• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة القيامة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  131
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة القيامة

     سورة مكيّة عظيمة، سميت بهذا الاسم لوروده في مستهلها. ولها ثلاثة مقاصد أساسية:

الأول: إثبات المعاد.

الثاني: توثيق القرآن، وصونه، وحفظه.

الثالث : طبيعة النفس الإنسانية

قوله: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ]القيامة: 1[،كثيرًا ما يرد هذا التعبير في القرآن. وقد اختلف المفسرون في توجيهه؛ فجعلها بعضهم لام القسم، بمعنى (لأقسم). والصواب أنها نافية وليست لام القسم, لأن لام القسم لا تدخل على فعل مستقبل، إلا إذا أكد بالنون، كقولك: لأكتبنَّ الدرس.

      وذهب بعض المفسرين  إلى أن المُقسَم عليه إذا كان منتفيًا؛ جاز الإتيان بـ (لا) قبل القسم لتأكيد النفي، والمنفي إنكارهم للبعث والنشور. وقال بعضهم اللام زائدة للتأكيد.

      ومن الأقوال في توجيه مثل هذا الأسلوب، وهو قريب، ويتمشّى مع الذوق العربي ، أن المراد: إن الأمر من الوضوح والبيان بمكان،  بحيث لا يحتاج إلى قسم. وهذا جارٍ على الألسنة، فالمعنى: أن الأمر لا يستدعي القسم بهذا الأمر المعظم، بل هو من الوضوح، والوثوق، والوقوع بمكان، لا يمتري فيه عاقل. قوله {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}] القيامة: 2[، كذلك, أي: لا محوج للقسم بالنفس اللوامة ؛ فإن الأمر واضح جلي. فالله تعالى أقسم بالقيامة، وبالنفس اللوامة، على إثبات المعاد.

     والمقسم به مناسب للسياق، فلمّا كان الحديث عن القيامة، والبعث، والنشور، جعلها مقسمًا به. ولما كان الحديث سيرِدْ عن طبيعة النفس الإنسانية،  أقسم بالنفس اللوامة. وسمي المعاد بالقيامة لثلاثة أسباب:

الأول: لأن الناس يقومون لرب العالمين ، قال الله عزّ وجلّ : {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}]المطففين : 6[.

 الثاني: لقيام الأشهاد، قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ]غافر : 51[.

الثالث: لإقامة العدل، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}      ] الأنبياء : 47[. وكل هذه المعاني صحيحة.

     وقد ذكرنا في مواضع سابقة، أن أسماء القيامة أسماء وأعلام، فكل اسم من أسماء يوم القيامة التي تتجاوز الأربعين, بل قد بلغ بها بعض العلماء الثمانين، اسم، ووصف : كالطامة، والحاقة، والصاخة، والآزفة، وغير ذلك.

 وللنفس ثلاثة أوصاف في القرآن العظيم:

  1. المطمئنة: قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } ]الفجر: 28[
  2. ا الأمارة: قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ }]يوسف: 53[,
  3. للوامة: قال تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}}] القيامة: 2[

وهذه أحوال تعتري الآدميين، فتكون نفس ابن آدم تارة أمّارة ، وتارة لوّامة ، وتارة مطمئنة، والحكم للغالب. فنفس الكافر والفاجر أمّارة، تأمره بالسوء، فيستجيب لها ويسترسل معها، ونفس المؤمن الخالص الإيمان مطمئنة؛ قد صار هواها تبعًا لما جاء به النبي r، فلا تأمره إلا بخير، وتطمئن بذكر الله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ  أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}]الرعد : 28[، فيقال لها عند الاحتضار: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} ]الفجر : 27 ].

     وبين هاتين النفسين: نفس متأرجحة  تتلوم على صاحبها في الخير والشر، فإذا فاتها شيء من حظوظها تلوّمت على صاحبها، وقد يكون تلوّمها محمودًا وقد يكون مذمومًا. فالمؤمن قد يلوم نفسه كيف لم أحج هذا العام؟ كيف لم اعتمر؟ كيف لم أتصدق؟! لمَ لمْ أقل كذا؟! لمَ قلت كذا؟! فهو يلوم نفسه على فوات الخير. والفاجر قد يلوم نفسه على أضداد ذلك، بأن يقول مثلًا: كيف لم أساهم في هذه المساهمة الربوية ؟ كيف لم أذهب إلى مواطن الخنا والفجور؟ لمَ لمْ أقل كذا ؟ كما قال الله عن المنافقين: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} ]النساء : 73[. فيقع التلوم من المؤمن والكافر.

      والنفس الواحدة قد تتقلب بين هذه الأحوال الثلاث، لكن الحكم للأغلب. فالذي ينبغي للموفق أن يترحّل بنفسه من حالة النفس الأمّارة، والنفس اللوامة بالشرّ، إلى أن حالة النفس المطمئنة، فيصبح قلبه ثابتًا، راسخًا،  مستبشرًا، متفائلاً، محسنًا الظن بالله عزّ وجلّ، معتقدًا له المثل الأعلى. فهذا إذا حل في القلب حلّت السكينة والطمأنينة، وآنس صاحبه بهجة الإيمان وبشاشته. ولكن لا يأتي دفعة واحدة، بل يحتاج إلى مجاهدة، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ]العنكبوت : 69[.

     وهذا التقسيم الذي ذكرناه في النفس، يتماشى أيضًا مع تقسيم القلوب، فإن القلوب ثلاثة : قلب حي، وقلب ميت، وقلب مريض.

  • فالقلب الحي: هو الموافق للنفس المطمئنة؛ لأنه ينبض بما خلق له من الإيمان بالله ، ومحبته، وخوفه، ورجائه،  تلكم هي وظيفته .
  • القلب الميت: هو القلب المتيبّس المتخشّب، الذي استحال إلى عضله فقط، ليس فيه مسرح لذكر الله تعالى، قد فرغ وخلا من نور الإيمان.
  • القلب المريض: تمده مادتان؛ مادة صحة، ومادة فساد، تارة يستقطبه القلب الحي، وتارة يستقطبه القلب الميت، وهو لأيهما غلب. 

 رَوى حذيفة t عن النبي r أنه قال: (تُعْرَضُ الفِتَنُ علَى القُلُوبِ كالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وأَيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها، نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، حتَّى تَصِيرَ علَى قَلْبَيْنِ، علَى أبْيَضَ مِثْلِ الصَّفا فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ما دامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ، والآخَرُ أسْوَدُ مُرْبادًّا كالْكُوزِ، مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا)([1]).

     فينبغي للعاقل، اللبيب، الحازم، أن يحدد موقعه في هذا المضمار، ويتعرف على طبيعة نفسه، وقلبه، هل قلبه حي؟! أم دون ذلك؟! هل نفسه مُطمئنة؟ أم دون ذلك؟ ويعلم أن التزكية مشروع العمر: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ]7[ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ]8[ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ]9[ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}  ]سورة الشمس[.

قوله: {أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ]سورة القيامة: 3[، هذا سؤال إنكاري. والمراد جنس الإنسان المُنكر للبعث؛ فالله تعالى ينعى عليه نكرانه. يُخيل للمنكر أنه إذا مات، وتحلل بدنه، أو تفرّق في بطون السِباع، وحواصل الطير، وأجواف الحيتان، أنه لا يمكن إعادة جمعه! حتى إن أن أُبيَّ بن خلف، أتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعظم حائل، ففتَّه، ثم ذراه في الريح، ثم قال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم؟ قال: " الله يحييه، ثم يميته، ثم يُدخلك النار([2]).

قوله: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}]سورة القيامة: 4[، يعني: بلى نجمع عظامه، وفوق ذلك نُسوي بنانه. والبنان أطراف الأصابع. أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قادر على جمع هذا المتفرق، وهو سبحانه وبحمده، يُبقي من ابن آدم عجب الذنب! قال صلى الله عليه: (وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)([3]). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ " وَقَالَ غَيْرُهُ: «مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ)([4]).

     فهذا يدل على كمال قدرة الله عزّ وجلّ على إحياء العظام وهي رميم، فإنه الذي خلقها أول مرة، فالذي أنشأها أول مرة قادر على إعادتها، بل هو أهون عليه، كما هو مقتضى العقل، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27].

قال جمهور المفسرين في معنى (نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ): أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً، كخُفّ البعير، وحافر الحمار، فلا يتمكن من الارتفاق بالأعمال اللطيفة، كالكتابة، والخياطة، والالتقاط. والأقرب, والله أعلم, إعادتها كما كانت، حتى خطوط هذا البنان الذي يتميز به كل إنسان عن الآخر، يُعيده تعالى، مع دِقته ولطافته، كما كان، فجمع العظام من باب أولى.  

قوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}]القيامة: 5[, هذه طبيعة النفس الإنسانية الأمارة، إرادة الفجور في مستقبل الأمور!. وعبارات المفسرين في تفسيرها متقاربة؛ فمنها ما يدل على أن المراد بالفجور الكفر، أي يريد أن يكفر، أو يسترسل في الكفر، ومن عباراتهم ما يدل على طول الأمل، أي: يَتَقَحَم أبواب الشهوات، و يفعل ما تُمليه عليه نفسه الأمّارة. وقيل: إن الفجور: تعمد الكذب، فهو يعلم أن البعث حق لا بد منه، و أن الله لا يمكن أن يخلقه ثم يدعه، ثم يتعمد الكذب بإنكار البعث. وهذه معاني يُصّدقُ بعضها بعض.

قوله: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} ]القيامة: 6[، بيان لفجوره، وهو سؤال معاندٍ مُتكبر مستبعد. وهذا من طبيعة المكذبين المُعاندين، الخروج عن محل النِزاع  إلى أمور جانبيه, من جنس: متى؟ وأين؟ وكيف ؟, للتشاغل عن الموضوع الأساس.

فالواجب أن تؤمن بالمعاد، و تُثبت أن الله تعالى لا يترك الإنسان سُدى، و تشغب بالأسئلة الجانبية،  لتشتيت القضية، ورد الحق و مطله.

قوله: {فإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ}]القيامة: 7 [ وهذه هي القراءة المشهورة (بَرِق وقُرئت (بَرَق)، و المراد بـ(بَرِق) أي: شخَص و انبهر، وما شَخَصَ و انبهر؛ إلا لأمر عظيم رآه، وهي التغيرات الكونية الآفاقية، التي لم تخطر له على بال، ولم تدر له بخيال! وكأن ذلك وقع جوابًا لأسئلته العبثية.

قوله: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ}]القيامة: 8 [، هذا القمر المنير المضيء الذي يُزيّن السماء، يذهب ضوؤه يوم القيامة.

قوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} ]القيامة: 9 [، مُذ خُلِقا لم يجتمعا، كما وصف تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ]الأنبياء : 33[، لكنهما يوم القيامة يقرنان ويقذفان في جهنم .

قوله: {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرّ }]القيامة:10  [، هذا الانسان الذي كان يقول: {أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ}, يقول يوم القيامة: {أَيْنَ الْمَفَرُّ} أين الملجأ؟،  أين أذهب؟، ماذا أصنع ؟!  وقع في مأزق عظيم؛ لأن كل ما كان يُنكره رآه رأي العين: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} ]الأعراف : 53[ نعوذ بالله من هول المطلع!. قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}]يس: 51- 52[. والنَسَلان هو: الاسراع في المشي.   

قوله: {كَلَّا لَا وَزَرَ} ]القيامة: 11[,  لا ملجأ ولا مذهب. قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}]الرحمن: 33[, وأنى لهم السلطان في ذلك الحال! وقد حشروا حُفَاةً، عُراةً، غُرْلًا، بُهماً, ولو قدر، جدلًا، أن حاولوا النفاذ: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ} ]الرحمن: 35[

قوله: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} ]سورة القيامة: 12 ], إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم، وعنده دار القرار؛ إما جنة أو نار، كما قال مؤمن آل فرعون: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39]

 قوله: {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}]القيامة: 13[ , أي إثر البعث والنشور، يأتي العرض والمناقشة، والإقرار، والاعتراف، فيقر كل إنسان بما فعل! قال تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } ]الإسراء: 13- 14[. فتلحهم دهشة: {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا  وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ]الكهف : 49[. { َوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ]آل عمران : 30[, والقرآن مثاني يشبه بعضه بعضًا ، و يصدّق بعضه بعضًا. فهذه الجمل الرصينة، الثقيلة، تُقرر المعاد بطريقة حاسمة، لا يُدانيها أسلوب! وهذا من سمات القران المكي، كأنما هي أوتاد تُثبّت في القلوب.

قوله:{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} ]القيامة: 14[, يخبر تعالى عن جانب من جوانب الطبيعة الإنسانية، وهو أن الإنسان في قرارة نفسه، شهيد على نفسه، يعرف الحقيقة، ويستيقنها، وإن جحد، وإن اعتذر، كما قال ربنا عزّ وجلّ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}]النمل: 14[،

قوله: {وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}، فزخرفة الكلام، وترتيب المعاذير، لا يُغني عنه شيئاً، وهو قطعاً، يوم القيامة، سيجتهد في دفع العذاب بكل ما يستطيع، حتى أنه يتهم الملائكة الكرام! فعن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ)([5]). ‏قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكسبونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} ]النور: 24- 25[، وقال: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ}]سورة فصلت [. فيالها من مواعظ! لو صادفت آذانًا صاغية، وقلوبًا واعية.

     والغالب في ذكر المعاذير في القرآن أنها تخرج مخرج الكذب، كقوله: }وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ{ ]التوبة:90[،] وقوله:}سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ{ الفتح:11[، ولكن ربما كان بعضها حق، كالذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: }وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ{ ]التوبة:92[، فينبغي للإنسان أن يتحاشى هذا الخُلق وهو كثرة الاعتذار، فإن من الناس من ديدنه الاعتذار، فكثرته تدل على وجود خلل، فيَحسن بالإنسان أن يسلك مسلك الحزم، والمسؤولية، وأن لا يلجأ إلى هذا المخرج.

     وبعد هذا الفصل المهيب، الذي يحرّك كوامن النفس الإنسانية، وينفض البلادة التي تراكمت عليها، ينتقل السياق الى مقام آخر، يتعلق بالقرآن الذي فيه العظة، والحقّ، والهدى، فيقول الله مُخاطباً نبيه: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه (16)  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ]سورة القيامة:16-19[، هذه القطعة تصف حال النبي صلى الله عليه وسلم حين تنزُّل القرآن، فقد كان لفرط حرصه, بأبي هو وأمي r؛ على ضبط القرآن وحفظه، إذا تنزّل عليه جبريل بالقرآن، يتمتم بشفتيه، يسترجعه؛ لأجل أن لا يضيع عليه، لأنه مدركٌ أنه رسول، وأن عليه البلاغ، فيخشى أن يتفلّت شيء منه؛ فيأخذ في استذكاره، واسترجاعه أثناء تنزله. عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ... فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}، قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَرَأَهُ)([6]). فتكفل الله له بأمور:

أولًا: أن يجمعه في صدره.                    

ثانيًا: أن يمكّنه من تلاوته، فيقرأه كما أُنزِل

 ثالثًا: بيانه له، فلا يلتبس معناه عليه.

     وهذا فضل عظيم، ونعمةٌ سابغه. فالله تعالى قد بيّن لنبيه ما أنزل إليه، وعرفه مراده منه، ثم هوr بيّن لأمته كل شيء، و لم يدع شيئًا من الكتاب بمنزلة الأحاجي والألغاز التي لا سبيل للعلم بها. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ]النحل : 44[، فمن مهمة النبي صلى الله عليه و سلم البيان ، وقد فعل حتى أنه استنطق أمته في حجة الوداع، قال: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ )([7]).

     فهذه نعمة عظيمة, لاريب أنها تجعل المؤمن في طمأنينة تامّة إلى النص, وإلى معنى النص، إنها موثوقية ليس فوقها موثوقية، كما قال في سورة الحجر: {إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ]الحجر: 9[. وذلك يشمل حفظ ألفاظه، وحفظ معانيه، فليس لأحد أن يقدح في حرف من حروف القرآن، أو يدعي نقصًا، أو زيادة، أو تحريفًا. قد تكفّل الله بحفظ القرآن بنفسه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، كما وكل التوراة إلى الربانيين والأحبار، فضيعوها، كما قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44]. فما بين دفّتي المصحف كلام الله، لا يختلف المسلمون في هذا ، دعك من الروافض الذي يزعمون أن مصحفنا ثلث مصحف فاطمة! هذا من ترّهاتهم وأكاذيبهم, وليس في أهل الأهواء أكذب من الرافضة، ودعك من أصحاب المذاهب الكلامية الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بيان بعض الأشياء لأمته، ليستنبطوها بعقولهم، ابتلاء لهم! سبحان الله! أيبين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة دقائق المسائل؛ في العبادات، والمعاملات، والعشرة الزوجية، والآداب؛ حتى قضاء الحاجه، ويدع أكبر الأمور؛ وهو ما يتعلق بالعلم بالله، وأسمائه، وصفاته، للتخرصات!.

     فالمنحرفون في هذا الباب، ثلاث طوائف: أهل التأويل: الذين يصرفون النص عن المعنى الحقيقي إلى معنى مجازي، بدعوى وجود قرينة، وأهل التجهيل: الذين يقولون لا سبيل للعلم بالمعنى، لأنه لا يعلمه إلا الله. وأهل التخييل: الزنادقة الذين يزعمون أن للنصوص ظهرًا وبطنًا. وهؤلاء ليسوا من أهل الإسلام، بخلاف أهل التأويل وأهل التجهيل، فهم أهل القبلة، لكنهم ضلّوا بنوع اجتهاد. أما أهل التخييل فهم زنادقة، قرامطة، يتلاعبون بنصوص الصفات والمعاد والأحكام، ويخترعون دعاوى باطنية بلا دليل.

      لاريب أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد بيّن القرآن كله بيانًا شافيًا، حتى أن مجاهد بن جبر يقول: عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فاتحتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ أُوقِفُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ([8]). فكيف يتخيّل متخيّل أن ثمَّ شيء من القرآن متروك لاجتهاد الأمة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينه؟! هذا طعن في النبي صلى الله عليه و سلم، وطعن في القرآن الكريم، بل وطعن في حكمة الله تعالى. حاشا ربنا عزّ و جل، وحاشا نبينا صلى الله عليه وسلم، وحاشا القرآن العظيم، أن يقع فيه شيء موهوم، فإن وقع، فهو توهم منهم، وأما الراسخون في العلم، فيعلمون مراد الله عز وجل، ومراد نبيه صلى الله عليه وسلم. فهذه الآيات أصل في بيان موثوقية القرآن.

قوله: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ} ]القيامة : 20[، {كَلَّا} إما أن يراد بها التنبيه، أو أنها بمعنى حقًا، أي أن حقيقة الأمر أن الصارف لكم عن قبول الحق وإثبات المعاد، تعلقكم بالدنيا، وتشبّثكم بشهواتها العاجلة.

قوله: {وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ}]القيامة : 21[، أي تنفرون من ذكر الموت، وما بعد الموت، وتريدون أن تقطفوا هذه الثمرة العاجلة من الشهوات الدانية، وتتشاغلوا بها، هذه حقيقة الحال لدى عامة بني آدم.

     أما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وأقرّوا بالمعاد، فقد وصفهم الله سبحانه وتعالى وصفًا رائقًا، بديعًا، فقال:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، هؤلاء هم أهل الجنة، وهذه الآية من أشهر أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات النظر إلى وجه الله الكريم. أهل السنة والجماعة يثبتون رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في مقامين؛ في عرصات القيامة، يعني في مواقف الحساب، كما دل على ذلك حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، في صحيح البخاري، المسمى حديث الشفاعة الطويل، وبعد دخولهم الجنة. (ناضرة): من النضرة، وهي البهاء، والجمال، والرونق، الذي اكتسبته بسبب كونها: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. (وناظرة): من النظر, وهو المعاينة بالأبصار. وكلمة (نظر) لها ثلاث استعمالات في لغة العرب:

  • إما أن تأتي مطلقة : كقول القائل أنظرني، فتدل على التريث والانتظار.
  • وإما أن تأتي متعديّة بـ (في): فتدل على التأمل والاعتبار، كقولك نظرت في المسألة، نظرت في الأمر.
  • أو تأتي متعدية بـ (إلى) : فتعني المعاينة بالأبصار، كما جاءت هنا.

     فلا يختلف العرب أن نظر إذا تعدت بـ(إلى) فإنها تدل على المعاينة بالأبصار، فدلت الآية دلالة صريحة على  نظر المؤمنين إلى ربهم يوم القيامة. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، التي دل عليها الكتاب، والسنة، والإجماع. فأما دلالة الكتاب فكما في هذه الآية، وفي قول الله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} ]يونس : 26[، فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم: الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم([9])، وقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ]ق : 35[، فسر المزيد بأنه النظر إلى وجه الله الكريم.

        واستنبط قوم من السلف, منهم الإمام الشافعي، من قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}] المطففين: 15[ إلى قوله: {عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ}]المطففين: 35[ إثبات النظر إلى وجه الله الكريم، فقال لما حُجِب أولئك في السخط، نظر هؤلاء في الرضا، وهذا من دقيق فهمه رحمه الله.

كما دلّت السنة المتواترة، على إثبات الرؤية، حتى عُدّت أحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة، كما قال الناظم([10]):

        مما تواتر حديث من كذب              ومن بنى لله بيتا واقترب

ورؤية شفاعــــة والحوض               ومسح خفين وهذي بعض

 والتواتر في الرواية أقوى أنواع الثبوت، فقد جاء فيها أحاديث صحاح، لا يمكن ردها ولا تأويلها، ومنها:

     حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، في الصحيحين: أَنَّ نَاساً قَالُوا لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : يَا رَسُولَ اللّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟" قَالُوا: لاَ. يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟" قَالُوا: لاَ. يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ" )([11]

     وحديث جَرِيرُ بْنُ عبداللَّهِ، في الصحيحين: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ نَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: (أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لاَ تُضَامُّونَ - أَوْ لاَ تُضَاهُونَ - فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا)([12]) يريد بذلك صلاة الفجر، وصلاة العصر.

     وحديث أبي موسى، في الصحيحين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلاَّ رِدَاءُ الْكِبْر عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ)([13])

      وحديث صهيب، في أفراد مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ: يقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: تُرِيدُونَ شيئًا أزِيدُكُمْ؟ فيَقولونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ، وتُنَجِّنا مِنَ النَّارِ؟ قالَ: فَيَكْشِفُ الحِجابَ فَما أُعْطُوا شيئًا أحَبَّ إليهِم مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ عزَّ وجلَّ. وفي رواية: وزادَ ثُمَّ تَلا هذِه الآيَةَ: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيادَةٌ})([14]).

وحديث جابر، في أفراد مسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فَيَتَجَلَّى لَهُمْ وَهُوَ يَضْحَكُ)([15]), وذلك في عرصات القيامة.

     وهذا يسير من كثير، من الأحاديث الثابتة في السنة، في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، عيانًا بأبصارهم. كما انعقد الإجماع أيضًا على هذه المسألة الشريفة، فلا يختلف أهل السنة والجماعة على إثبات نظر المؤمنين إلى ربهم يوم القيامة. جعلنا الله ممن يتنعم بالنظر إلى وجهه الكريم.

     بل إن المؤمنين يتفاوتون في هذا؛ فمنهم من يرى ربه في الجنّة بكرةً وعشيًا، ومنهم من يراه يوم المزيد، وهو ما يقابل يوم الجمعة في الدنيا, على حسب مراتبهم. نسأل الله أن يعلي منازلنا عنده. وأنشد ابن القيم -رحمه الله-  في ميميته، يصف هذا الحال الناعمة:

فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيمُ

ولكننا سبى العدو  فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلمُ

وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطّت به أوطانه فهو مغرمُ

وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكمُ

فحيَّ على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيمُ

نسأل الله أن يبلغنا جنات عدن، وأن ينضِّر وجوهنا بالنظر إلى وجهه الكريم.

     وأنكرت المعتزلة, ومن لفّ لفهم، من الإباضية، والزيدية، والرافضة، النظر إلى وجه الله الكريم، وقضوا على أنفسهم بالحرمان من أعظم النعم! زعموا أنه لا يمكن أن يُرى مطلقًا، واستدلوا بدليلين:

 أحدهما : قول الله تعالى لموسى عليه السلام، حينما قال : {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}،فقال له ربه: {لَن تَرَانِي}]الأعراف : 143[، قالوا: فأتى بـ (لن) التي تدل على النفي المؤبد.

     فيقال جوابًا عنهم: إن قول الله تعالى لموسى: (لن تراني), أي في الدنيا، ولو كانت رؤيته ممتنعة, ولا يمكن أن تقع أبدًا, لعتب على موسى، وعدّ سؤاله فاسدًا، كما عتب على نوح لمّا سأل سؤالًا فاسدًا، وقال: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ] هود: 45[، فقال له: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}] هود: 46[، لكنّه لم يعتب على موسى أن سأله الرؤية، ولم يجبه لعلمه أن لا يطيق ذلك في الدنيا، وأحاله على أمرٍ ممكن فقال: {ولَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}] الأعراف: 143[, ولو شاء الله لأقرّ الجبل، لكن أراد أن يبين لموسى أنه لا يطيق ذلك، لهذا: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا} ] الأعراف: 143[.

 وأما زعمهم أن (لن) تفيد النفي المؤبد، فهو خلاف اللغة، وقد ردّ عليهم ابن مالك، رحمه الله، وهو من أئمة اللغة، فقال في ألفيته:  

وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ  مُؤَبَّدَا        فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا

أما دليلهم الثاني: فهو قول الله تعالى: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ] الأنعام: 103[، وقد أجاب أهل السنة عنه بجوابين:

أحدهما : جواب عائشة رضي الله عنها: لا تدركه الأبصار في الدنيا.

الثاني : أن المنفي هو الإدراك، الذي بمعنى الإحاطة، وليس الرؤية. ونفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، فقد نرى الشيء ولا ندركه؛ نرى القمر، ولا ندرك تفاصيله، نرى الجبل ولا ندرك تفاصيله، فلا يلزم من نفي الإدراك نفي الرؤية، فيمكن أن تقع رؤية دون أن يقع إدراك. وفي قصة موسى وفرعون، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}[الشعراء:61، 62], فقد حصلت الرؤية، ولم يحصل إدراك.

        غير أن هؤلاء الضالين لا يرفعون رأسًا بالنصوص، وإنما يعتقدون ثم يستدلون، والواجب أن يستدل الإنسان ثم يعتقد، ولهذا سمي الدليل دليًلا،  لأنه يقود المستدل به إلى ضالته، أمَّا أن يقعّدوا القواعد، ويضعوا المقدمات، ثم يعرضوا عليها النصوص؛ فما وافقها أمضوه، وما خالفها ردوه، أو تأولوه، فهذه ليست طريقة السلف. وبسبب هذا المسلك طوّحوا يمنةً ويسرة، وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وقضوا على أنفسهم بالحرمان من أعظم نعيم، وهو النظر إلى وجه الله الكريم.

قوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}] سورة القيامة: 24-25 ]: تلك وجوه الكافرين، باسرة: كالحه، عابسة. كما قال الله تعالى في التنظير بين الفريقين يوم القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ] سورة عبس: 38-42 [، والوجه هو عنوان الإنسان، ومرآة القلب، فما يكون في القلب يفيض على الوجه، فلذلك لمّا سُر المؤمنون وتنعّموا بالنظر إلى وجه الله الكريم؛ نضرت وجوههم. وأولئك لمّا قنطوا من رحمة الله، وأدركوا أنهم هالكون ؛ بسرت وجوهم، وكلحت، وعبست. والفاقرة: هي المصيبة الداهية التي تقصم الفقار، وهو الظهر.

قوله: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[سورة القيامة: 26-30 ]، كلمة كلا هاهنا، إما أن تكون كلمة ردع، وزجر لذلك المنكِر للبعث والمعاد، وإما ان تكون بمعنى: حقّا، فيكون هذا من باب التحقيق لأنه حق لاشك فيه. والتي تبلغ التراقي: هي الروح التي كانت تعمُر ذلك الجسد، طوال عقود من الزمان، قّلت أو كثرت، قال تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ}[فاطر: 11]، والتراقي: هي العظام التي تكتنف ثغرة النحر, المُمتدة من العاتق الى ثغرة النحر، واحدتها ترقوة

     هذه اللحظات العصيبة من أشد ما يمر على ابن آدم، وهي لحظات الاحتضار، ومفارقة الدنيا، بعد هذا العصف الذي مرّ به, وتقلب فيه في أحوال الدنيا؛ ذهابًا وإيابًا, وقيامًا وقعودًا, واتجارًا, وزواجًا, وغير ذلك من مناشط الحياة, يصل إلى حال لا يتمكن فيها من الحراك، ولا يجلب لنفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضرًا. يمدد على سريره في بيته، أو في المستشفى، وأهله من حوله لا يملكون له شيئًا. فتدركه السكرة، وكرب الموت، التي لابد لكل حيّ أن يتجرعها: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق : 19]،

وقال: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 83 ]، يعني: من حوله، أو هو نفسه أيضًا، ولكنه نظرٌ لا يُثمر شيئًا، فقد يُبصر المُحتضَر ما لا يبصر غيره من ملائكة الرحمن؛ فأما المؤمن فتحيط به ملائكة الرحمة، و أما الكافر فُتحيط به ملائكة العذاب. قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}[سورة الأنعام: 61-62]

     فهذه اللحظة العصيبة، تبلغ فيها الكربات والسكرات مبلغاً شديداً عظيماً،

وعن عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالاَ: (لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ)[16]

     وهذه السكرات تنال المؤمن والكافر، إلا أنها للمؤمن رحمة؛ يكُفّر الله تعالى بها ما شاء من السيئات، أو يرفعه بها ما شاء من الدرجات التي لم يبلغها بعمله. وأما الكافر فتكون له عذابًا. فأما لحظة مفارقة الروح للبدن فيتميّز فيها المؤمن عن الكافر، فتخرج روح المؤمن خروجًا لطيفًا؛ تُسلُّ كما تُسلُّ الشعرة من العجين، وكما تنزل القطرة من فم السقاء، وأما الكافر فإن روحه تتفرق في جسده فتُنزع نزعًا اليمًا كما ينزع السفّود من الصوف المبلول، والسفّود حديدة فيها نتوءات ، فاذا وضع في الصوف علق به وشق نزعه، لا سيما إذا كان مبلولًا. قال تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا *وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} [النازعات: 1 ]، فالنازعات: الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار نزعاً، والناشطات: الملائكة الذين ينشطون روح المؤمن نشطًا، كالذي معه أنشوطة يتناول بها الشيء بخفة ويسر. فهذه اللحظات الحرجة لابد لكل حي منها:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [ آل عمران : 185 ].

قوله: {مَنْ رَاقٍ} [القيامة: 27] أي: هل من طبيب شاف، حاذق، ماهر، يدرك هذا المحتضر؟، أو أن المقصود الرقية الشرعية، لما أعيت الوسائل المادية، كما قال الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله- ، فيبحثون عن راق يرقيه. وهذا حال الناس حينما يحتضر المحتضر بين أيديهم؛ يتصلون بالإسعاف, و يحملونه إلى المستشفيات المتخصصة لاستنقاذه من قدر الله, و أنى لهم! قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}[الأعراف: 34 ] وقال: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:  34، النحل: 61 ، يونس: 49], وقال النبي r: (إن رُوحُ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا، وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمِ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)([17]).

وقيل في معنى {مَنْ  رَاقٍ}، من يرقى به في السماء ؟ هل ترقى به ملائكة الرحمة ؟ أم ترقى به ملائكة العذاب ؟، فيكون ذلك من الرُقي.

قوله: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ}[القيامة: 28]، ظن هنا، بمعنى استيقن، أي : وقع في قلبه يقينٌ جازم بأنه هذه لحظة فراق الدنيا التي مكث فيها ما مكث، وأمضى فيها ما أمضى، وأجلب فيها ما أجلب ، وخاض فيها ما خاض.

قوله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}[القيامة: 29]، هذا التعبير البديع يحكي لحظة الكرب والشدة، يعني :تكالبت عليه الشدائد، فالعرب تعبّر بهذا التعبير للدلالة على اجتماع الشدائد، شدائد الدنيا, وشدائد الآخرة، فهو في آخر أيامه في الدنيا، و أول أيامه من الآخرة. وقيل في معناها: ماتت قدماه اللتان كانتا تحملانه، ويصول بهما ويجول، فلم يعد يحمله شيء! وقيل: إشارة إلى لفهّما بالكفن. وهذه معانٍ تدل على حالة راهنه يعيشها هذا المحتضر.

قوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}[القيامة: 30], والروح يُصعد بها إلى السماء، سواء كانت روح مؤمن أو روح كافر، كما في حديث البراء بن عازب الطويل، وقال فيه عن روح المؤمن: "فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ". قَالَ: " فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ)، وقال عن روح الكافر: (فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: " اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا. ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ، فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ)([18]).

     وقد تقدم في أول سورة المعارج قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، أن أحد الأقوال في تفسير الروح: أنها أرواح الموتى، والقول الآخر و هو الأرجح، أنه جبريل، عليه السلام. فقوله: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}،  كقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} [ الأنعام : 62 ].

      فأيّ صدمةٍ ستعتري  منكِر البعث الذي عاش عمره، وهو لا يصدق بيوم الدين، ولا يؤمن بالله العظيم، حينما يقف ذلك الموقف؟! ويروى أن أحد الملحدين، قال لأحد المؤمنين: ما شعورك حينما تموت و تكتشف أن كل ما كنت تعتقده مجرد خرافات وأوهام؟ فرد على البديهة: لن يكون أسوأ من شعورك حينما تموت و تكتشف أن كل ما كنت تنكره بات حقًا!.

قوله: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ (31) وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ (33) أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ} [سورة القيامة: 31-35]، هذه العبارات التبكيتية، فيها حطٌ و إزراء على هذا المكذّب المنكِر للبعث، فيصف الله حاله في الدنيا؛ بأنه لا صدّق بقلبه، ولا صلّى بجوارحه،، بل أفنى عمره مكذبًا، منكرًا، كافرًا، لم يركع لله ركعة، ولم يسجد لله سجدة. و هذا يدل على عِظم قدر الصلاة و أهميتها، و ملازمتها للإيمان، حيث ذكرها من موجبات عذاب الكافر، فبدلًا من التصديق، اتصف بالتكذيب، وبدًلا من الصلاة اتصف بالتولي، كان يدعى في الدنيا إلى الصلاة، ويُقال له: أقم الصلاة، فيتولى ولا يرفع بذلك رأسًا.

     وقد عدَّ ابن القيم، رحمه الله، هذه الآية، الدليل السابع من أدلة القائلين بكفر تارك الصلاة، فقال: (فلما كان الإسلام تصديق الخبر، والانقياد للأمر، جعل سبحانه له ضدين: عدم التصديق، وعدم الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب، والصلاة بالتولي، فقال: {وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}، فكما أن المكذب كافر، فالمتولي عن الصلاة كافر، فكما يزول الإسلام بالتكذيب، يزول بالتولي عن الصلاة. قال سعيد عن قتادة: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} لا صدق بكتاب الله، ولا صلى لله، ولكن كذب بآيات الله، وتولى عن طاعته) ([19]).

قوله: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ}[القيامة: 36]، هذا تصويرٌ عجيب لحال هذا المعرض الذي لا يبالي، كان في هذه الدنيا يتفكّه، ولا يكترث بالمواعظ، ولا يرفع رأسًا بالذكرى، و يذهب إلى أهله متبخترًا، متخايلًا، يتفهّق في مشيته، {يَتَمَطَّى}، تعبيرٌ بديع، يرسم صورةً بدنية، وصورةً نفسية، لهذا المعرِض، فهو خلي الفؤاد، غير مكترثٍ بما يُلقى عليه، وفي الوقت نفسه يسير سيرة المختال، المتباهي، الغافل. كما وصف الله تعالى في سورة المطففين: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ}[سورة المطففين: 31-32]، هكذا حال المنكرين الكفرة، يقع في أنفسهم من العُجبِ و الزهو ما يحملهم على تصويب أنفسهم، وتخطئة المصيبين.

قوله: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ (34) ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَى}، أُختُلِف في المراد به،  فقيل: أنه وعيد إثر وعيد، و يشهد لهذا المعنى ما وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل ، حينما آذى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ النبي صلى الله عليه و سلم بتلابيبه، وقال له: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى, فيكون ذلك من باب الوعيد و التهديد المتكرر.

     وقيل: أنه خرج مخرج السخرية به، كأنما يُقال: حُقَّ لك أن تتمطّى وأن تتبختر، فأنت بذلك حقيق، كما قال الله عزّ و جلّ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49 ]، يعني: يا من كنت في الدنيا عزيزًا في قومك، كريمًا فيهم، وكما قال: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الإنشقاق: 13]، فيكون هذا من باب السخرية. فهذان معنيانِ صالحانِ لحمل الآية عليهما.

 

قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}, استفهام إنكاري، وسؤالٌ يغوص في أغوار النفس، ويستنفر ما فطرت عليه من معارف وحقائق؛ يقول لكل نفسٍ مُنصِفة، ولكل ضمير حي، ولكل عقل سوي: هل يمكن أن يُقيم الله تعالى هذا العالم العلوي، و هذا العالم السفلي، و يخلق الإنسان، و يستعمره في الأرض، ويستخلفه فيها عبثًا، وسفهًا بلا حكمة، ولا غاية، ولا قصد ؟! هذا في غاية الامتناع.

ومعنى {سُدًى} همَلا، بمعنى: لا يُؤمر، ولا يُنهى، وقيل بمعنى: لا يُبعث، بل يأكل ويشرب، وينكح وينام، ويستيقظ ويموت، وحسب! ولا تعارض بين المعنيين. فلا يمكن أن يكون هذا مُرادًا لله. حاشا الله عن العبث والسفه، هو الحكيم سبحانه في شرعه، وقدَرِه، فلا يمكن أن يوجد الإنسان في هذه الدنيا دون أن يُبتلى بالأوامر والنواهي، فتُحمَل الآية على المعنيين، كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [ المؤمنون : 115 ].

 

     فهذه آية محكمة، وحجة قاطعة، يمكن أن يجبه بها المؤمن كل ملّحد، و يقول له ماذا تظن؟! أين تذهب؟! هل يمكن أن يخلق الله الخليقة، و يقيمهم في الأرض، لا لهدف، ولا لغاية ؟! وقد قال: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} [العنكبوت: 44]، فمقتضى الحق: أن لا ينتهي المشهد، وتنتهي الدنيا، وصاحب الحق لم ينل ثوابه، وصاحب الباطل لم ينل عقابه، ألسنا نرى بأعيننا المظلوم يموت مظلومًا، و الظالم يموت ظالماً؟ هل يمكن أن يتناسب ذلك مع خلق السماوات والأرض بالحق؟ لا والله! إذًا لابد من فصلٍ آخر، يُردّ فيه الحقّ إلى نِصابه، ويُجازى المُحسن على إحسانه، و المُسيء على إساءته.

 

قوله:{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}، بلى والله، وإذا جاء السؤال مُصدَرًا بهمزة الاستفهام، فجوابه في حال الإقرار: بلى، وليس: نعم. وهذا استفهام تقريري، فيه تذكير بأصل الخلقة. وكل إنسان يعلم أن هذا أصله؛ نُطفةً مَذِرة، نتنه، تشنؤها العين، وتزدريها، وتشمئز منها. هذا أصلك يا ابن آدم! ما يقذفه الرجال في أرحام النساء، وآخر عهدهم هذه المتعة العابرة التي نالوها ثم نسوها، لكن الله عزّ وجل، يتعاهد هذه النطفة التي استقرت في الرحم، ويُنشؤها خلقًا جديدًا، والزوجان في غفلة لا يدريان.    

قوله: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ}[سورة القيامة: 38], دامت النطفة أربعين يوماً، ثم امتدت إليها الأوعية الدموية المبطنة لجدار الرحم، فتغلغلت فيها وغذّتها، فاستحالت علقة تعلق في جدار الرحم، ثم توالت الانقسامات الخلوية فصارت مضغة كقطعة من اللحم، تارةً تكون مُخلّقة، وتارةً غير مُخلّقة. لكن إن أراد الله تعالى لها أن تحيا، فستتخلّق؛ ويظهر فيها رأس، ويدان، ورجلان، وتصبح جنينًا يواصل نموه حتى التمام. فمرحلة النطفة أربعون، والعلقة أربعون، والمضغة أربعون، فتلكم أربعة أشهر، فإذا تمت بعث الله المَلَك على تمام أربعة أشهر فتسور على الجنين الرحم،  ثم نَفَخ فيه الروح، كما قال صلى الله عليه وسلم:  (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ)([20]).  فقوله: {فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ}، طيٌّ لذكر بقية المراحل التي ذكرها الله تعالى في سورة المؤمنون: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 12 - 16], والله تعالى يذكر تخليق الجنين، في مواضع عدة من القرآن العظيم، لأنه من أعظم دلائل الربوبية، فتارة يذكرها مبسوطة مفصلة، وتارةً يذكرها موجزة مجملة، كما في قوله: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} [ سورة الانفطار: 7-8 ]، وقوله: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} [ آل عمران : 6 ].

تبارك ربُنا! حينما تتفحص وجوه الناس لاتجد وجهين مُتطابقين!، حتى التوائم المُتماثلة لايتطابقون تماماً، تصفح وجوه الناس، وأنت تسير في المسجد الحرام، وعلى صعيد عرفات، حيث يأتون من كل فجٍ عميق، حاول أن تجد شخصين متطابقين، تجد تشابهًا، ولا تجد تطابقاً؛ لا في الهيئة، ولا في اللون، ولا في بصمة الاصبع. تبارك ربنا سبحانه!. قال تعالى {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات : 47].

 

 قوله:{فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ} [القيامة: 39]، كانت البداية واحدة، لكن الأمر آلَ إلى ذكورةِ وأنوثة,  لكي تتم حكمة الله تعالى في التزاوج، والتناسل، والتكاثر. هذا تذكيرٌ عظيم لأولئك المنكرين للبعث.

قوله: {أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ} [القيامة: 40], سؤال ساحق ماحق لشُبهاتهم، بلى والله! إن الذي خلق الخلق قادر على إعادته، بل هو أهون عليه.

وقد جاء في بعض الأحاديث، وحَسّنها بعض أهل العلم، أن الإنسان إذا قرأ هذه الآية أوسمعها فإنه يُشرع له أن يقول: سبحانك فـبلى:  (كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَوْقَ بَيْتِهِ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}، قَالَ: «سُبْحَانَكَ»)([21]), وَمَنْ قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}، فَلْيَقُلْ: بَلَى)([22]). لأن هذا من تصديق خبر الله تعالى.

 

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: إقسام الله بما شاء من الأزمنة، والأمكنة، والأشياء.

الفائدة الثانية:  مناسبة المقسم به للمُقسم عليه أو سياقه.

الفائدة الثالثة: إذا كان المقسم عليه مُنتفياً، جاز الإتيان بـ(لا) قبل القسم، لتأكيد النفي.

الفائدة الرابعة: إثبات المعاد وتأكيده، والقطع بوقوعه.

الفائدة الخامسة: وصف المعاد بالقيام.

الفائدة السادسة: بيان حال من أحوال النفس الإنسانية.

الفائدة السابعة: أن التلوّم يكون على الخير والشر، والهدى والضلال.

الفائدة الثامنة: استعمال الاستفهام الإنكاري لدحض الشبهات الباطلة، وإتباعه بالجمل التقريرية الجازمة.

الفائدة التاسعة: بيان انحراف الطبيعة الإنسانية بالكفر والفجور، أو طول الأمل، أو تعمد الكذب، وغمط الحق.

الفائدة العاشرة:  تشبثّ المنكرين للحق بأمور خارجة عن محل النزاع.

الفائدة الحادية عشرة:  بيان جانب من أحوال يوم القيامة وآثارها على النفس وفي الآفاق.

الفائدة الثانية عشرة: الحرج العظيم، والمأزق الفظيع، الذي ينتظر منكر البعث.

الفائدة الثالثة عشرة:  استحالة الفرار والنجاة والملجأ، من عذاب الله.

الفائدة الرابعة عشرة:  إحاطة علم الله بجميع أعمال بني آدم.

الفائدة الخامسة عشرة:  إثبات العرض والحساب.

الفائدة السادسة عشرة: استيقان المماطل من كذب نفسه، وبصيرته بها.

الفائدة السابعة عشرة:  أن المعاذير منها حق، ومنها باطل.

الفائدة الثامنة عشرة: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على البلاغ.

الفائدة التاسعة عشرة:  تكفّل الله بحفظ وحيه لفظًا ومعنى.

الفائدة العشرون:  الرد على شبهات الطاعنين في القرآن.

الفائدة الحادية والعشرون: الرد على شبهات أهل التأويل، والتجهيل، والتخييل.

الفائدة الثانية والعشرون: بيان الطبيعة الإنسانية في التعلق بالشهوات الدنيوية العاجلة، وإنكار الآخرة.

الفائدة الثالثة والعشرون: كمال نعيم المؤمنين يوم القيامة، حتى يظهر أثره على وجوههم.

الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.

الفائدة الخامسة والعشرون: استحكام قنوط الكافرين وظهور أثره على وجوههم.

الفائدة السادسة والعشرون:  أن الظن يأتي بمعنى اليقين.

الفائدة السابعة والعشرون:  أن منتهى منازل الروح من البدن التراقي.

الفائدة الثامنة والعشرون:  تشبّث الإنسان بالحياة، ونفاذ قدر الله فيه.

الفائدة التاسعة والعشرون: شدة الاحتضار، والنزع، وكرب الموت، واجتماع الشدائد.

الفائدة الثلاثون: التلازم بين التصديق والعمل. والرد على المرجئة، فمن أخرج العمل عن مسمى الإيمان فهو مرجئ.

الفائدة الحادية والثلاثون: أن ترك الصلاة مناف للإيمان، مخرج عن الملّة ، موجب للنار.

الفائدة الثانية والثلاثون:  التصديق والصلاة، قسيمان للتكذيب والتولّي.

الفائدة الثالثة والثلاثون: عدم مبالاة الكافر بكفره واستصغاره لذنبه، وكبره.

الفائدة الرابعة والثلاثون:  الدعاء على الكافر.

الفائدة الخامسة والثلاثون:  الاستدلال العقلي على مُنكِر البعث.

الفائدة السادسة والثلاثون:  الاستدلال الحسّي على مُنكِر البعث.

الفائدة السابعة والثلاثون: عظمة خلق الله وبديع صنعه، وكمال حكمته.

الفائدة الثامنة والثلاثون: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث، ونفي الحكمة.

 


([1]) أخرجه مسلم رقم (144).

([2]) تفسير الطبري: (20/ 554).

([3]) أخرجه البخاري رقم (4935), ومسلم رقم (2955).

([4]) أخرجه البخاري رقم (3481), ومسلم رقم (2756).

([5]) أخرجه مسلم رقم (2969).

([6]) أخرجه البخاري رقم (5), ومسلم رقم (448).

([7]) أخرجه مسلم رقم (1218).

([8]) أخرجه الطبراني في الكبير رقم(11097).

([9])أخرجه مسلم رقم (181).

([10]) ناظمها: محمد التاودي في (زاد المجد الساري), حاشية على البخاري.

([11]) أخرجه البخاري رقم (4581), ومسلم رقم (182).

([12]) أخرجه البخاري رقم (554), ومسلم (633).

([13]) أخرجه البخاري رقم (4878).

([14]) أخرجه مسلم رقم (181).

([15]) أخرجه أحمد رقم (14720).

 ([16]) أخرجه البخاري برقم (435)

([17]) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (7694).

([18]) أخرجه أحمد رقم (18534).

([19]) كتاب الصلاة وأحكام تاركها: (42).

([20]) أخرجه البخاري رقم (6594), ومسلم رقم (2643).

([21]) أخرجه أبو داود رقم (884).

([22]) أخرجه احمد رقم (7391).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:13 صباحًا الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.