• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة الإنسان

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  104
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة الإنسان

     سورة الإنسان، سميت بهذا السم لورود لفظه في مستهلها، ووصفه في أثنائها. وهي سورةٌ مكيّة عظيمة، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها، وبسورة السجدة، في صلاة الفجر يوم الجمعة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ»)([1]),

وقد تعرضت هذه السُّنة النبوية لهجران وتحريف. أما الهجران فهو استثقال كثير من الناس الإتيان بها، بسبب طول القيام، فاستعاضوا عنها بالسور القصار. فالواجب على الأئمة أن يحيوا هذه السنة، ويحرصوا على المحافظة عليها إلا ما ندر؛ فلا بأس أن يفصل الإمام أحيانًا، فيقرأ بسواهما، لكن يجعل عامة قراءته صبيحة الجمعة، بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

     وأما التحريف فهو أن بعض الأئمة يعمد إلى اقتطاع شيءٍ من السورتين، فيقرأ ببعض السجدة، والإنسان، أو ببعض الإنسان، أو يقتصر على إحداهما. وهذا من الخطأ العظيم، والتشويه للسنة، فإما أن يأتي بالسنة على وجهها، أو يدع؛ فلو أنه ترك قراءتهما كان خيرًا من أن يأتيَ بها على صفة غير مشروعة. 

وهذه السورة لها مقاصد، فمن أعظم مقاصدها:

  1. بيان حال الإنسان من مبتدئه إلى منتهاه، ولهذا التمس بعض العلماء حكمةً لمشروعية قراءة r لسورة السجدة والإنسان صبيحة الجمعة؛ لما فيهما من ذكر خلق آدم، وخلق الإنسان ومنتهاه، ويوم الجمعة هو اليوم الذي خلق الله تعالى فيه آدم، وفيه تقوم الساعة، ففي قراءتهما مناسبة للزمان، وتذكير بأصل الإنسان. 
  2. بيان حقيقة الهداية والإضلال.   
  3. بيان أسباب الهدى والاستقامة. 

قوله:: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}: هذا استفهامٌ يقصد به التقرير، لا يقصد به حقيقة الاستفهام، فهو بمعنى قد، فالمعنى: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا.

     والإنسان في هذا السياق يُراد به آدم عليه السلام، تحديدًا، بينما الإنسان في الآيةِ بعدها يراد به جنس الإنسان. ولفظ "الإنسان" في القرآن العظيم تارةً يراد به آدم, وتارةً يراد به جنس الإنسان؛ وربما أريد به الكافر خاصةً.

     فآدم عليه السلام؛ أتى عليه وقتٌ وهو عدم، وأتى عليه وقتٌ وهو صلصال كالفخار، منجدلٌ في طينته؛ مرّت عليه أربعون عامًا لم يكن شيئًا مذكورًا. وفي هذا تنبيه من الله عز وجل، على أصل خلق الإنسان، وأنه لم يك شيئًا ثم أنشأه من العدم، فكيف يطغى؟! 

وقوله: {لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}, أي كان غَفَلًا هَمَلًا, لا يُؤبه له, ولا يُعرف, ولا يُذكر، ثم هو بعد ذلك يناكف ربّه ويعاند رسله, ويطغى على عباده.

قوله: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ}, الإنسان هُنا هم نسل آدم؛ لأنهم هم المخلوقون من النطف، بخلاف آدم عليه السلام، فإن الله تعالى خلقه من طين، وخلق الله تعالى ذريته من نطفة أمشاج.

     والنطفة: هي القذفة المنوية التي تخرج من الرجل، وتخرج من المرأة، فينشأ من امتزاجهما واختلاطهما بداية تخليق الإنسان، وقد جاء العلم الحديث فيما يسمى بـ "علم الأجنة" بتفاصيل لهذه العمومات، تدل على ما دلّ عليه القرآن، وتظهر من دلائل الربوبية ما لم يكن في علم الأولين. فإنّ الدفقة التي يقذفها الرجل تحتوي على ملايين الحيوانات المنوية، يسبق منها واحدُ فقط لتلقيح البويضة المنحدرة من المبايض الأنثوية أعلى الرحم. وهذا يدل على سعة قدرة الله عز وجل، فيكفي من هذا المليون، واحد لكي يكون مبتدأ الخلق.

     والحيوان المنوي عبارة عن خلية تختلف عن بقية خلايا الجسم، ويقول علماء وظائف الأعضاء: إنّ سائر الخلايا يكون فيها ستة وأربعون مورّثًا جينيًا، إلا الخلية المنوية ففيها نصف العدد؛ ففيها ثلاثة وعشرون مورِّثًا جينيًا (كروموزوم) من الرجل, يقابله ثلاثة وعشرون من بويضة المرأة، ليمتزج ماء الرجل بماء المرأة، ويصبح العدد ستة وأربعين، فتتكون الخلية الأمشاج، الخلية.

     ومعنى {أَمْشَاجٍ} أي: أخلاط، أي مزيج من ماء الرجل، وماء المرأة، يلتقيان بقدرة الله، ويحصل التخصيب، فتنشأ الخلية الأولى، ثم تعلَق في جدار الرحم، ولذلك تسمى علقة، والمفسرون الأوائل يقولون: العلقة قطعة من دم؛ وذلك أن الأوعية الدموية التي تكون في جدار الرحم تمتد إليها، فلا تزال تمدها بالغذاء حتى تكتسب هذا الوصف، وتبدو كأنها قطعة جامدة من دم. فلا تزال تنقسم انقسامات متتالية حتى تصبح مضغة، ثم لا تزال المضغة تنقسم، وتتخصص خلاياها حتى تصبح مُخلّقة، ثم تصل بعد ذلك إلى مراتب أُخر كما ذكر الله تعالى في سورة المؤمنون, قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14].

     فمراحل تخليق الجنين تدل على عظمة الله عز وجل، كما قال ربنا عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة:٥٨-٥٩].

فآخر عهد الرجل أن يقضي وطره، ويأتي شهوته، ثم ينصرف، ولا يدري ما الذي يجري! لكنّ الله تعالى يُتابع هذا الخلق، فلا تشعر المرأة إلا وقد انقطع عنها الطمَث، ليدخر غذاءً للجنين، فينمو ويكبر بإذن الله.

     إنها آياتٌ عِظام لمن تأملها، ولهذا يذكّر الله بها دومًا؛ أولًا: لما فيها من دلائل الربوبية، ثانيًا: لما فيها من تذكير الإنسان بأصل خلقته. غير أن بعض بني الإنسان، الذي كان نطفة مذرة، تشنؤها العين، وتتقزز منها النفوس، لا يلبث أن يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}[النازعات: 24]! ، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص: 38]! ، {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}[البقرة: 258]! ، {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}[القصص: 78]!, فوا عجبًا له، ما أطغاه!

قوله: {نَبْتَلِيهِ}, أي نختبره، وفي هذا تنبيه على حكمة الخلق، وأن الله سبحانه وتعالى ما خلقه عبثًا ،ولا لهوًا ، ولا لعبًا. بل لحكمة، وغاية. قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:٢]. وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:٥٦]، وقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. فأفعال الله تعالى مُعلّلة، لها حكمة، منزهة عن العبث، والسفه، ونفي الحكمة.

قوله: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} أي: لم تَزَل هذه النطفة الأمشاج تكبر وتنمو، حتى تخصصت خلاياها، فصار من خلاياها الأذن التي تسمع، والعين التي تُبصر، والقلب الذي يعقل. وهذه هي الآلات والأدوات، التي يتأهل بها لحمل الأمانة التي أعيت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها, كما قال تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} [الأحزاب٧٢].

     فالإنسان قد آتاه الله تعالى من الآلات، والأدوات، والاستعدادات، ما يتمكّن به من تحمّل التبعات والمسؤوليات، وفهم الخطاب، والقيام بما خُلِق لأجله. فالسمع، والبصر، منافذ التعلم، وكلاهما يصب في الفؤاد الذي فيه العقل، فهما يجلبان المعاني، والمعارف، والدلائل، إلى القلب، فيقوم القلب بتصورها، وتعقّلها، وإدراكها، وبقية الجوارح معدة للعمل، فتقوم عليه الحجة.

     وقد وصف الله الإنسان بأنه سميع، وبصير، والله تعالى سميع، وبصير، لكنّ سمع الله يليق به، وسمع المخلوق يليق به، وبصر الله يليق به، وبصر المخلوق يليق به. واتفاق الأسماء لا يستلزم اتفاق الحقائق والكيفيات, فالاشتراك وقع في الاسم، وأصل المعنى المعهود في الأذهان، لكنه يتخصص في الأعيان. فأصل معنى السمع: إدراك الأصوات، وأصل معنى البصر: إدراك المرئيات. فلا يُشكل عليك أن يوافق وصفُ العبد وصفَ الرب، واسمُ العبد اسمَ الرب؛ لأن لله ما يليق به، وهو المثل الأعلى، وللعبد ما يليق به، وهو المثل الأدنى.

     فلما تكونت عنده هذه المؤهلات، وهذه الاستعدادات، قال تعالى:

{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، هذه الهداية هي هداية الدلالة، والبيان، والإرشاد، فالله سبحانه وتعالى هدى هذا المخلوق الذي بات قادرًا على فهم الخطاب، إلى السبيل, وذلك بإقامة الحجة الرسالية، وقد أودعه قبل ذلك الغريزة الفطرية، فقد فطر عباده على الدين، كما قال الله سبحانه وتعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم:٣٠]، وقال نبيه r: (ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، كما تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هلْ تَجِدُونَ فيها مِن جَدْعاءَ، حتَّى تَكُونُوا أنتُمْ تَجْدَعُونَها؟)([2]), والفطرة هي الإسلام, ولهذا لم يقل يسلِّمانه أو يأسلمانه, بل قال: يهودانه، وينصرانه، لأن التهود، والتنصر، انحراف عن الفطرة السليمة، ورغبة عن الحنيفية؛ ملة إبراهيم، كما نرى الشاة، أو الناقة تلِد بهيمةً تامة الخلقة، ثم يأتي أصحابها فيجدعون أذنها، ويكسرون قرنها، فكذلك ابن آدم يخرج خلقًا سويًا، على الفطرة التي فطره الله تعالى عليها، وهي الإيمان به، وبربوبيته، وألوهيته، واعتقاد كمال صفاته، ثم يؤثر عليه أبواه، ومحيطه الاجتماعي، كما قالَ تعالى في الحديث القدسي: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ)([3]والمقصود أنّ الله تعالى هداه السبيل، فوق دلالة الفطرة، بدلالة الحجة الرسالية. قال تعالى: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165]. فلم يدع الله الناس لفطرهم، بل زاد على ذلك أن أرسل إليهم رسلًا، {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213]، وقال: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24], وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، وقال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].

والهداية نوعان:

الأولى: هداية الدلالة، والإرشاد، والبيان: وهذه يستطيعها الرسل، والعلماء، والمربون، والوعاظ؛ يدلّون، وينصحون، ويعظون، ويُعلِّمون، كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، وكقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17].

الثانية: هداية التوفيق والإلهام: فهذه لا يقدر عليها إلا الله، قال الله تعالى: {إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56], وقال: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 142], في نحو عشر مواضع من القرآن, وقال: {مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام:39]، {فمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام:125]

     فلما أقام الله الحجة على عباده، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، آل حال الناس إلى أحد أمرين، إما شكر وإما كفر، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن:2]. وهذا الاهتداء للسبيل، ليس قسريًا اضطراريًا، بل هو اختياري إرادي من جهة الإنسان، فإنه يجد في قرارة نفسه، وخبيئة قلبه، إرادةً تحمله على سلوك أحد السبيلين، كما قال ربنا سبحانه وبحمده: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-9]. فربنا سبحانه وبحمده، بيّن للعباد طريق الجنة وطريق النار، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وبيّن لهم جزاء الطاعة، وجزاء المعصية، وآتى كل نفس مشيئة وفعلًا حقيقيين؛ بهما يأتي وبهما يَذر، فلا يهلك على الله إلا هالك. ولا يتعارض ذلك مع وجود القدر السابق، كما دل عليه الشرع والواقع.

     وليس لأحدٍ أن يحتجّ بالقدر السابق، لسبب جلي؛ وهو أنه لا يعلم ما الذي قدّر الله له، وهو حين أمره ونهاه، كان يملك الإرادة، والقدرة على الفعل أو الترك بمحض اختيار، وسبق إصرار، وعليه فلا حجة لأحد بالقدر على ترك الطاعات، وفعل المحرمات. والمقصود أن الله جعل هذه الحياة محل ابتلاء. والشكور: هو الذي يقابل نعمة الله وهدايته بالاغتباط بها، وقبولها والسير على نهجه، وسبيله. والكفور: هو الذي غطى فطرته، وتنكب الطريق، واستنكف، واستكبر. وإنما  سمي الكافر كافرًا لأن الكفر هو التغطية، فكأنه غطّى قلبه، وعقله، بهذا الحجاب؛ حجاب الكبر، والإباء، والتكذيب، فحال بين قلبه وبين نور الله، ولم يقبل هدى الله، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]

قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}، لما ذكر الله تعالى التنوع في العباد، نبّه على تنوع الجزاء، ومعنى: {أَعْتَدْنَا}: هيّأنا وأعددنا، والسلاسل تكون في الأيدي، وفي الأرجل، والأغلال تكون في الأعناق، قال تعالى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ*فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر:71-72], وقال: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} [يس: 8], فتغل أيديهم إلى أرجلهم إلى أعناقهم, فيقذفون في النار.

والآية تدل على أن النار مخلوقة؛ لأنه قال: {أَعْتَدْنَا}، وهو فعل ماضٍ، فالجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن؛ فقد قال عن الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين}[أل عمران:33]، وقال عن النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة:24]، خلافًا للمعتزلة، الذين ينفون ذلك، ويزعمون أن خلقهما عبث لا حاجة له. وهذا مبني على أصلهم الفاسد؛ إذ أنهم يحكمون على الله -تعالى الله عما يقولون- بوجوب فعل الأصلح، بمحض عقولهم, فيما يجب لله, وما يمتنع عنه, وما يجوز علي.، وهذا من الجرأة العظيمة على الله عز وجل، والواجب اعتقاد ما دلّت عليه النصوص، من طلاقة مشيئته المقترنة بحكمته.

والسعير: هي النار الموقدة، وهو اسم من أسماء جهنم.

قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا*عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}، الأبرار: جمع بَرّ، فالبِرّ كثرة الخير، والبَرّ هو من يكثر فعل الخير، فسماهم الله تعالى أبرارًا، لأنهم بارّون في أعمالهم وأقوالهم. والكأس في اللغة يراد به كأس الخمر، وهو خمر الجنة قال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: 17 - 19],  أي لا يلحقهم ما يلحق من يشرب خمر الدنيا من الصداع، والأذى، وفقدان العقل، كما قال: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47], بل فيه اللذة، كما وصف في هذه الآية. والعرب تعرف الكأس، وتعرف الخمر، وتعرف الكافور، لكن ليس في الجنة ممّا في الدنيا إلا الأسماء، فالأسماء واحدة، لكن الحقائق والكيفيات مختلفة، إلا أن ثَمّ اشتراك في أصل المعنى. ولهذا يذكر المفسرون أنّ الكافور فيه برودة، يناسب أن يكون مِزاجًا، وخلطًا مع الكأس.

قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}، ذهبَ المفسرون إلى أنّ هذه مرتبة أعلى من اسابقتها، وأنّ عباد الله هنا هم المقرّبون، الذين رتبتهم أعلى من رتبة الأبرار، فلئن كان الأبرار يشربون من كأس ممزوجة، فإنّ عباد الله المقربين يشربونها صِرفًا من العين مباشرة. وقد قال يشرب بها، ولم يقل يشرب منها، وهذا ما يسمى في علم البيان بالتضمين، يعني أن الفعل يُضمّن معنى فعل آخر، فكأنه ضمّن فعل (يشرب) فعل (يروى)؛ أي يروى بها، أو يتروّى بها، فهم يشربون، ويرتوون أيضًا.

     والإضافة في قوله: {عِبَادُ اللَّهِ}، إضافة تشريف، أي أنّ عبوديتهم لله عبودية حقة، فليسوا مجرد عبيد عبودية كونية، فكل الخلق كذلك؛ مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، قال تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم:93]، لكن المقصود هنا العبد العابد، وليس العبد المعبّد.

وقوله: {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}, يعني يذهبون بها، ويصرفونها كيف شاؤوا؛ في مساكنهم، وبساتينهم، حيث شاؤوا، فكأنها طوعُ بنانهم.

     ثم ذكر المسوّغ الذي لأجله نالوا هذه الدرجات العُلى، فقال:

}يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا{، النذر، إما أن يراد به مطلق ما أوجبه الله سبحانه وتعالى، كقوله في مناسك الحج: }ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29[، فثَم مناسك يجب أداؤها؛ فهي واجبة بأصل الشرع، وإما أن يراد بالنذر، ما أوجبه الإنسان على نفسه من غير إيجاب من الله، كأنّ يقول إنسان: لله عليّ نذر أن أصوم شهرًا، أو يقول: لله عليّ نذر أن أحجّ بيته، أو يقول: لله عليّ نذر أن أذبح ناقة أو شاة. فإلزام الإنسان نفسه طاعة غير واجبة يسمى نذرًا، فَهُم على كلا الحاليـن، يوفون بالنذر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ)([4]).

     وليس في هذا دليلٌ على مشروعية النذر، وإنما فيه دليل على وجوب الوفاء به إذا انعقد. ولا ينبغي للإنسان أن ينذر، ويضيق على نفسه، بأن يلزمها بما لم يلزمها الله به، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»)([5])، وصدقَ، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم، فإنّ كثيرًا من الناس يُخيّل إليهم إذا أرادوا شيئًا من المطالب أن ذلك لا يتم لهم إلا بالنذر! فيقول: لله عليّ نذر إن حصل كذا، أن أذبح كذا، أو أتصدق بكذا، فإذا تحقق مطلوبه حاول جاهدًا أن يتنصل ممّا نذر، ويبحث عن مخرج، وهذا أمر مُشاَهد! تجد من نذر أن يتصدق، مثلًا بألف ريال، إذا تحقق ما يرجوه، جعل يستفتي: هل يصلح أن أوزعه على أولادي؟!

     فينبغي للإنسان، إذا أراد من اللهِ شيئًا، أن يرفع يديه، ويدعوه، فالله سبحانه وتعالى يعطي، لا على سبيل المقايضة. هل تظن أيها الناذر أن الله سبحانه وتعالى، لم يحقق طلبتك إلا لأنك نذرت؟ الله غني عنك، وعن نذرك، لكن سله من واسع فضله، وادعه، فليس شيء أكرم على الله من الدعاء. وينبغي لطلبة العلم أن يحذّروا الناس من النذر، حتى لا يقعوا في عدم الوفاء به، فمن كان في سعة، فلا يضيّق على نفسه واسعًا، ثم هو إن شاء, بعد أن يُحقق الله تعالى له ما يرجوه، أن يشكر ربه بما شاء من أنواع الطاعات، فذلك خير من أن يفعله على سبيل الالتزام.

قوله: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}، الوفاء بالنذور من فعل الواجبات، والخوف من اليوم الآخر حجزهم عن الوقوع المحرمات. وهو يوم حقيق بالخوف لا شكّ، يوم القيامة يوم عظيم، يوم مهول، من امتلأ قلبه بالعلم بحقيقته، وتفاصيله، وما يجري فيه، نشأ عنده خشية، وورع، وخوف عند تذكره! ومعنى مستطيرًا أي: منتشرًا، ممتدًا، يملأ السماء والأرض، تُبدّل فيه الأرض غير الأرض والسماوات.

قوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}، قال بعض المفسرين: مرجع الضمير في قوله: {عَلَىٰ حُبِّهِ}؟ إلى الله، أي يطعمون الطعام على حب الله, أو بسبب محبة الله، ولكن الظاهر والله أعلم - وعليه أكثر المفسرين - أن المراد: على حب الطعام، يعني أنهم يحبون هذا الطعام،  الذي هو جزء من مالهم، ومقتنياتهم، ومع ذلك فإنهم يبذلونه ابتغاء وجه الله.

     والمسكين: من أسكنته الفاقة، فلا يملك قوته، وإذا جاء منفردًا في القرآن، فإنه بمعنى الفقير، كما أن الفقير إذا جاء منفردًا في القرآن، فإنه بمعنى المسكين، أما عند الاجتماع، فإن العطف يقتضي المغايرة، كما جمع بينهما في آية مصارف الزكاة {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}[التوبة:٦٠]، قال المفسرون: الفقير هو الذي لا يجد أكثر كفايته, أي دون النصف، والمسكين هو الذي يجد أكثرها, أي النصف فأكثر، فالفقير أشد فاقة من المسكين. وعند الانفراد هما بمعنى واحد، كما في قول الله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة:٨٩].

     واليتيم: من مات أبوه ولم يبلغ، فالغالب أنه لا عائل له، ولا منفق عليه، وقد عظّم الشارع العناية بهؤلاء الضعفاء، فقال الله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَةٍ *أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ *أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}[البلد: ١١-١٦]، وفي هذا استجاشة لأصحاب النفوس الكريمة الطيبة أن يبذلوا، ويعطوا، ويطعموا، فإنّ من عباد الله من لا يجد ما يسد جوعته، وكثير من الناس يتفكّه بالكماليات، ولا يشعر بحاجة ‏الفقراء والمساكين والأيتام. ‏فينبغي لأهل الإيمان أن يتفطّنوا لذوي الحاجات.

      والأسير: هو المحبوس، وقيل: هو العبد الرقيق، لأنه بحكم المحبوس على سيده. وقد عظّم ‏النبي صلى الله عليه وسلم شأن ما ملكت الأيمان من الأرقاء والإماء، فكان من آخر وصاياه: (الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)([6]

     فهذه الأمور الخُلقية، أمور مُقترنة بأصل الدين، وإذا ذهب الدين، ضاعت هذه العاطفة الإنسانية, وفقد هذا الباعث الإيماني. والله سبحانه وتعالى يذكر في صفات الكافرين ‏ما ينافي الأخلاق، كقوله: {أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون:١-٣]. فالإيمان ‏سبب للرأفة، والشفقة، والرحمة، والبذل، والعطاء، ‏وفقد الإيمان سبب للقسوة، والغلظة، والإهمال، وإهدار الحقوق.

     وفي قوله: {عَلَىٰ حُبِّهِ} معنى ينبغي التفطن له؛ وهو إنّ ‏العمل قد تكون صورته ‏واحدة، ‏لكن يتفاوت ثوابه بحسب القرائن المحيطة، فقد جاء في الحديث: (سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: «كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا)([7] فإن رجلًا لا يملك إلا درهمًا فيتصدق به، يفضل ورجلًا يملك آلاف الدراهم فيتصدق بألف درهم، وربما قارن الدرهم الواحد نية خالصة، وقارن الألف درهم مراءاة ومباهاة.

قوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، لم يقولوا هذا كفاحًا في وجوههم، ‏وإنما يقولون ذلك في نفوسهم، ‏كما قال عدد من السلف، ‏حتى لا يمتنّوا عليهم، ‏فإن المنّ يبطل الصدقة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ} [البقرة:٢٦٤]. ‏بعض الناس إذا أعطى ‏طفق في كل مناسبة يذكِّر بعطيته، ويمنُّ بها, ‏ويؤذي صاحبه ويذلُّ!، ‏وهذا سلوك مذموم، يحبط عمله، ويبطل صدقته. ‏والواجب أن يكون كما وصف الله: {لِوَجْهِ اللَّهِ}، ابتغاء وجه الله، {لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، أي ‏لا نريد عوضًا، ‏ولا ثناءً. و‏من الناس من ‏إذا أحسن لغيره، وتصدق عليه, ‏أخذ يستقضي به ‏الحاجات، ويوجهه في مصالحه، كأنما يسترد ما بَذله، ويتعجل ثوابه. فعلى العبد المؤمن أن يتفطن لهذا, ‏فلا يستوفي أجره في الدنيا، بل يدخره خالصًا للآخرة، ‏ولا ينتظر الثناء من الناس؛ ليقولوا: فلان المحسن الكريم، ‏ ويستشرف ذكر مناقبه، ويخدش نفسه إغفالها. فأمر الإخلاص مهمٌ جدًا. نسأل الله أن يطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، ‏وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة. فإن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا! قال في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)([8]).

قوله: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا}، ‏أعاد ذكر اليوم الآخر، ‏لأنه ‏ماثلٌ في قلوبهم، ونصب أعينهم، ‏وهو الذي ضبط مسارهم. ‏وإنما وصف اليوم نفسه بأنه عبوس، باعتبار آثاره على وجوه أهله، ‏ووصفه أيضا بأنه قمطرير، أي شديدًا. ولا حرج في وصف اليوم، مع كونه ظرف زمان، بوصف معنوي، باعتبار ما يقع فيه، كما قال لوطُ، عليه السلام: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود:77]، وليس ذلك من باب "سب الدهر"، لأنه وصف مجرد.

     وقيل في معنى عبوس: أنه ‏يظهر العبوس والكلح على وجه الكافر، ‏حتى قال بعضهم: ينعقد ما بين عينيه، فيسيل منه مثل القطران!، وقال ابن عباس ‏t: عبوس، أي: ضيق، وقمطرير طويل. قال ابن كثير، رحمه الله: ‏وعبارة ابن عباس: أوضحها وأجلاها وأعلاها وأحلاها وأولاها.

     ولا ريب أن الوجوه مرائي القلوب، ولهذا تظهر التعابير ‏من فرح أو حزن أو غبطة ‏أو اكتئاب على الوجوه، ‏تأمل قول الله عز وجل {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ *وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ *تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [عبس:38-41]. فالوجه هو المرآة التي تظهر عليها ‏الانفعالات، ‏وقد كان وجهه صلى الله عليه وسلم مرآة قلبه، تُرى الانفعالات الصادقة في قسماته الشريفة؛ فعن عائشة ‏رضي الله عنها، قالت: (دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ)([9]), وفي حديث آخر: (رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ)([10]), بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم يظهر عليه أثر السرور، وأيضًا تعرف الكراهة في وجهه، إذا كره شيئًا.

قوله: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ}، ذاك اليوم الذي أقضّ مضاجعهم، وحملهم على ترك الشهوات، ولزوم الطاعات، لما خافوه في الدنيا أمَّنهم في الآخرة، فإن الله تعالى لا يجمع على عبد مخافتين، ولا يجمع عليه أمنين، فمن خافه في الدنيا أمّنه في الآخرة، ومن أمنه في الدنيا أخافه في الآخرة.

قوله: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا}، بمعنى أعطاهم، والنضرة: هي البهاء، والصفاء، والإسفار في الوجوه، فلما وصف اليوم بأنه عبوس قمطرير، تظهر آثاره على وجوه الكافرين، نبه أن حال المؤمنين ضد ذلك. فالنضرة في الوجوه، والسرور في القلوب.

قوله: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}، الجزاء من جنس العمل، لأن الله تعالى حَكَم عدل مقسِط سبحانه وبحمده، لا يضيع أجر المحسنين. فالباء في قوله {بِمَا صَبَرُوا} أي: بسبب صبرهم، فصبرهم ذاك، كان سببًا للنعيم.

     فأما الجنة: فهي دار النعيم، التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، قال تعالى في الحديث القدسي: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) ([11])،  وفي الحديث: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ) ([12]).

     وأما الحرير: فهو اللباس الرائق، الرقيق، الناعم، الفاخر. وكأنّ الله سبحانه وتعالى لما ذكر النعيم الباطني، من السرور ذكر النعيم الخارجي، فالجنة هي ما تشاهده العين, والحرير هو ما يكسو البدن.  

     والصبر له منزلة عظيمة، فالدين كله صبر. وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فمنزلة الصبر من الدين كمنزلة الرأس من الجسد. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:٢٤].

     فالصبر على طاعة الله: أن يحمل الإنسان نفسه على فعل الأوامر، بل وفعل المستحبات، والصبر عن معصية الله: أن يحجز الإنسان نفسه عن ارتكاب المحرمات، بل والمكروهات، والصبر على أقدار الله المؤلمة: أن يحبس الإنسان نفسه عن الجزع, ولسانه على التشكي والسخط, وجوارحه عن ضرب الخدود، وشق الجيوب، وما أشبه ذلك من فعل الجاهلية، ويرضى بما قسم الله، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11], قال علقمة: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ([13]).

قوله: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ}، لا تجد وصفًا للنعيم كوصف القرآن, ولا أرق, ولا أنعم, كما تجد في هذه السورة، شيء لا تحيط به العبارات, ينقلك إلى أجواء سامية، رفيفة، راقية؛ حسًا، ومعنى. والاتكاء: إما أن يكون بمعنى الاضطجاع، بأن يمد جسمه على الأرض، أو بمعنى الارتفاق، بأن يتكئ بمرفقه. والأرائك: هي السرر التي تحت الحجال، يعني لها مظلة. وهو مشهد يشفّ عن نعيم، ورقة، ودعة، وبهجةٍ، يسرح الخيال في تصورها.

قوله:{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}, لا يَرون فيها شمسًا تحرقهم بحرارتها، ولا بردًا يقتلهم بصقيعه، بل هو جو معتدل، وإضاءة رائقة، خلقها الله، فلا يلزم أن يكون النور بسبب الشمس، أو القمر، بل يخلق الله في الجنة نورًا، ويجعل فيها جوًا معتدلًا غير متقلب.

قوله: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا}, يعني قريبة، ظلال أشجارها، فهي تكتنفهم، وتحيط بهم.

قوله: {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا} قطوفها: ما يقطفون من ثمارها، وذُللت: أي هُيئت وقُرّبت، فإذا أحب أحدهم أن يقطف من ثمار الجنة، تدلّى له الغصن، ولم يحتج إلى القيام لتناوله، وإذا قام ارتفع معه، فهم محاطون بالرفاهية والرقة والنعيم.

قوله: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ}، الفضة من أرق المعادن، فأواني الجنة, أو بعض أوانيها من الفضة, لرقتها ونعومتها. وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، لكنها تشترك معها في أصل معناها، فمن معاني الفضة أنها تمتاز بالرقة والصفاء.

قوله: {وَأَكْوَابٍ} الأكواب: هي ما لا عرى له ولا خراطيم من الآنية، والأباريق ما له عرى وخراطيم.

قوله: {كَانَتْ قَوَارِيرَا} يعني كهيئة القوارير، لكنّها قوارير من فضة، وهذا شيء عجيب! لأن القوارير تكون من الزجاج، فكيف سُبِكت الفضة وصارت في صفائها كصفاء الزجاج، هذا من عجائب الجنة. و "قوارير" الثانية، بدل من "قوارير" الأولى.

قوله: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا}، يعني قدّرها من أمره الله تعالى بصنعها، تقديرًا، بحيث تكون على قدر حاجة الشارب؛ لأن الإناء إذا كان كبيرًا، ومملوءًا، لم يلتذ به شاربه، وإذا كان صغيرًا لم يفِ بحاجته، أما أكواب الجنة فجاءت على مقدار.

قوله: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا}، الكأس في لغة العرب يراد به كأس الخمر, وهذه المرة مِزاجه الزنجبيل، والزنجبيل فيه رائحة زكية، محببة، لكن زنجبيل الجنة، ليس كزنجبيل الدنيا، الذي فيه لذعة، وحرارة، بل فيه ما تميل إليه النفوس بمعنىً من المعاني.

قوله: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا}، أي: في الجنة عين مشهورة تسمى سلسبيلًا، وذلك لسلاستها، وطيب مائها، وبرده وحلاوته.  

قوله: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}، وهم الغلمان الحسان الذين خلقهم الله عز وجل في الجنة، لخدمة أهل الجنة، يطوفون عليهم بالأكواب، كما قال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} [الواقعة: 17، 18]، ويأتونهم بما يشتهون.

 

قوله: {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}، يا له من وصف عجيب! يعني لكثرتهم، وبهائهم، ونَضرتهم، كأنما هم لؤلؤُ منثور! وصف مدهش مبهر لا تستطيع العبارات أن تنقله.

ومعنى مخلّدون: خلقوا للبقاء؛ لا يتغيرون، ولا يموتون، وقيل: مخرَّصون، يعني في أذانهم أقراط، كما يجعل للصبيان، فيما مضى، أقراط في أذانهم.

 قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا}، يعني مهما قلبت طرفك والتفتّ، في هذه الأجواء العظيمة، الرفيفة الرقيقة، الناعمة، تجد نعيمًا وملكًا كبيرًا، ملكهم الله إياه، حتى إن أقل أهل الجنة نعيمًا من يسير في مُلكه ألفي عام، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه! فما بالك بالمقربين؟.

     حينما تقرأ سورة الإنسان، يسرح خيالك في التفكر في هذا النعيم الراقي، الرقيق، البهيج, لا يمكن لأي أديب، أو شاعر، أو كاتب، أن يصف منظرًا، وحالًا، من الحبور، والسرور، والبهجة، والنظرة، والنعمة ،كما وصف الله تعالى نعيم الجنة، وهو وجد يتذوقه المؤمنون، ولا يملون منه. كما أن قارئ القرآن، مهما كرر السورة؛ فعقله وخياله يذهب مذاهب متعددة، وتتفتق له معاني وصور لا حصر لها .

قوله: {عالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}، يعني يعلوهم ويكسوهم. والسندس: هو ما رق من الحرير، والإستبرق: ما غلظ وسمك منه. والخضرة لون ينمّ عن الفخامة، والنعومة.

قوله: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ}، الأساور: حلق من ذهب أو فضة، تكون في اليدين.

 

قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}, نسب السقيا إليه، فما أكرم الساقي، وما أهنأ المسقي، وما أطيب السقيا! {شَرَابًا طَهُورًا}: ليس فيه شيء من القذى.

     وحينما يذكر الله سبحانه وتعالى، صنوف النعيم في الجنة، فإنما يخاطبهم بأسماء يعرفونها في الدنيا، ويعهدون لها معاني محببة تهفو إليها النفوس، من المطاعم والمشارب، والملابس، والمناكح، وغيرها. فالسندس معروف في الدنيا بأنه حرير فيه رقة, والإستبرق حرير يتصف بالفخامة, فيكون هذا المعنى موجودًا في ما هو في الجنة، موافقًا في معناه يما عهدوه في أذهانهم. ولو أن الله سبحانه وتعالى أغرى المؤمنين بألفاظ ليست معهودة عندهم، ما أحدث عندهم شوقًا ولا طعمًا, لو أننا نحتنا لفظًا مصنوعًا، لا يُعرف له معنى، لم يبعث ذلك على الشوق والتوق إليه، لجهالته المطلقة. فلابد أن يخاطبهم الله سبحانه وتعالى بأمور معهودة عندهم, كما أخبر أن في الجنة ماءً غير آسن, ولبنًا لم يتغير طعمه, وخمرًا لذة للشاربين، وعسلًا مصفى،  فلابد أن يكون في الماء معنى الري، وفي اللبن معنى الشبع، وفي الخمر معنى الطرب، وفي العسل معنى الحلاوة، وهكذا في بقية نعيم الجنة. فأصل المعنى لابد أن يكون مشتركًا.

     وقد اتخذ شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، هذه القضية، في رسالته "التدمرية"، مثالًا لمنهج الإثبات، الذي عليه أهل السنة والجماعة، فقال: (إن الله - سبحانه وتعالى - أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا، وعسلاً، وخمرًا، وماء، ولحمًا، وفاكهة، وحريرًا، وذهبًا، وفضة، وحورًا، وقصورًا. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء ممّا في الجنة إلا الأسماء، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات، من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم، من الخالق إلى المخلوق. وهذا بيّنٌ واضح)[14]

     فإذا كان ربنا عز وجل عرفنا بنفسه بأسماء وأوصاف، نعهد نظيرها في المخلوقات، دل ذلك على أن الاشتراك إنما هو في أصل المعنى, فقط، لا في الحقائق والكيفيات. فسمى نفسه سميعًا, وسمى نفسه بصيرًا, كما سمى عبده سميعًا بصيرًا، فلا سبيل  لنا أن ندرك معانى هذه الأسماء والصفات إلا بما نعهده في أذهاننا من أنّ السمع: هو إدراك الأصوات, وأنّ البصر: هو إدراك المرئيات, فهذا المعنى المشترك بين الخالق والمخلوق، معهود في الأذهان، لكنّه يتخصص في الأعيان, فإذا أضيف السمع إلى الله فله منه المثل الأعلى, وإذا أضيف السمع إلى المخلوق، فله منه المثل الأدنى, إذا أضيف البصر إلى الله صار له منه المثل الأعلى, وإذا أضيف البصر إلى المخلوق فله منه المثل الأدنى, فلا يمكن أن نفقه، ونفهم معاني أسماء الله وصفاته إلا بأصل معهود في الأذهان، وإثبات هذا المعنى, لا يترتب عليه أدنى منقصة ولا شبهة.

 وهذه هي محنة المعطلة؛ حيث ظن المعطلة على اختلاف طبقاتهم , أن إثبات شيء لله، مما سمى ووصف به بعض مخلوقاته، تمثيلًا، فيبادرون  إلى نفيه، وإنكاره، على تفاوت بينهم, فيقعون في التعطيل الكلي أو الجزئي. فإذا أخبر الله تعالى أن له وجهًا كريمًا، وأن له يدين مبسوطتين بالعطاء والنعم, وأن له عينين يبصر بهما سبحانه، فيجب أن نثبت ما أثبت الله لنفسه دون تمثيل ولا تكييف، ودون تعطيل ولا تحريف. ولا يلزم للإثبات أن ندرك الكيفية, لكن نثبت حقيقة المعنى. وهكذا بقية الصفات الفعلية، كالرضا، والسخط، والفرح، وغيرها،  أصلها معهود في الأذهان، لكن يُنزه الله تعالى عن اللوازم البشرية التي فيها ضعف، أو نقص، أو مماثلة للمخلوقين، ويكون له منها المثل الأعلى. فهذه معانٍ يجب أن يتدبرها طالب العلم ؛لأنها تزيل عنه إشكالات كثيرة من شبهات المتكلمين ،وورطاتهم التي لم يتمكنوا من الخروج منها ،وباءوا بشؤمها وردوا بسببها النصوص القرآنية والنبوية .

 

قوله: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} يمتنّ الله تعالى عليهم بذلك، وله المنّ والفضل سبحانه، فإنما دخلوا الجنة برحمته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)([15]). فجعلَ الله ذلك برحمته، لكن جعل أعمالهم سببًا لدخول الجنة. فالله سبحانه وتعالى شكور، يثيب الطائع، مع أنه المتفضل عليه بالهدى.

 

الفوائد المستنبطة:

الفائدة الأولى: ورود الاستفهام في القرآن ‏بما يفيد التقرير.

الفائدة الثانية: إن الإنسان ‏في القرآن قد يراد به آدم عليه السلام‏، أو جنس الإنسان، أو الكافر خاصة. ويعلم ذلك من السياق.

الفائدة الثالثة: أن لفظ "الشيء" ‏قد يكون أمرًا وجودياً، أو أمرًا عدمياً. وقد حقق ابن أبي العِز الحنفي -‏رحمه الله- هذه المسألة ‏بكلام محكم ، فقال: (وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْخَارِجِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَيَكْتُبُهُ، وَقَدْ يَذْكُرُهُ وَيُخْبِرُ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1]، فَيَكُونُ شَيْئًا فِي الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالْكِتَابِ، لَا فِي الْخَارِجِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس: 82] ، قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}[مريم: 9] ، أَيْ: لَمْ تَكُنْ شَيْئًا فِي الْخَارِجِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا فِي عِلْمِهِ تَعَالَى. وَقَالَ تَعَالَى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]}([16]).

الفائدة الرابعة: حقارة الإنسان، ‏وضعفه، وافتقاره إلى خالقه.

الفائدة الخامسة: التنبيه على أصل خلق الإنسان، من ماء الرجل، وماء المرأة .

الفائدة السادسة: ‏بيان حكمة الخلق، وهي الابتلاء.

الفائدة السابعة: تزويد الإنسان بالآلات ‏والأدوات التي يحصل بها الابتلاء.

الفائدة الثامنة: تكَفُل الله بهداية الدلالة والبيان، وإقامة الحجة الرسالية.

الفائدة التاسعة: إسناد الأفعال إلى العباد حقيقة، من الشكر، أو الكفر.

الفائدة العاشرة: أن النار مخلوقة مُعدّة لأهلها، موجودة ،مُضطرمة، يُزاد في جحيمها وسعيرها.

الفائدة الحادية عشرة: تنوع عذاب أهل النار، وتفنن نعيم أهل الجنة.

الفائدة الثانية عشرة: المفاضلة بين الأبرار، والمقربين في النعيم. 

الفائدة الثالثة عشرة: أسلوب التضمين ،وهو أن يُؤتى بفعل ويُعدّى بما لا يتعدى به عادة؛ ليدل على فعل آخر.

الفائدة الرابعة عشرة: وجوب الوفاء بالطاعات الواجبة بأصل الشرع، والواجبة بما أوجب العبد على نفسه، وهو النذر.

الفائدة الخامسة عشرة: وجوب ترك المحرمات، خوفًا من الله، واليوم الآخر.

الفائدة السادسة عشرة:  عظيم شر يوم القيامة, وانتشاره, وامتداده. .

الفائدة السابعة عشرة:  فضيلة إطعام الطعام على حبه, حال تعلق النفس به.

الفائدة الثامنة عشرة: تحقيق الإخلاص لله عز وجل في الصدقات, والبعد عن طلب الشكر، والعوض والـمُراءات.

الفائدة التاسعة عشرة: تحرّي أصحاب الحاجات، من المساكين، والأيتام، والأسرى، ومن على شاكلتهم.

الفائدة العشرون: بيان الباعث على الإخلاص, وهو الخوف من اليوم الآخر.

الفائدة الحادية والعشرون: هول يوم القيامة، وضيقه، وطوله، وشدته, وظهور ذلك في وجوه الكافرين.

الفائدة الثانية والعشرون: أن الوقاية ، والنجاة من الشرور، والفوز  والنجاة والسرور، من الله وحده.

الفائدة الثالثة والعشرون: المقابلة بين حال الشاكر والكفور، في الظاهر والباطن.

الفائدة الرابعة والعشرون: حصول الأمن في النفوس، والنضرة في الوجوه، والسرور في القلوب، للمؤمنين.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن العمل والصبر سببان لدخول الجنة ونعيمها.

الفائدة السادسة والعشرون: فضيلة الصبر بأنواعه الثلاثة.

الفائدة السابعة والعشرون: قدرة الله على خلق النور دون شمس ولا قمر.

الفائدة الثامنة والعشرون: تشويق المؤمنين إلى النعيم الحسي في الجنة, من مأكول، ومشروب، وملبوس.

الفائدة التاسعة والعشرون: أن الاتفاق في الأسماء لا يلزم منه الاتفاق في الحقائق والكيفيات.

الفائدة الثلاثون: الموافقة في الأسماء تدل على موافقة في أصل المعنى ودلالته. الفائدة الحادية والثلاثون: التنبيه  بذلك على ما يتضمنه الإثبات في أسماء الله الحسنى لأصل المعنى.  

الفائدة الثانية والثلاثون: روعة التصوير القرآني للنعيم ورقته. 

الفائدة الثالثة والثلاثون: وهي بطلان مقالة: "ما عبدتك طمعا في جنتك، ولا خوفًا من نارك، ولكن محبة لك".  هذه الجملة ينسبها بعض الصوفية إلى رابعة العدوية، أو بعض الصالحين. بل يجب أن نعبد الله بالحب، والخوف، والرجاء، وأن لا نهون من قيمة هذه الأشياء، التي خوفنا الله منها، أو أغرانا بها.

فمن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري خارجي، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالحب، والخوف، والرجاء، فهو المؤمن الموحد. قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ) [الإسراء:57].

     فعليك أيُها المؤمن أن تحذر من هذه المقولات المحدثة، التي ليس لها أصل من كلام رب العالمين، ولا من كلام سيد المرسلين، ولا من كلام الصحابة والتابعين، وإنما صدرت عن قوم جاهلين، أو نسبت إلى قوم صالحين. فيجب الاعتماد على ما دل عليه القرآن والسنة، فنعبد الله طمعًا في جنته، وخوفًا من ناره، وحبًّا فيه، فهذه الثلاث: الحب والخوف والرجاء، أمهات العبادات القلبية.

الفائدة الرابعة والثلاثون: أن الجزاء من جنس العمل.

الفائدة الخامسة والثلاثون: أن الله تعالى متفضل شكور.

 

قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} [سورة الإنسان:23]، (نحن): ضمير فصل، وضمير الفصل يكثر وروده في القرآن، وله ثلاث فوائد:

أحدها :التأكيد، فلو قلت: زيد أخوك، لاستقام  المعنى، لكن لو قلت: زيد هو أخوك لكان في ذلك مزيد تأكيد.

الثانية: الحصر، لأنه يدل على اختصاص ما قبله بما بعده,،كقولك: المجتهد هو الناجح، فاختص به.

الثالثة : الفصل، ولهذا يسمى ضمير فصل، يفيد التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو تابعًا. فلو قلت مثلا: زيد الفاضل، فقد يشتبه على السامع؛ هل المقصود بالفاضل صفة لزيد، ولما يأتي الخبر، أم هو خبر له، لكن إذا قلت زيد هو الفاضل فإنه يدل على أنه خبر([17]).

     وهذا امتنان من الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك أن القرآن يتضمن: العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة، والآداب الرفيعة. وفي قوله (تنزيلا) ما يدل على أن القرآن ينزل شيئًا فشيئًا، كما دل عليه قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا )[سورة الفرقان:32]، وقوله: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا )[سورة الإسراء:106].  فالله تعالى جعل القرآن منجّمًا ،ينزل بحسب الحوادث والأحوال .

قوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الإنسان: 24]، الإيمان بالقرآن يتطلب صبرًا، صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصية الله، وصبرًا على أقدار الله المؤلمة. وهذه أنواع الصبر الثلاثة، كما تقدم مرارا .

     وحكم الرب يشمل: الحكم الكوني، والحكم الشرعي؛ فالحكم الكوني القدري : هو ما يقضيه الله تعالى، ويقدره في خلقه من الأرزاق، والآجال، والمصائب، والآفات، والعز، والذل، والصحة، والمرض، والحياة، والموت. والحكم الشرعي: هو ما يحكم به من أحكام تكليفية؛ الإيجاب، والاستحباب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، أو أحكام وضعية؛ من الصحة، والفساد.

فيجب الصبر لكلا الحكمين؛ الحكم الكوني، بالرضى والتسليم، والحكم الشرعي؛ بالقبول، والانقياد. قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

قوله: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24]: نهى الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين من بعده عن طاعة هذين الصنفين الآثم: المتلبس بالإثم، وهو الفسق والفجور، والكفور: الجاحد لله تعالى، المنكر لما جاء به أنبياؤه، فهذا تحذير من الله لنبيه من طرائق المنافقين، والكافرين، والعصاة، والفاسقين.

قوله:  {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 25]: فذكر الله تعالى غذاء القلب والروح. والغافل أضعف الناس أمام شهواته ، وأما الذاكر فإن الله تعالى يهبه قوة في قلبه، وروحه، ونفسه، بل وبدنه، تعصمه عن الوقوع في المحرمات، وتحمله على فعل الطاعات. وقد ذكر ابن القيم، رحمه الله، في كتابه الماتع "الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب" أكثر من سبعين فائدة لذكر الله.

وفي قوله: (بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، تنبيه على الصلوات؛ لأن الذي فيه ذكر اسم الله بكرة وأصيلًا، هي الصلوات، لا سيما صلاتي الصبح، والعصر. والبكرة: هي الغدو، والأصيل: هو العشي. ووسع بعض المفسرين، ومنهم السيوطي، مدلول البكرة لتتناول صلاة الصبح والظهر، والأصيل ليتناول صلوات المساء؛ العصر والمغرب والعشاء.

     وذكر الله تعالى نوعان: ذكر مطلق، وذكر مقيد. فالذكر المطلق: أن يلهج الانسان دومًا بذكر الله تعالى، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)([18]) وقد قال ربنا: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45].

     أما الذكر المقيد: فهو ما قُيٍّدَ بأوقات، وأحوال، وهيئات، وأسباب معينة، فهناك ذكر لله في الصلوات، كما أشرنا آنفا، فيذكر الانسان ربه في صلواته؛ من تسبيح، وتحميد، وتسميع، وقراءة فاتحة، وتشهد، وما إلى ذلك، وهناك أذكار في طرفي النهار، وأذكار للنوم، واليقظة، وللطعام والشراب؛ ابتداءً وانتهاءً، وللمسجد؛ دخولًا وخروجًا، وللخلاء؛ دخولًا وخروجًا، فلا يكاد شيء من أمور الحياة إلا ويتعلق به ذكر. فينبغي للموفَّق أن يحفظ الأذكار المتعلقة بكل حال، وزمان، ومكان، حتى يكون قلبه موصولًا بالله عز وجل دومًا.

 

قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26]: في هذا أمر بقيام الليل، كقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]، إلا أنَّ هذه الآية قد قيَّدتها آية المزمل، وهي قول الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20], فجعله الله على سبيل الاستحباب، مع بقاء فرضيته في حقه صلى الله عليه وسلم قوله: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [سورة المزمل:1-4].  والإطلاق والتقييد, والعموم والتخصيص، معلومة في النصوص، يعرفها العلماء.

ولم يزل قيام الليل شعار الصالحين، يناجون ربهم ،ويتملقونه، ويدعونه، ويخلون به، فينبغي للمؤمن الناصح لنفسه أن يجعل له حظًا من هذا الشعار، وألا يكون جيفةً بالليل، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ تعالى يُبغِضُ كلَّ جعْظَرِيٍّ جوّاظٍ ، سَخّابٍ في الأسواقِ ، جِيفةٍ بالليلِ ، حِمارٍ بالنهارِ ، عالِمٍ بالدنْيا ، جاهِلٍ بالآخِرَةِ)([19])، وقال الامام أحمد، رحمه الله، عمن يترك الوتر، قال :"هو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة". 

وفي قوله: (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا )، ما يدل على إن في الدنيا مجالًا طويلًا لعبادة الله، كما قال في سورة المزمل: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا } [المزمل: 7]، في الوقت بركة، وسعة،  لمن وفقه الله تعالى.  كثير من الناس يقول: لا أدري كيف يمضي اليوم والليلة، لا أدري كيف تأتي الجمعة بعد الجمعة، البركة منزوعة! الواقع أن اليوم والليلة، منذ خلق الله السماوات والأرض، أربع وعشرون ساعة، لكل الناس، في كل مكان، لكن من الناس من يغتنمها, ويبارك له فيها، ومن الناس من يستغرق في الغفلات، فتذهب عليه سبهللًا لا يدري كيف تمر، ولا ينجز شيئًا. 

قوله: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27]: بيّن الله سبحانه وتعالى السبب الذي يحول بين هؤلاء المكذبين المعاندين، وسلوك طريق الحق، وهو حبهم العاجلة أي: الدنيا ، فهم متعلقون بزخرفها، وملذاتها، وشهواتها، كما قال: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 20، 21].

وقوله: (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا) يعني: ينسون ويهملون يوم القيامة، والواقع أن ذلك اليوم أمامهم، لكن لما كانوا غافلين عنه، متناسين له، بدا وكأنه وراءهم؛ لأن الذي يجعل الشيء ورائه لا يهتم به، ولا يكترث به، ولا يلتفت إليه، ولذلك عبّر بقوله: ( وَرَاءَهُمْ) فقد اتخذوه ظهريًّا، قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } [الإسراء: 18، 19].

قوله: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} [الإنسان: 28]، هذا تذكير بأصل الخلقة، التي نبّه عليها في أول السورة ، ومعنى: (وشددنا أسرهم)، قال المفسرون: شددنا خلقهم، ومفاصلهم، وأعضاءهم، فهو خلق متين،  والعارفون بعلم وظائف الأعضاء "الفسيولوجي" يدركون دقة خلق الإنسان؛ كيف ركب الله تعالى هذه العظام، وكيف شدها بالأربطة، وثبت فيها العضلات بالأوتار التي تشد خلق الانسان، حتى يصبح خلقًا متماسكًا، شديدًا.

إن الصناعات التي يصنعها ابن آدم، كالسيارة التي تصنع من حديد، لا يمضي عليها أشهر، وسنيات، حتى تتناثر، وتحتاج إلى صيانة، وابن ادم، ربما عاش مئة سنة صحيحًا، تجري في بدنه عمليات حيوية بانتظام، صحيح أنه يضعف، وهذه سنة الله، ويدب فيه الهرم؛ لكن عشرات العمليات تجري في لحظة واحدة، في بدنه؛ في جهازه العصبي، والهضمي، والتنفسي.

وقوله: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً), قيل إن (إذا) هنا بمنزلة (إن)، وأنَّ ذلك لم يقع، لكنه نوع من التهديد، كقول الله تعالى : {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ }[فاطر: 16، 17]، فيكون من باب التهديد، بمعنى نأتي بخلقٍ سواكم. وقيل: المعنى، نفنيكم، ثم نُنُشؤكم نشأة أخرى، وهو البعث، وأن المقصود بقوله: ( أمثالكم) يعني: أنتم أنفسكم؛ حيث يُعاد تركيبكم، فتكون هذه النسخة المعادة، مثيلةً للخلق الأول. فيكون دليلًا على البعث، من باب التذكير بالمبدأ، والاستدلال به على المعاد. وهذا أليق بالمقام.

 

قوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} [الإنسان: 29]، يعني ما جاء في هذه السورة من المواعظ البليغة، والتشويق، والتخويف، تذكرة؛ لأنها تجلو الغشاوة عن الأعين، والوَقر عن الآذان، والأكنة عن القلوب.

قوله : {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الإنسان: 29]، المعنى: أنتم أمام مسؤوليتكم؛ أعطاكم الله مشيئةً حقيقية، بها تأتون، وبها تذرون، لستم مُسيرين، ولستم مَقهورين، ولستم مجبورين، وعليها يترتب الثواب والعقاب.

وسبيل الله: لزوم طاعته واجتناب مَعصيته.

قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30]، هذه الآية، والتي قبلها، قانون الشرع والقدر، كي لا يُطَوحَ الإنسان كما طَوحت المعتزلة القدرية؛ فزعموا أن للعبد مشيئةٌ مستقلةٌ عن مشيئة الله، والعبد يخلق فعل نفسه.  فبيَّن الله أن مشيئة العباد، وإن كانت حقيقية، لا تخرج عن مشيئته؛ لأن مقتضى الربوبية نفوذ مشيئته، فمشيئة العباد داخلة تحت مشيئة رب العباد. ولا تَعارض بين الأمرين؛ لأن المكلف حينما يأتي شيئاً، أو يَذر شيئاً، يفعله بسبق إصرار، ومحض اختيار، ولا يرى أنه مجبور على فعله، ولا يعلم ما قضى الله عليه في الأزل، فلا حجة له على الله بذلك. والذي سيقع منه هو الذي قد قدره الله في الأزل قطعاً، فله العلم المُطلق بما كان، وما يكون، وما سوف يكون، وما لم يَكُن كيف لو كان يكون.

وقوله: (حَكِيمًا) أي : حكيماً في قَدَره، و حكيماً في شَرعه، وفي حُكمه؛  فهو حكيمٌ في قدره. {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]، ولا يفعل شيئاً عبثاً، ولهواً، ولعباً، بل لحكمة وغاية، خِلافاً لنفاة الحكمة والتعليل، من الجبرية والأشعرية. وهو حكيم في شرعه؛ لا يشرع إلا ما فيه مصلحة محضة، أو راجحة. وهو حكيمٌ في حكمه فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

قوله: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان: 31]، رحمته: جنته، كما جاء في الحديث القدسي: (قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي)[20].

     ونصَبَ (الظالمين) بفعلٌ مُقدر يُفهمُ من ما بعده يعني وأعد للظالمين عذاباً أليما، وهو النار، كما قال في الحديث السابق: (وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي).

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: إثبات تنزيل القرآن. 

الفائدة الثانية: إثبات علو الله بذاته فوق مخلوقاته.  

الفائدة الثالثة: وجوب الصبر لحكم الله الكوني والشرعي.

الفائدة الرابعة: الحذر من طاعة الآثم والكفور. 

الفائدة الخامسة: فضيلة  ذكر الله تعالى طَرَفي النهار.

الفائدة السادسة: فضيلة طول القيام والتهجد.

الفائدة السابعة: أثر الذكر والقيام في الصبر على طاعة الله والاستقامة.

الفائدة الثامنة: أن حب الدنيا، والغفلة عن الآخرة، سبب للفسوق و العصيان. 

الفائدة التاسعة: ثقل يوم القيامة على الكافرين.

الفائدة العاشرة: كمال قدرة الله، وقوته، وإحاطته.

الفائدة الحادية عشرة: الاستدلال ببداءة الخلق على إعادته. 

الفائدة الثانية عشرة: حصول التذكرة في القرآن عامة، وفي هذه السورة خاصة.

الفائدة الثالثة عشرة: إثبات مشيئة العبد وفعله، ودخولهما تحت مشيئة الرب ومفعوله.

الفائدة الرابعة عشرة: إثبات اسمي الله العليم والحكيم، وما تضمناه من العلم والحكمة.

الفائدة الخامسة عشرة: أن دخول الجنة برحمته، ودخول النار بعدله.

 


([1]) أخرجه البخاري رقم (891), ومسلم رقم (880).

([2]) أخرجه البخاري رقم (1358), ومسلم رقم (2658).

([3]) أخرجه مسلم رقم (2865).

([4]) أخرجه البخاري رقم (6696).

([5]) أخرجه البخاري رقم (6608), ومسلم رقم (1639).

([6]) أخرجه أحمد رقم (26483).

([7]) أخرجه النسائي رقم (2527).

([8]) أخرجه مسلم رقم (2985).

([9]) أخرجه البخاري رقم(3555), ومسلم رقم (1459).

([10]) أخرجه مسلم رقم (1017).

([11])  أخرجه البخاري رقم (3244), ومسلم رقم (2824), متفق عليه.

([12])أخرجه ابن ماجه رقم (4332)، وابن حبان رقم (2620)، والطبراني في "الكبير" (1/ 21-22).

([13]) تفسير الطبري: (24/ 421).

([14]) الرسالة التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: 46)

 

([15]) ا أخرجه البخاري رقم (5673), ومسلم رقم (2816).

([16]) شرح الطحاوية لابن أبي العز  الحنفي (1/ 118). تحقيق : الأرنؤوط.

([17]) انظر أصول في التفسير لشيخنا محمد بن صالح العثيمين. ص: (54).

([18]) أخرجه الترمذي رقم (3377).

([19])أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بهذا اللفظ رقم (20804), وأخرجه أحمد بمعنى متقارب رقم (12476), وإسناده على شرط البخاري ورجاله رجال الشيخين, وأخرجه الحاكم بمعناه رقم (202), وقال الحاكم والذهبي: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

([20]( أخرجه البخاري برقم (4850) وأخرجه مسلم برقم (4846)



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:26 صباحًا الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.