• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة المرسلات

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  364
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة المرسلات

     سورة المرسلات، سميت بهذا الاسم لورود هذه اللفظة في مطلعها، وهي سورة مكية باتفاق، سوى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن قول الله تعالى في آخرها (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ) مدنية. والأمر بالصلاة قد وجد في سورٍ مكيّة كثيرة.

مقاصد السورة:

  1. إثبات المعاد.
  2. دلائل البعث، ومحاجة المنكرين.

 {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} [المرسلات: 1- 7]، هذه خمسة أقسام على نسق، وجوابها. ولله سبحانه وتعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس لأحدٍ أن يقسم إلا بالله تعالى، (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ) ([1])؛ ذلك أن القَسَم: هو تأكيد الشيء بذكر معظّم بصيغة مخصوصة. فلا يجوز أن يكون التعظيم المطلق إلا لله عز وجل، فلا يُحلف بغير الله؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُحلَفَ بالكعبة، أو بالأمانة، أو أن نحلف بآبائنا "من كان حالفا فليحلف بالله".

قوله: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1]، قيل في المرسلات أقوال متعددة؛ قيل: إنها الرياح؛ ذلك أن الله تعالى يرسلها بشرى بين يدي رحمته. وقيل: إنها الملائكة، يرسلها الله سبحانه وتعالى بأمره ووحيه. وقيل: إنها الرسل الذين بعثهم الله تعالى، فقال عن جماعاتهم مرسلات. وقيل غير ذلك. والأقربُ، والله أعلم، أنها الرياح؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى، إذا ذكر الرياح في كتابه عبر عنها بالإرسال، ووقع ذلك في سبعة مواضع في القرآن العظيم، من ذلك: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) ]الروم :48[، (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ) ]فاطر :9[، (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) ]الأعراف :57[، فهذا يعزز أن يكون المراد بالمرسلات الرياح، وهو قول أكثر المفسرين.

ومعنى (عُرْفًا)، على القول بأن المرسلات هي الرياح أي: متتابعة كعُرف الخيل، وذلك أن عُرف الخيل يكون على نسق متتابع، بعضه يتلو بعضًا، فهكذا الرياح حينما يرسلها الله تعالى متتابعة. ولا ريب أن الرياح من أعظم آيات الله الكونية، ولهذا ذكرها الله سبحانه وتعالى في عشرة مواضع في القرآن الكريم، بهذا الاسم الصريح. وهي من دلائل ربوبيته سبحانه. والمشتغلون بالمناخ، وعلم الهيئة، يدركون دقة حركة الرياح، وتوزيعها، وأثرها في نقل السحب التي ينشئها الله تعالى. قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48].

ومن قال إن المرسلات هي الملائكة، فسر (عُرْفًا) بالعُرف، أي المعروف، وهو الحق الذي يرسل الله به أنبياءه ورسله.

قوله: {فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا} [المرسلات: 2]، هي الرياح التي تهب هبوبًا شديدا. وقيل: هي الملائكة، يأمرها الله تعالى أن تعصف بمن شاء. والأقرب أنها الرياح التي تعصف، وتهُب بشدة.

قوله: {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا} [المرسلات: 3]، قيل: هي الرياح، لأنها تنشر السحاب وتنقله من موضع إلى موضع وتفرقه في السماء. وهذا هو الأقرب، لما تقدم من الآيات. وقيل إن الناشرات: هي الملائكة تنشر كتب الأعمال يوم القيامة، قال تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13]، أي مفتوحا. وقيل: الأمطار إذِ المطر ينشر الأرض الميتة، أي يحييها.

قوله: {فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا} [المرسلات: 4], قيل: هي الرياح لأنها تفرّق السحاب. وقيل: هي الملائكة، إذ أنها تنزل بأمر الله تعالى فتفرق بين الحق والباطل. وقيل: إنها آي القرآن، تفرق بين الحلال والحرام، والحق والباطل.

قوله: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} [المرسلات: 5]، والملقيات: الأقرب أن تكون الملائكة؛ إذ الملائكة هي التي تنزل بالوحي، فتلقيه على أنبياء الله. وقيل: إن الملقيات هي الرسل نفسها، إذ أنها تتلقى الوحي من الله سبحانه وتعالى، وتلقيه على عباد الله تعالى.

     ولهذه الأقسام المتتابعة نظائر في كتاب الله، بعضها يراد به الملائكة، كقوله: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} [النازعات: 1 - 4]، فهذه طوائف من الملائكة الكرام، وبعضها يراد به الرياح، كقوله: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات: 1، 2].

قوله: {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [المرسلات: 6]، إما أن تكون هذه الجملة حالًا، وإما أن تكون مفعولًا لأجله، وقد قُرئت على أكثر من وجه منها: (عُذْرًا أو نُذْرًا) بالتسكين، وبالضم: (عُذُرًا أو نُذُرًا)، ومعناها: أن سبب إلقاء هذا الذكر الإعذار، وإقامة الحجة، والإنذار؛ الذي هو الخبر المخُوف؛ فملائكة الرحمن التي تنزل بوحيه على رسله، تُقِيم الحجة على الناس، وتقطع أعذارهم، وتنذرهم ما هم مقبلون عليه، ورسل الرحمن الذين يتلقون وحيه، ويدعون العباد إليه، كذلك، فلهذا قال الله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].

قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ } [المرسلات: 7]، جواب الأقسام السابقة.

و (إنما): أداة حصر، كأن الغاية القصوى من هذا التأكيد، والقطع، والجزم، هو إثبات هذه الحقيقة التي ينازعون فيها، وهي البعث بعد الموت. ومثله قوله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 5، 6]، فدل على أن المقصود بالقطع بالوقوع هو ما أنكروه, وهو المعاد، الذي كان مستبعدًا بالنسبة لهم، حتى إن أن أُبيَّ بن خلف، أتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، بعظم حائل، ففتَّه، ثم ذراه في الريح، ثم قال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم؟ قال: "الله يحييه، ثم يميته، ثم يُدخلك النار([2])

قوله: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} [المرسلات: 8]، هذا تفصيل وبيان لهذا الأمر الواقع الذي أقسم الله تعالى على وقوعه بهذه الأقسام الخمسة. والنجوم معروفة، وهي الأجرام السماوية التي تتلألأ في ظلمة الليل، فإذا كان يوم القيامة سُلب ضوؤها وذهب نورها.

قوله: {وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ} [المرسلات: 9]: أي شُقت. ومنه قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار:1], وقوله:{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1]، وقوله: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}]الحاقة :16[, فأخبر الله تعالى بأنها واهية، فهذه السماء المحكمة، المتقنة، التي قال الله عنها: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3]، تتشقق يوم القيامة، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان: 25].

قوله: {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} [المرسلات: 10]، هذه الجبال الصلبة، الصلدة، الراسخة، الشاهقة، إذا كان يوم القيامة ذهب بها سريعا. كما قال تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]، فهذه الجبال التي هي من أعظم مخلوقات الله، ويقرنها الله تعالى بالسموات، والأرض، كما في قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [الأحزاب: 72] تصبح يوم القيامة هباءًا منبثًا، وقاعًا صفصفا.

قوله: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11]، قرئت: (أُقّتت) بالهمز، وقرئت بالواو: (وُقّتت)، وقرئت بالتخفيف، وقرئت بالتشديد، والمعنى واحد، يعني: ضُرب لهم ميقات مؤجل، كما دل عليه قوله بعدها:

{ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } [المرسلات: 12]، وإنما نصّ على الرسل خاصة، لأنهم هم الشهود على أممهم، قال تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، فكل رسول يشهد على أمته.

     فهذه صور من أحداثِ يوم القيامة، نبّه الله سبحانه وتعالى عليها بهذه الجمل الواقعة بعد جواب القسم، لكي تكون كالتفسير له، وربُّنا سبحانه وبحمده، كثيراَ ما يذكر صور القيامة ومشاهدها في القرآن العظيم، بطريقة مثيرةٍ عجيبة، يسرح الخيال في تصورها، والتفكر في معانيها، وأنَّى له أن يدرك حقيقتها، وكيفيتها!، لكنه يدرك المعنى المعهود في الأذهان، فيطلق العنان في تصور أبعاده، حتى تحصل له بذلك الموعظة والذكرى.

قوله: {لِيَوْمِ الْفَصْلِ} [المرسلات: 13]، وهو: اسم من  أسماء يوم القيامة، وقد أسلفنا القول أن أسماء القيامة أسماءٌ وأعلام، كما نقول في أسماء ربّنا عز وجل، وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم، وأسماء القرآن، فكل ما سمّاه الله تعالى فهو اسم ووصف؛ ذلك أنه يكون عَلَمًا على ذلك المعيّن، ويحمل وصفًا دالَّا عليه.

     وليوم القيامة أسماء متعددة، بلغ بها بعض العلماء أربعين اسمًا، بل وصل بها بعضهم إلى ثمانين. وعامتها مذكورة في القرآن العظيم، مثل: الآزفة، الصاخة، الطامة، القارعة، يوم الدين، ويوم التغابن، وههنا يوم الفصل. وسمي بذلك لأنه ظرف زمان يفصل فيه  بين العباد؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير، ويفصل في أعمالهم، ومراتبهم، ومنازلهم.

قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ} [المرسلات: 14]، هذا الاستفهام للتعظيم والتفخيم، وكثير ما يقع في القرآن العظيم مثل هذا الأسلوب ليعظّم الله تعالى به المقصود، منه قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1 - 3]، وقوله: {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 1 - 3]، فالله تعالى يسُوقُه على سبيل الاستفهام، ليستثير الأذهان.

قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15]، هذه الجملة تكررت في هذه السورة نحو عشْر مرات، وليس هذا من باب الحشو، والتكرار الذي لا فائدة منه، حاشا وكلّا! فليس في القرآن شيء زائد، ولا حشوٌ لا طائل من ورائه. والله سبحانه وتعالى يكرر بعض الآيات في كتابه، كما في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}, والمراد منها في كل موضع من السورة وعيد من كذّب بما تقدم ذكره، فمن أنكر ما تقدم ذكره من المعاد، فالويل له، والويل: كلمة وعيد. وقيل: إن الويل اسم وادٍ في جهنم.

قوله: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 16-19], استفهام تقريري، تتلوه جمل تقريرية ينبه الله تعالى فيها على سننه الكونية، لكي تكون دليلًا على ما سيقت لأجله من بيان عاقبة المكذبين بالدين. وفي هذا وخز لضمائرهم، لينظروا في سنن الله في الأمم السابقة: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ)؟ والجواب: بلى. وإذا صدّر الاستفهام بهمزة، فجوابه (بلى) في حال الإثبات.

وقوله: (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ)، إشارة إلى من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم من منكري البعث من كفار مكة، أو مشركي العرب، وقيل: إن المراد بالأولين: الأمم البائدة؛ مثل: عاد، وثمود، ومَدين، وأن الآخرين: هم قوم إبراهيم، وآل فرعون، ونحوهم.

 وقوله: (كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ)، أي أن ما صنعه الله تعالى بالأولين والآخرين، سُنّة مطّردةٌ باقية، يجريها الله تعالى وفق حكمته. وفي هذا تخويفٌ، وإيعادٌ، ونذارةٌ لمنكر البعث. وختم الله هذه الآيات بالجملة المتكررة: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}، وعيدًا على من كذب بما تضمنته.

قوله: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 20 - 24]، هذا لونٌ جديد من ألوان الاستدلال على إثبات المعاد، فما تقدم هو استدلال بسنن الله الكونية، وهذا استدلالٌ بالمبدأ على المعاد، فالتذكير بالمبدأ يجعل الأمر محل قناعة، فإن القادر على بدء الخلق، قادر على إعادته، بل هو أهون عليه.

وفي قوله: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم), أدغم عامة القراء القاف في الكاف، فلم يُظهر القاف. وفي قراءة قالون عن نافع إظهار القاف. والماء المهين: المني الذي يخرج من الرجل، ومن المرأة، فيحصل بهما النطفة الأمشاج، التي تقدم ذكرها في سورة الإنسان. وهو مهين أي: حقير، تشمئز النفس من نتنهِ، ومرآه.

 وقوله: (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ)، هو الرحم الذي جعله الله في موضعٍ تحيط به العظام، من صلب المرأة، وحوضها، حتى لا يتعرض لسوء. وجعل الله تعالى غذاء هذا الجنين مرتبطًا بهذا الغلاف السميك للرحم، وجعل وجههُ تلقاء ظهر أمه، كي يكون ذلك أحفظ له. فيمكث تسعة أشهر في هذا الوعاء الذي يمدهُ بالغذاء، وينمو نموًا تدريجيًا في خلقته، كما وصف الله تعالى في سورة المؤمنون وسورة الحج وغيرهما.

وقوله: (إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ)، هو الموعد الذي ضربه الله تعالى لخروج هذا المخلوق إلى الدُنيا، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8]، فكل إنسان قد حدَّ الله له حدًا، وقدر له قدرًا.  

فقوله: (قدرنا)، من القدرة، ومن التقدير، فلهذا قرأت بالقراءتين بالتخفيف وبالتشديد، (فَقَدَرْنَا) أدل على القدرة، و(فَقَدَرّنَا) أدل على التقدير.

قوله: (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ)، إي والله! إن الباحث ليذهل حينما يقف على مراحل تخليق الجنين، وما يمر به من أطوار، وكيف تتخصص خلاياه، وقد كانت خلية واحدة، تتابعت عليه الانقسامات ثمَّ استحالت إلى عين، وأذن، وقلب، وكبد! خلايا عصبية، وخلايا هضمية، وخلايا عضلية، وهكذا، شيءٌ عجيبُ مذهل!

     ولهذا فإني أدعو إخواني، طلبة العلم، إلى أن يقرؤوا في تفاصيل هذه المعلومات، التي أظهرها وجلّاها العلم الحديث، فإن في هذا زيادة إيمان، وتفكر، واعتبار. وفرق ما بين المؤمن وغير المؤمن، أن المؤمن حينما يقرؤها يزداد إيمانًا، بينما يقرؤها غير المؤمن كما يقرأ جملة من الأرقام والبيانات، لا تحرك فيه ساكنً، كما أخبر ربنا بقوله: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]. وقد ختم الله هذه الجملة من الآيات بقوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) وعيدًا على من أنكر ذلك وكذبه.

 ثمّ ذكر الله تعالى ضربًا ثالثًا من الأدلة على إثبات المعاد ألا وهي الدلائل الأرضية، فقال سبحانه {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 25 - 28]، هذه الطائفة من الآيات تدلُ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وإمكان البعث، وأنه هين عليه. فهذه الأرض أمُنا التي حوتنا، وضمتنا، وعشنا في حجرها، ونعودُ إليها، كما قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55].

وقوله: (كفاتا)، الكفتُ: هو الضم أي: أنها تضمكم أحياءً وأمواتًا، فنحن في أكنانها في البيوت، والكهوف، والمغارات، والظلال، كما قال ربنا:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81], وهي أيضاً بعد موتنا توارينا، فقد علم الله البشر ان يدفنوا موتاهم، كما في قصة ابني ادم، قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31].

قوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} [المرسلات: 27]، المراد بها الجبال، وسميت "رواسي"، لرسوها، ورسوخها، وتجذرها في الأرض، كما وصفها الله بقوله: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 7], يقول علماء الهيئة (الجغرافيا) ‏أن في بطن الأرض ‏كما على ظهرها من الجبل ، فإذا كان ارتفاع الجبل ٥٠٠ متر مثلًا، ‏ فله عمق مثله في بطن الأرض، فهي بمنزلة الأوتاد.

ومعنى "شامخات": أي شاهقات في جو السماء. فتأمل هذا التقابل بين كونها رواسي، تسيخ في العمق، وكونها شامخات، تشهق في العلو.

قوله: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27]، ‏هذه إشارة إلى  المطر الذي جعله الله ‏حياة للإنسان، والحيوان، والنبات. ومعنى فراتًا: أي عذباً زُلالا، فامتن بهذا الوصف، لكونه هو الوصف الصالح  ‏للاستمتاع والشرب، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان: 53], وقال: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12].

وقوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 28]، الذين لا يعتبرون بهذه الآيات الأرضية، والآفاقية، ويل لهم!، ‏فدلت هذه الجملة من الآيات على أن القادر على خلق هذه الأشياء، وجعل الأرض كفاتاً، قادر على إعادة خلقهم. قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]. ‏

‏قوله: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [المرسلات: 29]، تغير في الخطاب، والتفات يلفت الأنظار ويسترعي الانتباه، {انْطَلِقُوا}, بصيغة الأمر ،الذي يجبه المكذبين؛ كانوا يكذبون بالبعث، وكانوا يكذبون بالنار, فكأنما رُحِّلوا إلى ذلك اليوم الموعود الذي يُنكرونه.

قوله: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30]، وقُرئت على صيغة الخبر: {انْطَلَقوا}, والقراءة المشهورة بصيغة الأمر، في الثانية كما في الأولى. والشُّعب: الأجزاء المفترقة، ‏وذلك لأن دخان اللهب إذا ارتفع في السماء يتقطع فرقًا، فإذا تصاعد الدخان من لهب جهنم، نشأ له ظل، ‏فإذا ارتفع تفرق إلى ثلاث شعب، ‏كما وصف بعض المفسرين: شعبة عن يمينه، وشعبة عن شماله، وشعبة فوق رأسه، فهي تكتنفه من كل مكان. وبئس الظل هو! فقد وصفه الله بقوله: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: 43، 44]. في حين أن عباد الله تحت ظل عرش الرحمن، يوم لا ظل إلا ظله.

قوله: {لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 31], أي ‏ليس الظل الذي يقيهم من الحر، ولا يمنع عنهم ألسنة اللهب من نار جهنم. وربما دل ذكر اللهب على أن ذلك يقع بعد عرصات القيامة، وظاهر السياق أنه يكون بعد بعثهم، فيكون ذلك دخان يخرج من نار جهنم، فيقعون فيه.

قوله: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} [المرسلات: 32]، أضمرها ولم يُسمها, لمزيد تعظيم شأنها، وخطرها، وشدتها، وهي النار. و(ترمي) أي: تقذف. و(الشرر): هو ما يتطاير من النار من شظايا، جمع شرارة، أو شرار. وقوله: {كَالْقَصْرِ}، أي بحجم القصر، وهي البيوت العظيمة. وقرئت: كالقُصَر، وهي مقدار من الحطب يبلغ نحو ثلاثة أذرع، كانوا يتخذونه، ويحفظونه للشتاء, فمثل بشيء يعهدونه في أذهانهم.

 قوله: {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} [المرسلات: 33]، أي كأن الشرر المرمي جمالت، جمع جِمال، فهي جمع الجمع، ووصفها بالصفر، تشبيهًا لها بنوع خاص من الإبل، وهي السود المشوبة بصفرة، ويقال: لا يكاد يوجد إبل سوداء، إلا وهي مشوبة بصفرة، فلذلك سموها صُفر. وختمها بالجملة التعقيبية: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}، متوعدًا، مهددًا، ‏المكذبين بالمعاد، وما يقع فيه من حوادث.

قوله: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35، 36]، في هذا الحر الشديد، والأتّون الرهيب، لا يتمكنون من النطق، تعقل ألسنتهم فلا يتمكنون من الاعتذار، ولا الافصاح عن مكنونات قلوبهم، لأن الدهشة قد أخذتهم، وبلغت القلوب الحناجر، وإن كانوا ‏في بعض مواضع القيامة يأخذون في الاعتذار، ‏ويحلفون الأيمان، ‏ويكذبون الكرام الكاتبين، لكنهم في هذا الموضع العصيب يُختم عليهم، فلا يتمكنون لشدة الهول من البيان. ‏فيالها من حال بئيسة.

     ما أعجب تصوير القران لحال المكذبين يوم القيامة! إن فيه من العظة، والعبرة، لمن شرح الله صدره، ما يحمله على أن ينخلع مما هو فيه من كفر، وتكذيب، وفسوق، وعصيان. فأما من ختم على قلبه، فما تنفعه موعظة، ولا ادكار، كما قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146].

قوله: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 38 - 40]، أعاد التعريف باليوم، ووصفه بالفصل، وزاد وصفه بالجمع، كما قال: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ} [التغابن: 9]، فيجمع الأولين والآخرين على صعيد واحد، رغم تفاوت أزمانهم، وتباعد أقطارهم، واختلاف أحجامهم، فكلهم في قبضته، وتحت سلطانه. ثم يتحداهم جميعًا أن يفلتوا من قبضته، أو ينفذوا من سلطانه، مهما بلغت حيلتهم، وتدبيرهم، كما قال: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } [الرحمن: 33]. ثم يكرر عليهم الوعيد بالويل، جراء تكذيبهم.

     ولما ذكر الله حال المكذبين، قابله بحال المؤمنين، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} [المرسلات: 41]، فإن كان أولئك في ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني عن اللهب، فإن المتقين في ظلال ظليلة، وعيون سارحة مريئة، وهم في عرصات القيامة في ظل عرش الرحمن، وفي الجنة في ظلال أشجارها. فالظلال من فوقهم والعيون تجري من تحتهم.

قوله: {وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [المرسلات: 42]، وهو ما يتفكهون به من أنواع المآكل. وقد جاء في السنة  وصف رقيق ‏لنعيم أهل الجنة، وكيف ‏أن الرجل من أهل الجنة إذا اشتهى الثمرة تدلت له، حتى صارت في متناول يده، فإذا قضى منها نهمته، ارتفعت. وفي الحديث القدسي: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)([3])، فيمتعهم الله تعالى متاعاً حسياً، ومتاعاً نفسياً، فهم في نعيم ودعة، وأنس وراحة بال، يتقلبون في أنواع المتاع؛ من المآكل، والمشارب، والمناكح، وسائر المتع الحسية، والمعنوية. قوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات: 43]، هذه الباء ليست باء المعاوضة، ولا باء الثمنية، ولا باء المقابلة، بل هي باء السببية.   فبهذا نجمع بين الآية، وبين حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:  (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)([4]) فالباء المنفية باء الثمنية والعوض والمقابلة، والباء المثبتة باء السببية، فأعمالهم كانت سبباً في دخولهم الجنة، لا عوضًا وثمنًا، كما تدعي المعتزلة.

قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [المرسلات: 44]، قانون العدل الإلهي، قامت به السماوات والأرض، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. فالله تعالى متفضل، منعم، شكور, كما أنه حكم عدل مقسط.

قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 45]هذه الجملة التعقيبية المتكررة، تتعلق بما تقدم ذكره آنفًا، فمن كذب بنعيم أهل الجنة، فالويل له.

قوله: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} [المرسلات: 46]، التفات إلى الفريق الآخر وهم المجرمون، كقوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3]. فلما كان الحديث عن نعيم المتقين، من الأكل، والشرب، أراد الله سبحانه وتعالى أن يبكِّت المكذبين، ويندمهم، فهم في النَّار إنما يأكلون الضريع، والزقوم، ويشربون الحميم، والغسلين. فأنتم في الدُّنيا تأكلون، وتتمتعون كما تأكل الأنعام، متاع قليل، متاع زائل، تنالون ما قُسم لكم بمقتضى الربوبية، فإن الله سبحانه وتعالى، قد تكفل لكل دابة بما يقيم أودها، قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}[سورة هود:6]، فهم وإن رزقهم الله، لكنه رزق لا يحل لهم، قال ربنا عز وجل: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32]، فقد أباح الله الطيبات للمؤمنين في الحياة الدنيا، وأنكر على من حرمها، لكن يشرَكهم غيرهم من الكفار، في المآكل، والمشارب، وربما فاقوهم في التمتع بها، دون إباحة، ويوم القيامة تكون خالصة للمؤمنين.

     وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ)([5]

قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 47]هذه الجملة التعقيبية المتكررة، تتعلق بما تقدم ذكره آنفًا، فمن كذب بوعيد المجرمين، فالويل له.

 قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]،كانوا حينما يندبون إلى الخضوع لله سبحانه وتعالى، والصلاة يأبون، ويستنكفون، ولا يظهرون العبودية المستحقة لله تعالى، وبعضهم يقع في نفسه كبر جاهلي، فقد روي أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ، لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ، لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُحْشَرُوا، وَلاَ يُعْشَرُوا، وَلاَ يُجَبُّوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَكُمْ أَنْ لاَ تُحْشَرُوا وَلاَ تُعْشَرُوا وَلاَ خَيْرَ فِى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ")([6]). قال الخطابي، رحمه الله: (وقوله أن لا يجبوا معناه لا يصلوا وأصل التجبية أن يكب الإنسان على مقدّمه ويرفع مؤخره)[7]

     ومن طريف ما يُحكى في هذا المقام، أن الإمام مالك بن أنس -رحمه الله-  كان لا يرى تحية المسجد في وقت النَّهي، فدخل المسجد يومًا بعد صلاة العصر، فجلس، فأقبل إليه صبي، وقال له: يا شيخ! قم فاركع ركعتين، فقام -رحمه الله- وركع ركعتين، فقال له أصحابه في ذلك، قال : إني خشيت أن أكون ممن قال الله فيهم : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ).

     وقد عدَّ ابن القيم -رحمه الله- هذه الآية الدليل العاشر من أدلة القائلين بكفر تارك الصلاة، ولو تهاونًا وكسلاً، فقال: (ذكر هذا بعد قوله: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ}، ثم توعدهم على ترك الركوع، وهو الصلاة إذا دعوا إليها. ولا يقال: إنما توعدهم على التكذيب، فإنه سبحانه وتعالى، إنما أخبر عن تركهم لها، وعليه وقع الوعيد)([8]).

قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات: 50]، إذا لم يقنعهم القرآن، ولم يخضعوا لآياته، ودلائله، وحججه، وبراهينه، فماذا عسى أن يقتنعوا به؟.

     وفي هذا إلماحة إلى الدعاة، أنه ينبغي أن يكون دليلهم الأول، وسلاحهم الذي عليه المعوّل، القرآن العظيم، كما قال الله عز وجل: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان: 52]، وقال: {وَذَكِّرْ بِهِ} [الأنعام: 70], وقال: {وَأَنْذِرْ بِهِ} [الأنعام: 51]. فيجب أن يستشعر الداعي إلى الله عز وجل أن أعظم سلاح معه القرآن العظيم، وأنّه ينبغي أن يحتج به، ويستدل به، وينهل من معينه، ويستخرج الدلائل التي أودعها الله فيه. فلا يغرنّك ما تسمع من كلام بعض المتكلمين، أو العصرانيين المتفلسفين، الذين يقولون: دعوا النصوص جانبًا، هذه أدلة سمعية، وعليكم بالأدلة العقلية! فيقال: ما كان من حق فيما يذكرون فهو موجود في القرآن العظيم، فالقرآن يتضمن العقل، والنقل معًا، فليس هناك دليل أقوى من أدلة القرآن، ولا موعظة أعظم من موعظة القرآن. فتمسك بهذا أيها المؤمن، وأيها الداعية، ويا طالب العلم، ولا تعدل به شيئًا، ولا تبحث عمّا سواه، ولا تحاول أن تتسلح بغير سلاح القرآن، فهي أسلحة واهية، ضعيفة، بجنب سلاح القرآن، وقوته، وسلطانه. ولهذا قال ربنا عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، فأول ما نقرع به سمعه القرآن، والله المستعان .

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: إقسام الله تعالى بما شاء من مخلوقاته, وشرف المُقسَم به؛ فإن الله تعالى لا يقسم إلا بأمر شريف.

الفائدة الثانية: تسخير الله تعالى مخلوقاته؛ من الرياح، والملائكة.

الفائدة الثالثة: أن آيات القرآن فرقان بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر ، والحلال والحرام.

الفائدة الرابعة: أن القرآن ذكر للقلوب، وإعذار، وإنذار للنَّاس.

الفائدة الخامسة: إثبات المعاد، والقطع بذلك.

الفائدة السادسة: بيان المتغيرات الكونية في السماوات والأرض، يوم القيامة.

الفائدة السابعة: شهادة الرسل على أقوامهم.

الفائدة الثامنة: أن من أسماء القيامة (يوم الفصل) وهو اسم ووصف.

الفائدة التاسعة: وعيد المكذبين بالبعث.

الفائدة العاشرة: سنة الله المطّردة في إهلاك المكذبين.

الفائدة الحادية عشر: الاستدلال بالخلق الأول على إعادته.

الفائدة الثانية عشر: بديع خلق الله ، وكمال قدرته في خلق الإنسان، وتطوره.

الفائدة الثالثة عشر: إثبات القدر السابق.

الفائدة الرابعة عشر: الاستدلال بالأدلة الأرضية على إثبات البعث.

الفائدة الخامسة عشر: الاستدلال بالخلق الأعظم على ما دونه.

الفائدة السادسة عشر: أسلوب الالتفات، وأسلوب التكرار، في القرآن, فالقرآن بديع تتنوع أساليبه، لا يمله قارئه، ولا يبلى على كثرة الرد.

الفائدة السابعة عشر: شدة عذاب جهنم، وسوق المكذبين إليها كرها.

الفائدة الثامنة عشرة: إلجام أفواه المكذبين، وعقل السنتهم عن الكلام، والاعتذار، لشدة الهول.

الفائدة التاسعة عشرة: انقطاع حيلة المكذبين يوم القيامة، وإبلاسهم.

الفائدة العشرون: كمال نعيم المؤمنين الحسي والمعنوي، في الجنة.

الفائدة الحادية والعشرون: أن العمل سبب لدخول الجنة، لا ثمن لها.  

الفائدة الثانية والعشرون: أن الجزاء من جنس العمل.

الفائدة الثالثة والعشرون: أن متاع الدنيا قليل.

الفائدة الرابعة والعشرون: أن ترك الصلاة مخرج عن الملة، ومن موجبات الخلود في النار. وعلى هذا السلف المتقدمون، حتى حكي الإجماع على ذلك.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن القرآن العظيم بلغ الغاية في الإعجاز والإقناع.

 


([1])أخرجه أحمد رقم (5594), وأبو داود رقم (3251), والترمذي رقم (1535), واللفظ له.

([2])تفسير الطبري: (20/ 554).

([3]) أخرجه البخاري رقم (3244), ومسلم رقم (2824).

([4]) أخرجه البخاري رقم (5673), ومسلم رقم (2816).

([5]) أخرجه مسلم رقم (2807).

([6])أخرجه أحمد رقم (17913), وأبو داود رقم (3028).

([7]) معالم السنن (3/ 34).

 

([8]) الصلاة وأحكام تاركها (43).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:34 صباحًا السبت 20 ربيع الثاني 1442 / 5 ديسمبر 2020.