرةٍ باطلة، لا سيما في هذا الوقت، الذي انتشرت فيه الخرافات عن طريق الوسائط، والمقاطع المرئية، حتى بات كثيرٌ من أطفال المسلمين يتخوضون، ويتوهمون، جراء ما يشاهدونه من خرافاتٍ وحكايات، تلعب بعقولهم، وتعكر أمزجتهم، وتصيبهم بالذعر والرُهاب.

وقد عقد ابن القيم: في طبقات المكلفين، من كتابه: "طريق الهجرتين" ذكر الطبقة الثامنة عشرة، طبقة الجن، وذكر من خصائصهم، وحقائقهم، ما ينبغي أن يكون عليه المعول، ولا يُلتفت إلى ما سواه مما يتحدث به الناس، ويتداولونه من مروياتٍ وخرافات.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: أن القواقل من ألفاظ السور، وحروف القرآن، وليست زائدةً عنه.

الفائدة الثانية: التأكيد على الأمر غير المألوف.

الفائدة الثالثة:  الفرق بين السماع والاستماع.

الفائدة الرابعة: أن المشروع عند سماع القرآن الاستماع والإنصات، بغرض التدبر، ولا يكتفي بمجرد التطريب والتلذذ بأداء المرتلين، وإن كان هذا حسنًا ومقصودًا.

الفائدة الخامسة: إثبات وجود الجن، وسماعهم من الإنس، فمن أنكر الجن فقد كفر.

الفائدة السادسة: أن الجن عالم غيبي، خلق من خلق الله، مكلفون؛ مأمورون، منهيون، مثابون، ومعاقبون، إلا أن لهم خصائص تختلف عن خصائص الإنس.

الفائدة السابعة: عموم رسالته r للإنس والجن.

الفائدة الثامنة:  كمال عقول هؤلاء النفر، وصحة إيمانهم. 

الفائدة التاسعة:  فضيلة القرآن، وعظيم أثره في النفوس. 

الفائدة العاشرة:  أن أعجب ما في القرآن وأعظمه هو الهداية للرشد.

الفائدة الحادية عشرة:  أن مقتضى الاهتداء هو الإيمان المستلزم للقول والعمل. فلا يكفي مجرد الإقرار القلبي واللساني؛ بل لا بُدَّ أن يستتبع ذلك عملًا، فالإيمان قولٌ وعمل.

الفائدة الثانية عشرة: أن الرشد نقيض الغي، وأعظم الرشد التوحيد، وأعظم الغي الشرك.

الفائدة الثالثة عشرة: أن مجرد سماع القرآن يثمر التوحيد، والعلم بألوهية قائله سبحانه.

الفائدة الرابعة عشرة:  تعظيم شأن الرب، وأمره، وفعله، وآلائه، وجلاله، وقدرته، ونعمه.

الفائدة الخامسة عشرة:  تنزيه الرب عن الصاحبة والولد، وأنه مقتضى التوحيد.

الفائدة السادسة عشرة: الرد على مدعي البنوة والزيجة ،من المشركين، واليهود، والنصارى.

الفائدة السابعة عشرة: أن الإيمان والتوحيد يثمر التنزيه والتعظيم.

الفائدة الثامنة عشرة: أن السفه والطيش يثمر المقالات الباطلة الجائرة.

الفائدة التاسعة عشرة:  تشابه الإنس والجن في المأثم والمغرم، كما في البر والمغنم.

الفائدة العشرون: بيان شرك الاستعاذة، وهو طلب العوذ من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله.

الفائدة الحادية والعشرون:  أن الخوف من غير الله يورث الرهق للمستعيذ، والمستعاذ به.

الفائدة الثانية والعشرون:  تشابه كفار الجن والإنس في إنكار البعث والنبوة.

الفائدة الثالثة والعشرون:  تمكن الجن من بلوغ السماء، واتخاذ المقاعد لاستراق السمع.

الفائدة الرابعة والعشرون:  حراسة السماء بالشُهُب والرجوم، فترة تنزل الوحي.

الفائدة الخامسة والعشرون:  توجس الجن من وقوع حدث في الأرض لتشديد الحراسة في السماء.

الفائدة السادسة والعشرون: حفظ الله لوحيه وكتابه.

قوله: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾[الجن:10]، لما تبين للجن أن السماء محفوظةٌ مصونة، وأنهم معرضون  للقصف بالشُهُب، شعروا أن ثمَّ أمرٌ سيقع في الأرض؛ إمَّا أمر خيرٍ أو شر، فهذا الذي دعاهم أن يذهبوا بعثاتٍ في أرجاء الأرض، ليتحروا الخبر.

 ومن الفوائد  اللطيفة: كمال أدب مؤمني الجن، وذلك أنهم أضافوا الشر إلى ما لم يسمَّ فاعله، فقالوا: (أُرِيدَ)، وأضافوا الخير إلى الاسم الظاهر، فقالوا: (أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ)، فإنَّ الشر لا يُضاف إلى الله، وإن كان خالق كل شيء. فلا يضاف إليه ما لا يليق به U، كأن يقول مثلًا: يا خالق الجعلان، والخنافس، والقردة، والخنازير، وإن كان هو خالقها، لكن لا يفردها بالذكر، فتوهم معنىً مستكرهًا. وينبغي أن تضاف الأفعال غير المستحبة إلى الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾[الكهف:63]، فنسب الإنساء إلى الشيطان.

قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾[الجن:11]، وصفوا جماعتهم وفئتهم بأنهم طوائف، وطرائق، وفرق، وأوزاع، متفاوتون في الصلاح، ففيهم الصالحون الممتثلون لأمر الله، المجتنبون لنهيه, ومنهم دون ذلك؛ وهم الفسَّاق،  كحال الآدميين مذاهب شتى.

قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: 12] {ظَنَنَّا} هنا بمعنى أيقنا، أي: اعتقدنا اعتقادًا جازمًا لا مرية فيه، أنه لا مفر من الله، لا في الأرض، ولا في السماء، كما قال الله U: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾[الرحمن:33]، فقد أيقنوا أنه لم يعد بمقدورهم، وأن الله I محيطٌ بهم.

قوله: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾[الجن:13]، هذا منهم، رحمهم الله، اغتباط بنعمة الله عليهم، وتحدث بها، وليس من قبيل المباهاة والمفاخرة. وهو خبر مطابق للواقع، فقد آمنوا بمجرد سماع القرآن، وأدركوا أن المؤمن لا يخشى أن ينتقص من ثوابه وأجره، ولا يخشى أن يلحقه عنتٌ وشقاء، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[طه:123-124]، قال ابن عباس: تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه، أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)([15])، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾[طه:112]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[النحل:97]، هذه وعود من الله U، والله لا يخلف الميعاد.

قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾[الجن:13-14]، عاد التقسيم مجددًا، وكأن القسمة السابقة باعتبار المسلمين خاصة؛ ففيهم صالحون، وفيهم فساق، وهذه القسمة باعتبار الإيمان؛  كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾[التغابن:2]، فكما أن هذا واقعٌ في الآدميين، فهو واقعٌ أيضًا في الجن. والمسلمون: هم المتصفون بالإسلام، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. والقاسطون: هم الجائرون المائلون عن الإيمان والاستقامة، بخلاف المقسطين، فهم العادلون كما قال r: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ)([16]).

قوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾[الجن: 14]، أي احتاطوا لأنفسهم، وتوخوا الرشد في حالهم ومآلهم.

قوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾[الجن:14-15]، هذا يدل على أن الجن يعذبون في النار، كما يعذب الإنس، وإن كانوا قد خُلقوا من نار، لكن النار التي خُلِقوا منها ليست بشيء بالنسبة إلى نار جهنم، قال ربنا U: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:6]، ولفظ الناس يشمل الإنس والجن، كما في سورة (الناس). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا»[17]. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " ِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ لَجَزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْء مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَأَنَّ السَّمُومَ الْحَارَّ الَّتِي خَلَقَ اللهُ تَعَالَى مِنْهَا الْجَانَّ لَجُزْءُ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ "[18]

قوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾[الجن:16]. قد اختلف المفسرون في المراد بالطريقة فقيل: إن المراد بالطريقة الإسلام، والهدى، فلو استقاموا عليها لكافأناهم وجازيناهم بأن نرسل السماء عليهم مدرارًا فيشربونه ماءً وافرًا، هنيئًا، مريئًا، ويوافق هذا قول الله U:﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾[المائدة:66]، وقوله U:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾[الأعراف:96]، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والسُدِّي، وآخرون.

 وذهب بعض المفسرين، ومنهم لاحق بن حميد -رحمه الله-: إلى أن المراد بالطريقة: الضلالة، أي: لو استمروا على ضلالتهم لأسقيناهم ماءً غدقًا، فتنةً لهم، كما قال الله U: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، وقول الله U: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، فيكون هذا من باب الاستدراج، كقول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾[المؤمنون:55-56].

قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾[الجن:17]، على القول بأن المراد بالطريقة هي الإسلام والهدى والاستقامة، أي: لنختبرهم ونبتليهم، كما قال سليمان u: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾[النمل:40]، فلا غرابة، ولا غضاضة في أن يكون هذا واردًا على عموم الناس، ما دام واردًا في حق نبيٍ من أنبياء الله. وعلى القول الآخر, أي: ليكون لهم لهوًا ومتاعًا، كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[الحجر:3].

قوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾[الجن:17]، من يعرض عن ذكر ربه، فلا يقيم له وزنًا، ولا يجعل خشيته نصب عينيه؛ بل يقع في الغفلة المطبقة، التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف:179]، وتأمل كيف أردفها الله بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾[الأعراف:180]، فالعلم بالله هو الذكر. أما الغفلة الطارئة، فإنها تعتري المؤمنين، فيدركهم فتورٌ وسهو.

 فالغافلون الذين يملئون المدرجات، والميادين، والساحات، ويأكلون ويشربون، ويتفكهون، ولا يرعون لله حقًا، فهؤلاء أحط من الأنعام؛ لأنهم عطلوا ما متعهم الله وأمدهم به من أدوات التفكير، والتعقل، والذكر، فقد توعدهم بقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾، أي: أليمًا، شديدًا، مهينًا، متعاظمًا، وكأن في كلمة (صعدًا) ما يدل على التنامي، وأنه في ازديادٍ مستمر، لا يُفتَّر عنهم. وقيل: أن (صعدًا) بمعنى (صعودًا)، وهو جبلٌ يرتقيه في النار، فيهوي من ذروته إلى قاعه، كما قال تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [المدثر: 17]، وقيل: بئرٌ في جهنم. والمقصود أنه عذابٌ أليمٌ شديد.

قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:18]، هذا هو التوحيد النقي، الخالص من الشوب. والمراد بالمساجد: إما بيوت الله تعالى المبنية، التي يُسجد لله تعالى فيها، فهي محل العبادة، فأمروا بإخلاص العبادة لله فيها وعدم الشرك، وإمَّا أن المراد بالمساجد: أعضاء السجود، كقول النبي r: (أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ)([19]), ولا تعارض بين المعنيين، والقاعدة: صحة حمل الآية على أكثر من معنى صحيح، على وجهٍ لا تعارض فيه.

 فالسجود لله، فلا يجوز أن يُشرك معه أحدٌ في العبادة، كما أن الدعاء من أجلى مظاهر العبادة، لأنَّ حقيقة الدعاء افتقارٌ، وانكسارٌ، واضطرار إلى الله U، وهذه هي العبودية، وقد جاء في الحديث الصحيح (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)([20])، وفي حديثٍ فيه مقال: (الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ)([21])، والله تعالى يجعل هذا بدلًا من هذا، حيث يقول الله U: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾[غافر:60]، ولم يقل: دعائي؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة.

قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾[الجن:18-19]، عبد الله: نبينا r، حيث أضافه الله إليه إضافة تشريف، فالعبودية كمال، وأكمل الناس عبودية الخليلان: إبراهيم، ومحمد، عليهما صلوات الله وسلامه؛ فلهذا، وصفه الله تعالى بالعبودية في أشرف مقاماته: في ليلة الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾[الإسراء:1]، وفي حالة تنزل القرآن: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾[الفرقان:1]، وفي حالة الدعوة إلى الله I: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾[الجن:19]، فالوصف بالعبودية لله شرف عظيم، وشرف الإنسان بمقدار عبوديته لله.

ومـما زادني شرفـاً وتيها        وكدت بأخمصي أطأ الـثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي        وأن صـيَّرت أحمد لي نـبيـا

     وربما كان هذا من تمام كلام مؤمني الجن، يصفون ما جرى لهم مع النبي r، وربما كان خبرًا من الله U. فنبينا r لما قام يدعو ربه U بوادي نخلة، أو في موضع في سوق عكاظ، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أي كاد يركب بعضهم بعضًا، لشدة حرصهم، وانجذابهم لسماع ما يقرؤه النبي r، فيترادفون؛ ليكونوا أقرب إليه، ويستمعوا إلى ما أنزل عليه. وقيل: إن هذا وصفٌ من مؤمني الجن لأصحاب النبي r، وأنه إذا قام يدعو، ويصلي، فإن أصحابه يلتئمون حوله، وينضمون إليه؛ حتى يزحم بعضهم بعضًا.

وثَمَّ قولٌ ثالث في هذه الآية، ذكره ابن جرير، رحمه الله، ومال إليه، وهو أن المشركين لما قام رسول الله r يدعوهم إلى توحيد الله، أرادوا أن يصدوه عن دعوته، وأن يطفئوا نور الله تعالى، ويمنعوه من إبلاغ وحيه. وعزز هذا المعنى كما قال ابن كثير-رحمه الله-، قوله بعد ذلك: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾[الجن:20]. فكأنَّ هذه الجملة ردٌّ على فعلهم الذي فعلوه. والأقرب، والله أعلم، أن هذا وصف لحال الجن، وأن الجن بحكم خلقتهم الطيارة، يركب بعضهم بعضًا، لحرصهم وتشوفهم لسماع ما أُنزل على النبي r.

 ثم جاءت سلسلة من الآيات لتبين مقام النبوة، ووظيفة النبي، وحدوده، وتقضي على كل تعلقٍ شركي، وتبين حقيقة النبي، فقال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾[الجن:20]، إنما: أداة حصر، حصرت الدعاء له وحده، دون ما سواه، بوصفه الرب، المستحق للعبادة.

قوله: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾[الجن:20]، جمع بين النفي والإثبات حتى يتم التوحيد الخالص، كما في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فإنها نفيٌ وإثبات.  وشواهد هذا كثيرة. وهذا يدل على وجوب إعلان البراءة من جميع صور الشرك؛ قليله وكثيره؛ لأنَّ (أحدًا) نكرةٌ في سياق النفي، فدلت على العموم.

قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾[الجن:20-22]، النبي r يَطَّرِح بين يدي ربه، ويبرأ من ادعاء خصائص الربوبية، من الضر والنفع، فأين أولئك الذين يدعونه كما يدعون الله U! فكيف بمن دعا من دونه؟ وقد امتثل r أمر ربه، فقال على جبل الصفا: (يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ)([22]).

قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾[الجن:21-22]، أي: ملجئًا وملاذًا، ومعاذًا.

قوله: ﴿إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾[الجن:23]، يعني: لا شيء، سوى إنني مبلغٌ عن الله تعالى ما أمرني به، فوظيفتي هي الرسالة، فما أنا إلا بشرٌ مثلكم لا أملك شيئًا من خصائص الربوبية، ولا حقوق الألوهية، غير أني أبلغ رسالات ربي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾[فصلت:6]. وقيل: إن تقدير الكلام: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ إلا أن أقوم بالبلاغ فأنجو.

قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾[الجن:23]، هذا يدل على أن العصيان، كغيره من الألفاظ، ينقسم إلى أصغر وأكبر، فالعصيان المذكور هنا هو العصيان المطلق، لا مطلق العصيان. فليس كل عصيانٍ يترتب عليه خلودٌ في النار، فضلًا عن التأبيد. وهذه الآية واحدةٌ من ثلاث آياتٍ في القرآن العظيم، يذكر الله تعالى فيها تأبيد الكافرين في النار. فالمراد بالمعصية هنا: المعصية الكبرى التي هي الكفر بالله تعالى، أمَّا ما دون ذلك فقد دلت الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة، على أنه تحت المشيئة والإرادة، كما قال ربنا U: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[النساء:48]. وجميع الألقاب المنافية للإيمان تنقسم إلى أكبر وأصغر وهي: الشرك، والكفر، والنفاق، والضلال، والجهل، والفسق، والمعصية، والبدعة، والعصيان، فالأكبر منها مخرجٌ عن الملة، والأصغر لا يخرج عن الملة، والأكبر منها لا يغفره الله تعالى أبدًا، والأصغر تحت المشيئة والإرادة؛ إن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه, ومآله إلى الجنة.

قوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ يعني إذا تحقق وقوع ذلك كقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾[الأعراف:53]

قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾[الجن: 24]، ولا ريب أنه لا ناصر لهم، ولا عدد لهم، ولا عُدة، فيفنى  عنهم كل ناصرٍ ومعين.

قوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾[الجن:25]. أي: لا أدري أقريب موعده، أم أن له أجلاً طويلًا ممتدًا. وهو يدل على أن النبي r لا يعلم الغيب، خلافًا لما يدعيه الغلاة، في حقه، فيغلون فيه، ويخلعون عليه أوصافًا لا تنبغي إلا لله، كقول صاحب البُردة:

فإنَّ من جودك الدنيا وضرتها      ومن علومك علم اللوح والقلم

 فلا ريب أن هذا غلوٌ قبيح، وقد قال النبي r: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ)([23]), فهو r لا يعلم  من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه. والغلاة الذين يدعون محبة النبي r، يستزلهم الشيطان بذكر مدائح، ونظم قصائد في الموالد، ويقولون منكرًا من القول وزورًا، لو سمعه النبي r لأنكر عليهم. حتى أنه قال: (مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾[لقمان:34])([24])، فهذه لا يعلمها إلا الله U، فمن نسب إلى النبي r شيئًا من هذه العلوم الغيبية فقد قال على الله وعلى رسول الله بغير علم.

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾[الجن:26].

ضنَّ ربك بعلم الغيب، الله تعالى أظهر لنا الشرع وأخفى عنا الغيب.

﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾[الجن:26-27].

 يعني من رسولٍ ملكي أو رسولٍ بشري، ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾[الجن: 27]، أي: حرسًا فأن الله I يحفظه ويحوطه ويصونه بما يمنع استراق السمع منه، حتم يتم البلاغ المبين.

قوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾[الجن:27-28]، قال بعض المفسرين: أي ليعلم النبي r، أن الملائكة الموكلين بالوحي, وهو جبريل u أنه قد بلغ الرسالة، وأنها لم تتعرض لزيادةٍ ولا نقصان، ولا تحريفٍ، وقيل: أن معنى ﴿لِيَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم الله U تحقق معلومه، لا أنه قد  طرأ عليه علم لم يكن؛ بل هو I قد علم منذ الأزل, لكنه يعلم حصول ذلك، وتحققه في الواقع.

قوله: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾، يعني أنه علم جميع ما يتصل بهم مما بين أيديهم، وما خلفهم، وسرهم وجهرهم.

قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، فلا يفوته شيءٌ I قد أحصاه عددًا، فلا يخرج عن علمه، ولا عن قدرته شيءٌ من الأشياء.

 الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: كمال أدب مؤمني الجن؛ بإضافة الشر إلى ما لم يسمّ فاعله، وإضافة الخير إلى الله صريحًا.

الفائدة الثانية: تفاضل مسلمي الجن في الصلاح والإيمان.

الفائدة الثالثة: أن الظن يأتي بمعنى اليقين.

الفائدة الرابعة: كمال قدرة الله على جميع مخلوقاته.

الفائدة الخامسة: قيام الحُجَّة يحصل بسماع الحُجة على وجهٍ صحيح، فمن بلغه الدليل فقد قامت عليه الحُجة، يكفي مجرد السماع والخلو من الموانع، لأنَّ الله بعث رسله مبشرين ومنذرين، فالواجب عليهم البلاغ، وقد قال النبي r: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)([25])، أمَّا لو بلغته الحُجة بلغةٍ غير لغته، فهذا وجوده كعدمه.

الفائدة السادسة: مشروعية التحدث بنعم الله، لا على وجه المباهاة والرياء.

الفائدة السابعة: أن الإيمان يُثمر الأمان من البخس والعنت.

الفائدة التاسعة: انقسام الجن إلى مسلمين وكفار.

الفائدة العاشرة: نجاة المسلم لتحريه الرشد, وهلاك القاسط لتحريه الغي.

الفائدة الحادية عشرة:  بيان ثمرة الاستقامة على الطريقة الحقة في الدنيا والآخرة.

الفائدة الثانية عشرة: شؤم الإعراض عن ذكر الله، وشدة عقوبة المعرضين.

الفائدة الثالثة عشرة:  أن الإنعام يكون للابتلاء.

الفائدة الرابعة عشرة: وجوب توحيد العبادة.

الفائدة الخامسة عشرة: أن أشرف ما في الصلاة السجود.

الفائدة السادسة عشرة:  شرف المساجد، وشرف أعضاء السجود.

الفائدة السابعة عشرة: أن الدعاء هو لب العبادة.

الفائدة الثامنة عشرة: أن دعاء غير الله شركٌ مخرج عن الملة ولو قل.

الفائدة التاسعة عشرة: وصف النبي r بالعبودية، وأن هذا من أشرف أوصافه.

الفائدة العشرون: تنافس مؤمني الجن على الهدى، واستماع القرآن.

الفائدة الحادية والعشرون: كمال توحيده r لربه في دعائه.

الفائدة الثانية والعشرون: براءته r من ادعاء خصائص الربوبية.

الفائدة الثالثة والعشرون: إبطال شبهات مشركي زماننا الذين يدعون النبي r.

الفائدة الرابعة والعشرون: كمال افتقار النبي r لربه، واضطراره إليه.

الفائدة الخامسة والعشرون: بيان ما اختص به النبي r, وهي الرسالة.

الفائدة السادسة والعشرون: أن العصيان نوعان: أكبر وأصغر، فالموجب للخلود هو العصيان الأكبر.

الفائدة السابعة والعشرون: إثبات خلود أهل النار فيها على سبيل التأبيد.

الفائدة الثامنة والعشرون: تحقق وعيد الله قطعًا.

الفائدة التاسعة والعشرون: فناء الناصر والمعين للكافر يوم القيامة.

الفائدة الثلاثون: اختصاص الله بعلم الغيب عمومًا، وعلم الساعة خصوصًا.

الفائدة الحادية والثلاثون: إطلاع الله من شاء من رسله على ما شاء من الغيب.

الفائدة الثانية والثلاثون: حفظ الله لغيبه ووحيه من مسترقي السمع، وعصمته لرسله المبلغين له.

الفائدة الثالثة والثلاثون: أن العلم المضاف الله إما علمه الأزلي، وإما علمه بحصول معلومه.

الفائدة الرابعة والثلاثون: إحاطته سبحانه بكل شيءٍ علمًا.

الفائدة الخامسة والثلاثون: إحصاؤه سبحانه كل شيءٍ عددًا.

 


[1] أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم (6156) ، وإسناده قوي، وصححه الألباني في "المشكاة" برقم (4148)

([2])أخرجه أحمد رقم (10167), والترمذي رقم (135), وابن ماجه رقم (639).

([3]) أخرجه البخاري رقم (773), ومسلم رقم (449), متفق عليه واللفظ لمسلم.

([4]) أخرجه أحمد رقم (2483), والنسائي في الكبرى رقم (11626), والترمذي رقم (3324).

([5]( تفسير ابن كثير (7/ 290) ت: السلامة. ط: دار طيبة

([6]) أخرجه مسلم  رقم (450), والترمذي رقم (3258), وأحمد رقم (4148), واللفظ له.

([7]) تفسير الطبري (22/ 138).

([8])أخرجه البخاري معلقاً قبل حديث رقم (7544)، وأخرجه موصولاً أبو داود رقم (1468)، والنسائي رقم (1015)، وابن ماجه رقم (1342)، وأحمد رقم (18517) مختصرا، والحاكم رقم (2125) واللفظ له.

([9]) أخرجه البخاري رقم (934), ومسلم رقم (851).

([10]) تفسير الطبري (23/ 654).

([11]) أخرجه مسلم رقم (2708).

([12]) أخرجه مسلم رقم (2882).

([13]) أخرجه البخاري رقم (142), ومسلم رقم (375), متفق عليه.

[14] البداية والنهاية: (3/ 28) ط إحياء التراث

 

([15]) تفسير الطبري: (18/ 389).

([16]) أخرجه مسلم رقم (1827).

([17]) أخرجه البخاري برقم (3265)، وأخرجه مسلم برقم (2843)

([18]) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1/ 304)

 

([19]) أخرجه البخاري رقم (812), ومسلم رقم (490).

([20]) أخرجه أحمد رقم (18391), وأبو داود رقم (1479), والترمذي (2969), وابن ماجه رقم (3828).

([21]) أخرجه أحمد رقم (18352), والترمذي رقم (3371), وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.

([22]) أخرجه البخاري (4/ 185), ومسلم رقم (205), واللفظ له.

([23]) أخرجه البخاري رقم (3445).

([24]) أخرجه البخاري رقم (4778).

([25]) أخرجه مسلم رقم (153).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:16 صباحًا الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.